القانون الدولي

بقلم ذ القاسمي مصطفى
باحث في سلك ماستر العلاقات الدولية الخاصة
تحت عدد: 574
أضحت المعاملات التجارة الدولية تؤدي دورا أساسيا في العلاقات الحديثة ذات طابع دولي، إذ تكاد تشكل المحور الأساسي لها، خاصة في ظل تسارع وثيرة العولمة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، ولا خلاف اليوم أن هذا التزايد قد رافقته حاجة ماسة إلى ضرورة إحداث ترسانة قانونية لضبط وتقعيد صيغ التعاملات التجارية الدولية، ووضع قواعد قانونية جديدة مواكبة لكل التطورات العلمية والتكنولوجية التي شهدها حقل التعامل التجاري،و حيث أصبح المجتمع الدولي للتجار حقيقة يتعذر إنكارها والذي يحتكم المتعاملون داخله إلى قواعد تراعي عامل السرعة والثقة والائتمان وتقوم على أساس حماية توقعات الأطراف.

وإن هذا التطور الذي عرفته الحياة الاقتصادية ونمو التجارة الدولية عبر الحدود قد لازمها الحاجة إلى حلول موضوعية تلاءم المعطيات الجديدة لمظاهر ذلك التطور والنمو،لأن هذا التطور أوجد أنواعا جديدة من العقود الدولية، لا تشتمل النظم القانونية الوطنية على قواعد تلاءم خصوصيتها وما تثير من إشكالات ذاتية خاصة على مستوى تنازع القوانين في تحديد القانون الواجب التطبيق على العلاقة التعاقدية محل النزاع.. وتاريخيا فان فض هذه المشاكل منذ القدم كان يتم بواسطة منهج قاعدة الإسناد الموروث على الفقيه "سافيني" الذي ظل مهيمنا فترة طويلة من الزمن في فض المنازعات التي تثيرها العلاقات الخاصة ذات الطابع دولي بصفة عامة ومنازعات عقود التجارة الدولية بصفة خاصة. وبسبب عدم توافق القوانين الوطنية التي يسند لها الاختصاص في نهاية المسلسل ألتنازعي مع حاجة منازعات عقود التجارة الدولية ، دعى الفقه إلى هجر منهج قاعدة الإسناد لصالح مناهج أخرى، وفي مقدمتها منهج القواعد المادية أو القواعد المباشرة التطبيق في حقل التجارة الدولية. و قد برزت القواعد المادية في بدايتها مع تكون مدن الفينيقيين على شواطئ البحر المتوسط، حيث وسعت اتفاقاتها مع المدن والدول الأخرى الحصول على امتيازات تجارية توحد بمقتضاها قواعد تنظيم نشاطها التجاري عبر الحدود، بما فيها القواعد القانونية الممثلة في الاتفاقيات التي أبرمها القرطاجيون مع روما أثناء حرب البونيك، ومع ذلك لم يعرف قانون التجارة كقانون مستقل إلا في العصور الوسطى عندما أصبحت التجارة الدولية تعبر حدود أقوام مختلفة وقد تطور وتبلور عبر العصور إلى أن أصبح نظام قانوني قائم في ذاته في مجال التجارة الدولية . وعلى هذا النحو تبرز أهمية دراسة هذا الموضوع من الناحية النظرية في كشف اللبس عن مكانة منهج القواعد المادية في حل مشاكل عقود التجارة الدولية ومدى قدرته على الوقوف في وجه منهج ألتنازعي والاستقلال عليه. ومن الناحية العملية في ارتباط هذا الموضوع بعقود تتنامى وتزداد يوما بعد يوم بصورة مطردة، لأن الأمر يتعلق بعقود تتميز في مجملها بقيمتها المالية الضخمة ويؤثر تنفيذها في الحياة الاقتصادية للدول وفي ميزانها التجاري. وانطلاقا مما سبق يمكن بسط الإشكالية التالية: «في ظل الانتقادات التي وجهت إلى المنهج ألتنازعي في عدم ملاءمته لفض منازعات عقود التجارة الدولية، فهل منهج القواعد المادية قادر على حكم واقع نزاعات عقود التجارة الدولية دون الحاجة إلى التكامل والتعايش مع المنهج ألتنازعي ؟ » ولا شك أن دراسة هذه الإشكالية تتطلب إعمال المنهج التحليلي في إطار تقسيم ثنائي نتناول فيه ماهية قواعد المادية(المبحث الأول)، تقييم دور القواعد المادية في فض منازعات عقود التجارة الدولية(المبحث الثاني). المبحث الأول:ماهية القواعد المادية سنتعرض في هذا المبحث إلى مفهوم القواعد المادية و خصائصها(المطلب الأول)على أن تطرق إلى مصادر هذه القواعد(المطلب الثاني). المطلب الأول: مفهوم و خصائص منهج القواعد المادية لاشك أن منهج القواعد المادية يعتبر نظام قانوني يقوم بذاته مما يتطلب الوقوف على المقصود به والخصائص التي تميزه عن باقي مناهج فض المنازعات الدولية الخاصة. الفقرة الأولى: مفهوم القواعد المادية يقوم منهج القواعد المادية على فكرة خلق بعض القواعد الأساسية ( المادية) التي تشتمل على حلول مباشرة لمنازعات العلاقات الدولية الخاصة ، فتطبق مباشرة بمعرفة القاضي ودون البحث عن قواعد الإحالة في قانونه المحلي والبحث عن القانون واجب التطبيق الذي تؤدي إليه. والمقصود بمصطلح القواعد المادية بصفة عامة " مجموعة القواعد القانونية التي تتكفل بوضع تنظيم مباشر للروابط القانونية يستوي في ذلك الروابط الوطنية والدولية"، كما يقصد بها بشكل عام تلك القواعد التي تضع تنظيما موضوعيا مباشرا للعلاقات التعاقدية الدولية الخاصة بشكل مستقل عن حلول القوانين الوطنية . وهي أيضا مجموعة من قواعد موضوعية أو مادية مستقاة من مصادر متعددة على نحو يجعل منها قانونا خاصا مستقلا عن القانون الذي يحكم الروابط الداخلية البحتة . بيد أن هذا المصطلح قد يكون له معنى محدود إذا أضيف إليه ما يضيق من مفهومه الواسع ، كأن يتعلق الأمر فقط بالقواعد المادية التي تحكم عقود التجارة الدولية مما يؤدي إلى تخصيص مدلولها السابق ، فتعني حينئذ مجموعة القواعد التي تضع حلول موضوعية للمشاكل التي تواجه عقود التجارة الدولية، حيث أضحت هذه القواعد تشكل قانونا مستقلا له ذاتيته يسميه البعض القانون التجاري بين الشعوب أو القانون اللاوطني أو قانون عبر الدول أو القانون العرفي عبر الدول أو القانون الموضوعي للتجارة الدولية . و بموجب القواعد المتقدمة يتم حل النزاع موضوعيا ودون حاجة إلى تعيين قانون معين ، لأنها وضعت أساسا لتستجيب لطبيعة العلاقات الخاصة الدولية ، ومن بينها الروابط العقدية ذات الطابع الدولي ، إذ أنها غالبا ما تأخذ بتأمل عميق العلاقات الدولية وتعطي حلولا تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات التجارة الدولية ، بصرف النظر عن القانون المختص وفقا لقواعد تنازع القوانين، ذلك أن مقتضيات التجارة الدولية توجب اطمئنان المتعاملين فيها إلى القيمة الاقتصادية الحقيقة التي ستعود عليه نتيجة إبرام عقدهم التجاري الدولي، فتغليب القواعد المادية على قواعد التنازع وفقا لهذا الرأي ، يرجع إلى طبيعة هذه القواعد التي وضعت أساسا لحكم الروابط الخاصة الدولية ، مما يقتضي التسليم بسموها على قواعد القانون الداخلي الذي تشير قواعد التنازع باختصاصه . ولم يكن بمقدور القواعد المادية أن تصل إلى هذا المستوى بدون مراعاتها للطبيعة الفريدة للعلاقات التجارية الدولية الخاصة والتي خلقت الحاجة إلى تبني قواعد دولية موحدة ، لكن استخدام هذه القواعد لم يقتصر على التجار فقط ، بل تعداه إلى الدول حينما دخلت مجال التجارة الدولية ، وتعاملت فيه كشخص من أشخاص القانون الخاص ، فكان عليها أن تقبل هذه القواعد الحاكمة لهذا المجال طالما ارتضت قواعد لعبة التجارة الدولية ، لتصبح هذه القواعد أساسا لنظام تقبله أغلب الدول بل وتشجعه وتؤيده في بعض الأحيان. كما كان للضغوط المرتبطة بحاجات التجارة الدولية وعلاقاتها ، و على مستوى سرعة و مرونة القواعد القانونية التي يجب أن تحكمها و التي لم تعد تتوافق مع تقنية التنازع و تعقيداتها ، بالغ الأثر في إرساء وجود هيئات ومؤسسات مهمتها الضغط على التشريعات للقبول بقواعد موحدة دولية لحكم العلاقات التجارية الدولية ، خاصة أمام تداخل مصالح الدول ومؤسساتها التي اخترقت الحدود ، فما كان على الدول إلا أن وجدت نفسها مضطرة وفي سبيل الانضمام إلى هذا المسار لقطف ثمارمفترضة منه ،أن تندفع في حركة تشريعية مواكبة له ومساعدة على نجاح خطواته. وفي هذا الصدد برزت اتجاهات جديدة تنادي بتحرير العقود من حكم القوانين الداخلية، و جعلها خاضعة لقواعد مادية تبلورت خارج الإطار القانوني الداخلي، وهذا ما تبنته بعض التشريعات و أرست تنظيم مباشر للعقود الدولية يتضمن قواعد مادية تلائم طبيعة هذه العقود و تساير متطلبات التجارة الدولية، كما ساهم القضاء بدوره في وضع قواعد مادية تطبق بصفة مباشرة على المنازعات المتعلقة بالعقود الدولية . الفقرة الثانية:خصائص القواعد المادية يتميز المنهج القائم على القواعد المادية ببعض الخصائص التي تميزه عن باقي المناهج التي تنشط في مجال القانون الدولي الخاص، والتي تعطي لهاته القواعد طبيعة خاصة ومن بينها: 1- قواعد مباشرة وموضوعية : – على عكس قواعد التنازع التقليدية – وهذا لأنها تعطي حلولا مباشرة للنزاع المعروض دون الاستناد إلى قانون معين ،و بالتالي يمكن للقاضي تطبيق هذه القواعد مباشرة دون المرور بقواعد التنازع لتحديد القانون الواجب التطبيق ، وبالتالي يسهل تطبيقها والعلم بها سلفا لقوة صلتها المباشرة بالقاضي أو المحكم. و قد أدي تطور و نمو التجارة الدولية في العقود الأخيرة إلى اتساع و تعقيد العلاقات التجارية التي تتخطى الحدود الإقليمية ، الأمر الذي تعذر معه على المشرع الوطني ملاحقة هذه المعاملات بالتنظيم ، الأمر الذي حذا برجال التجارة الدولية أنفسهم للقيام بهذه المهمة ، عن طريق استخلاص قواعد موضوعية مباشرة تكون أكثر قابلية للتلاؤم مع حاجاتهم ومصالحهم التجارية. 2- قواعد عامة تتلائم والعلاقات التجارية الدولية الخاصة : فنظرا للتضامن والتعاون بين رجال التجارة الدولية، الذين يظهرون كوحدة متماسكة بدرجة كافية تجعلهم يشكلون مجتمع دولي حقيقي، يتولى وضع القواعد السلوكية التي تحكم المعاملات التي تجري في هذا الوسط الدولي عن طريق السلطة التي تتمثل في التنظيمات المهنية والمنظمات الخاصة والدولية، فإن القواعد المادية موضوعة خصيصا لكي تناسب العلاقات التجارية الدولية الخاصة ، ولأنها تطورت حصرا في قطاع التجارة الدولية الذي يتلاءم بصعوبة مع النطاق الضيق للقانون الداخلي والعدالة الوطنية ، وما يؤكد هذا الفرض أن هناك مجموعة من الاتفاقيات الدولية تكرس هذه القواعد في مواضيع مختلفة كالبيع الدولي للأشياء المادية المنقولة ، السندات التجارية ، و الالتزامات التعاقدية ...إلخ ، زد على ذلك أن القواعد المادية أو الموضوعية للتجارة الدولية لا تهتم بصفة أساسية ولا تجد ضالتها إلا بمناسبة منازعات عقود التجارة الدولية ، خاصة مع وجود أجهزة في نطاق التجارة الدولية تعمل على احترام القواعد القانونية التي تحكمها - وهي قواعد مستقلة عن أطراف العلاقة ، تتجسد خصوصا في هيئات التحكيم التي تعد كسلطة قضائية حقيقة تساعد على استقلال المجتمع الدولي للتجار وتعمل على احترام قواعده ، يقابلها القضاء في التشريعات الوطنية ، وعلى حد تعبير البعض فإن هذا الأخير يمثل بدوره سلطة قضائية للمجتمع الدولي التجاري . إذن فالقواعد المادية تعد قواعد عامة ومصنفة لكي تتعامل مع حقل التجارة الدولية، ومع ما يتخلله من أنواع وفئات مختلفة من الصفقات التجارية، وبذلك تكون كقواعد أساسية مناسبة وملائمة لأنواع العلاقات التجارية التي وضعت من أجلها . 3- قواعد تستجيب لاحتياجات الأطراف في التجارة الدولية: باعتبارها تلائم وتستجيب لاحتياجات الأطراف في التجارة الدولية، فالقواعد التي تحكم المبادلات الدولية تستمد مصدرها في أغلب الأحيان من عادات وأعراف مهنية تطبق على المنازعات التجارية الدولية، فتكتسب تبعا لذلك قوة ملزمة . 4-قواعد سهلة التطبيق : بحيث يكون المتعاملون في ميدان التجارة الدولية ملمون بكيفية عملها ،مما يسهل معه تطبيقها، و في نفس الوقت يحافظ على توقعاتهم المشروعة و يوفر لهم الأمان القانوني المنشود من وراء تعاقداتهم وتوفير البيئة الملائمة التي تبلغهم المقاصد التي يربون إليها، فالقواعد المادية باستطاعتها خلق بيئة قانونية آمنة موثوق بها و يمكن التنبؤ بنتائجها ، وهذين المقصدين يعتبران من الخصائص المهمة التي تشكل الإطار القانوني للعلاقات التجارية . 5-قواعد ذات مضمون دولي ( أو عالمي ) : تتمتع القواعد المادية بمضمون عالمي، إذ أنها موجودة أصلا في النظم القانونية الوطنية أو الدولية كقواعد أو مبادئ ذات انطباق دولي، أعدت خصيصا لتحكم هذه العلاقات الدولية وتتلاءم معها ، لأن المضمون الدولي لهذه القواعد يدل على أنها تحكم العلاقات الخاصة ذات الطابع الدولي حتى لو كانت بعض عناصرها وطنية مادام الطابع لهذه العلاقات دوليا، بل أبعد من ذلك حتى لو كان أحد أطرافها دولة أو أحد أشخاص القانون العام . 6-قواعد ذات وظيفة وقائية وعلاجية في نفس الوقت : فمن حيث كونها ذات وظيفة وقائية، فذلك راجع إلى أنها تمنع نشوء النزاع والتنازع بين القوانين لمعرفة حكم القانون أو توحيده ،كما تساعد الأطراف في مرحلة التفاوض بشأن إبرام العقود ، وهو ما يقلل – إلى حد كبير – من فرص نشوء النزاع في المستقبل ، ولا شك أن الوظيفة الوقائية تعد اّلأولى لوظائف القانون بوجه عام. أما الوظيفة العلاجية ، فعند حدوث النزاع قد تساعد الأطراف على حسن التفاهم وإعادة التنفيذ السليم للالتزامات التعاقدية، و قد يتم عن طريق التوفيق والوساطة اللذين يؤديان إلى تسوية ودية وعادلة للنزاع ، وقد يكون العلاج عن طريق القضاء الذي يفضي إلى حكم ملزم في النزاع، وحتى في هذه المرحلة فالقواعد المادية قد تدفع المحكوم عليه بالتنفيذ للحكم إجباريا دون الأمر بالتنفيذ وذلك مراعاة للأحكام الموضوعية في القانون التجاري الدول . المطلب الثاني:مصادر القواعد المادية انقسمت مصادر القواعد المادية إلى مصادر ذات أصل داخلي تتخذ من الطابع التشريعي و الطابع القضائي أساسا لها (الفقرة الأولى)، و أخرى ذات أصل دولي اتخذت من الاتفاقيات الدولية ومن العادات و الأعراف الدولية مصدرا لها(الفقرة الثانية). الفقرة الأولى:القواعد المادية ذات الأصل الداخلي نتعرض في هذه الفقرة للقواعد ذات الأصل التشريعي والقضائي أولا: القواعد المادية ذات الأصل التشريعي تصدت بعض النظم القانونية لوضع تنظيم مادي للروابط العقدية الخاصة بالتجارة الدولية رغم صعوبة ذلك، حيث أن المشرع الداخلي لا يهتم في غالب الأحيان إلا بالتنظيم المادي للعلاقات الداخلية، محاولا الاقتصار فيما يخص العلاقات الدولية على اللجوء إلى إبرام المعاهدات الدولية، التي تتكفل بتنظيم هذه العلاقات وفقا لتوجه الأطراف المتعاقدة والهدف الذي ترمي إليه . غير أن هذا الأمر لا ينطبق على جميع التشريعات ، إذ أن هناك من التشريعات من أقدم على وضع تنظيم مادي يعالج الروابط العقدية الخاصة بالتجارة الدولية، من أبرزها التشريع التشيكوسلوفاكي الصادر في 04 ديسمبر 1963 م، والذي بدأ العمل به ابتداء من أول يناير 1964 م، الذي يعد أول تشريع في العالم تصدى للتنظيم المادي لعلاقات التجارة الدولية من خلال تقنين التجارة الدولية، فاحتوى على 726 مادة تعالج علاقات الأطراف في العقود التجارية الدولية على نحو متميز عن القواعد التي تنظم هذه العلاقات في إطار العقود الداخلية ، كما يوجد أيضا التقنين الخاص بالعقود الاقتصادية الدولية الذي صدر في ألمانيا الديمقراطية – سابقا- في 05 فبراير 1976، والذي جاء كثمرة لما جرى عليه العمل في العلاقات التعاقدية الدولية ،و أيضا التقنين الخاص بالتعاون التنموي و الصناعي و تحويل التكنولوجيا الصادر في سويسرا بتاريخ 14 يوليوز 1978. _قراءة في القانون المغربي: وفي المغرب نجد مثلا القانون التجاري التي تناول نماذج وإن كانت بسيطة لبعض العقود التجارية تهم عقود الرهن و الوكالة التجارية و عقود النقل و العقود البنكية، في حين ظلت أنواع أخرى من العقود على الرغم من أهميتها في مجال المعاملات التجارية الدولية دون تنظيم قانوني، نجد من بينها عقود التعاون الاقتصادي و عقود نقل التكنولوجيا و عقود تسليم المفتاح... و غيرها من العقود . ثانيا:القواعد المادية ذات الأصل القضائي يعتبر الاجتهاد القضائي مصدرا من مصادر القاعدة القانونية، من خلال إرساء و وضع القواعد القانونية و التي يمكن فيما بعد أن تطبق بصفة مباشرة على العلاقات التجارية الدولية، ومن بين القواعد التي رسخها القضاء نجد ما قرره مثلا الاجتهاد القضائي الاجتهاد القضائي الفرنسي من استبعاد تطبيق المادتين 83 و 1004 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي المتعلقتين بمنع اللجوء إلى التحكيم بالنسبة للدولة و الأشخاص العامة إذا ما تعلق الأمر بعقد أبرم لتلبية متطلبات التجارة الدولية ،حيث أقرت محكم النقض الفرنسية قاعدة موضوعية تطبق مباشرة على المبادلات التجارية الدولية بدلا من اللجوء إلى منهج التنازع، و تتمثل في الاعتراف بمشروعية شرط التحكيم في العلاقات الدولية الخاصة مع لأشخاص الأجنبية، و هذا خلافا لنص المادتين 83 و 1004 السالفتي الذكر . _العمل القضائي المغربي في إعمال القواعد المادية: إن العمل القضائي المغربي لم يصل إلى مستوى العمل القضائي الدولي الذي كرس \مجموعة من الممارسات التي أضحت تشكل قواعد مادية تطبق مباشرة دون على العقود الدولية،فالعمل القضائي المغربي في هذا الموضوع يميز بقلته وتباينه وسبب ذلك التقييد بقواعد ومقتضيات ظهير الوضعية المدنية للفرنسيين والأجانب بالمغرب ،الموروث عن الاستعمار والذي أضحى قاصر في العديد من مقتضياته ،ولا يساير التطور الذي عرفته مختلف القطاعات وخاصة قطاع التجارة الدولية . الفقرة الثانية :القواعد المادية ذات الأصل الدولي إن أهم القواعد المادية التي تشكلت خارج الإطار الوطني لمواجهة المشكلات الخاصة بعقود التجارة الدولية هي تلك المستمدة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية، التي تتبنى قواعد جوهرية خاصة بالعلاقات الدولية، فضلا على أن خصوصية هذه العلاقات أفرزت أيضا عادات وأعراف تجارية. أولا:المعاهدات و الاتفاقيات الدولية تعد المعاهدات و الاتفاقيات الدولية من أهم مصادر القواعد المادية في القانون الدولي الخاص، والتي يلجأ إليها خصيصا عند وضع قواعد تسري مباشرة على العلاقات الخاصة الدولية دون العلاقات الداخلية، التي تظل محكومة بالقوانين الداخلية للدول المتعاهدة، والأمثلة على ذلك مختلفة ومتعددة، نذكر منها على سبيل المثال اتفاقية الأمم المتحدة بشأن البيع الدولي للبضائع المبرمة في فيينا عام 1980 م، والتي تضمنت قواعد مادية موحدة وضعت خصيصا لتنظيم هذا النوع من البيوع. بحيث يستطيع قضاء الدول المتعاهدة تطبيقها تطبيقا مباشرا دون حاجة لإعمال منهج التنازع، وتعتبر عقود النقل هي الأخرى من أهم العقود التي كانت موضوعا للاتفاقيات التي تعتبر مصدرا للقواعد المادية في القانون الدولي الخاص المعاصر، مثلما هو الحال في اتفاقية " برن" المبرمة عام 1890م في شأن النقل الدولي بالسكك الحديدية للبضائع وكذا المسافرين وأمتعتهم . ولكن رغم كون المعاهدات من أهم المصادر الدولية للقواعد المادية في القانون الدولي الخاص، فهي لا تعد المصدر الوحيد لها، فإلى جانبها هناك مصدر ثاني لا يقل أهمية عن سابقه ألا وهو الأعراف والعادات الدولية ثانيا:الأعراف و العادات التجارية الدولية تعتبر الأعراف والعادات التجارية الدولية مصدرا هاما من مصادر القواعد المادية التي تحكم المنازعات الناشئة عن عقود التجارة الدولية ، حيث يقصد بها معنى واسع يشمل الممارسات المعتادة، بين أطراف المعاملات الدولية سواء كانت قد وصلت إلى مرحلة العرف الملزم لهذه الأطراف أو لم تكن قد وصلت إليه، إذ جرى قضاء التحكيم التجاري الدولي – باعتباره القضاء العام الذي تشكلت في إطاره العادات والأعراف – على تطبيقها تطبيقا مباشرا دون حاجة لإعمال منهج قاعدة التنازع، ورغم أن العادة و العرف ليسا على درجة واحدة من الأهمية أو القيمة القانونية بالنسبة للمحكم . هذا بخلاف القضاء الداخلي الذي لا يتصور إعمال هذه الأعراف و العادات على منازعات التجارة الدولية المطروحة عليه من خلال منهج التنازع، لأنها لا تشكل من الأصل جزءا من نظامه القانوني، كما أن التنازع لا يتصور قيامه إلا بين القوانين الداخلية للدول المختلفة، بالرغم من أن القضاء الحديث يميل إلى السماح بتنفيذ أحكام المحكمين التي طبقت الأعراف التجارية الدولية . _موقع الأعراف والعادات الدولية في القانون المغربي: إن النظام القانوني المغربي يعترف للعادات والأعراف التجارية بمكانة متميزة في حل المنازعات القائمة بين التجار، وذلك أمام صراحة المادة 2 من مدونة التجارة على أنه " يفصل في المسائل التجارية بمقتضى قوانين وأعراف وعادات التجار كما ترجح الأعراف والعادات الخاصة والمحلية على الأعراف والعادات العامة"،وكذلك قانون المسطرة المدنية في بابه المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية،في فصله 44/327 والذي ينص على أخد الهيئة التحكيمية في الاعتبار مقتضيات العقد الذي يربط بين الأطراف والأعراف والعادات السائدة في ميدان التجارة. المبحث الثاني: تقييم دور القواعد المادية في فض منازعات عقود التجارة الدولية لقد أظهر المنهج ألتنازعي قصوره و عجزه على الإلمام بمتطلبات التجارة الدولية، و بعد اتجاه الفكر القانوني نحو خلق قواعد مادية تعطي حلول مباشرة للنزاعات المرتبطة بهذه التجارة، كثرت التساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تلعبه القواعد المادية في حل منازعات عقود التجارة الدولية، رغم أنها كذلك وجهت لها عدة انتقادات (المطلب الأول) إلا أن هناك مجموعة من الأسباب تشكل سندا قويا بضرورة تغليب القواعد المادية في فض المنازعات عقود التجارة الدولية (المطلب الثاني). المطلب الأول: الانتقادات الموجهة إلى منهج القواعد المادية لقد وجه بعض الفقهاء ممن حاولوا الطعن في مدى قدرة هذه القواعد المادية على إيجاد الحلول الملائمة لعقود التجارة الدولية جملة من الانتقادات،يمكن أن نلخصها في النقاط التالية: أولا:انتفاء صفة النظام القانوني على القواعد المادية حيث لا توجد هيئة أو مؤسسة تدير هذه القواعد، فالنظام القانوني- بالمعنى الدقيق للاصطلاح- هو مجموعة القواعد الخاصة و الأجهزة القادرة على تطبيقها، و التي توجد مع نشأة و نشاط وحدة اجتماعية معينة هي بذاتها ذات طبيعة خاصة، و بالتالي يصعب الاعتراف بصفة النظام القانوني للقواعد المادية، على أساس أن تلك الصفة لا تتوافر إلا حيث نكون بصدد جماعة متماسكة و منتظمة بشكل كاف، كما أنه ليس بمقدور هذه القواعد تنظيم كل المشكلات التي يمكن أن تثور بمناسبة هذه التجارة، وعليه لا بد من الرجوع إلى مصدر آخر لإكمال هذا النقص، و الذي لا يمكن أن يكون إلا النظام القانوني الوطني . و قد رد على هذا الرأي بأن القواعد المادية هي قواعد جديدة تنموا يوما بعد يوم، و ما التطلع لأن تولد متكاملة عملاقة إلا نوع من التزايد غير المنطقي، إذ سيكون مستقبلا لعاملي الوقت والجهود الدولية الدور الكبير في بناء هذا النظام القانوني المتكامل، فضلا على أن العاملين في حقل التجارة الدولية يظهرون في الحقيقة كوحدة متماسكة بدرجة كافية، فهم مرتبطون بعلاقات ومعاملات وثيقة على نحو يجعلهم يشكلون مجتمع دولي حقيقي، و إذا سلمنا جدلا بأنه لن يتم بناء نظام قانوني متكامل لهذه القواعد، أفلا يكفي ذلك لحل الكثير من المشاكل الرئيسية الكثيرة كتوفير الوقت و المال للأطراف المتعاقدة وتحقيق الأمان القانوني الذي ينشدونه، و في ذلك يؤكد الأستاذ عبد الكريم سلامة بأن "القواعد المادية تشكل نظاما قانونيا و لكنه نظام قانوني غير كامل أو هو نظام قانوني كالجنين في طور التكوين ، وخلاصة القول إذن هي أن القواعد المادية تعتمد على أسس قوية، تتمثل في ديناميكية أو حركية الواقع التعاقدي في الدولي وثبات العادات التي يولدها هذا التطبيق التعاقدي و لاسيما عندما تقنن، والواقع يثبت كذلك أن عدم الاعتراف الكافي بهذه القواعد من شأنه إحداث أضرار بليغة بمتطلبات التجارة الدولية . ثانيا- منهج القواعد المادية ليس مناسبا للوفاء بالاحتياجات المحلية للنظام القانوني لا شك أن كل دولة لها ظروفها الخاصة، وبناء عليه تتغير معها الاحتياجات الخاصة للعدالة، فالدول غير المتعاونة في هذا المجال تنعدم الرغبة لديها لترك المنازعات التي يكون أحد رعاياها طرفا فيها كي تحكمها القواعد المادية، إذ يؤدي تعارض المصالح الاقتصادية و السياسية للدول إلى إعاقة كل محاولة ترمي إلى خلق أو إنشاء هاته القواعد ، إلا أنه عيب على هذا النقد أنه يعرف نوعا من المبالغة، حيث ربط فكرة النظام القانوني بالدولة على نحو لم يتصور وجوده بدونها ، ما يؤدي إلى حصر مفهوم النظام القانوني في مجال ضيق يقتصر على مجتمع الدولة بالمفهوم الحديث، رغم أن ما نحن بصدده هنا هو قواعد تطبق على العلاقات التجارية الدولية، وفي مجال التجارة تذوب الفوارق بين المجتمعات و الدول، لأن التجارة هي لغة و ثقافة عالمية تستخدمها كل الشعوب. ثالثا- القواعد المادية الواردة في الاتفاقيات الدولية لايمكنها أن تحقق دائما التوحيد المنشود: باستقرائنا لمجمل الاتفاقيات الدولية الرائجة في تنظيم العقود الدولية،يتضح إن هذه الاتفاقيات قاصرة فقط على تنظيم بعض المجالات كالبيوع الدولية والأوراق التجارية والملكية الصناعية والأدبية والفنية والنقل الدولي إضافة إلى المجال البحري،في حين تبقى مجالات أخرى غير مشمول بالتنظيم المباشر،مما يعني أنها تظل تحت حكم منهج قاعدة الإسناد . رابعا - صعوبة تنفيذ الأحكام و القرارات التي تصدر غالبا عن هيئات التحكيم بناءا على القواعد المادية: يرى جانبا من الفقه بوجوب تطبيق القواعد المادية للتجارة الدولية بمجرد اللجوء، إلى التحكيم أو تضمين العقد شرطا تحكيميا، إذ يتحتم تطبيق هذه القواعد تلقائيا في هذه الحالة، كما أن هناك بعض التشريعات المحلية تعمد إلى تطبيق قواعد التنازع التقليدية كشرط لتنفيذ حكم أجنبي، و نفس الشيء قد يحدث لو صدر القرار عن هيئة تحكمية بحيث يصبح من الصعب التحقق ما إذا كانت قد طبقت الإجراءات الصحيحة للوصول إلى القانون واجب التطبيق أم لا، و رغم الإقرار بعملية هذا النقد في بعض جوانبه، إلا أنه لم يسلم مع ذلك من ردود الفعل التي جاءت على غير وفاق معه، بحجة أنه لا ضرورة في تنفيذ الأحكام و القرارات الصادر من قبل القضاء ما دامت القواعد المادية التي استندت إليها – في أغلبها – هي نتاج اتفاقيات دولية تدخل هي الأخرى في نطاق التشريعات الداخلية، و بالتالي لا يجد القاضي أي حرج في الرجوع إليها لتقرير أحكامه، أما بالنسبة لتلك الصادرة من هيئات التحكيم فقد تكفلت اتفاقية نيويورك لسنة 1958 الخاصة بتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية بتنظيمها، و التي لم ترهن تنفيذ قرارات التحكيم بأي شرط متعلق بسندها القانوني. خامسا:منهج القواعد المادية يقوم بتغليب مصالح الأطراف القوية في العقد تؤخذ على قواعد قانون التجارة الدولية تغليبه مصالح الأطراف القوية في العقد، على حساب الأطراف الضعيفة خاصة في العقود التجارية الدولية التي يكون أحد أطرافه من الدول النامية، فمبدأ العقد شريعة المتعاقدين والذي يعتبر من أهم المبادئ العامة للقانون يكرس عند تطبيقه هذه الهيمنة، فمن جهة، يظهر أن تطبيق المحكم لهذا المبدأ على إثر نزاع معين، فيها حماية للطرفين معا، على أساس أن العقد هو نتاج رضا متبادل، وأن تطبيق ما ارتضاه الطرفين هو أقصى ما يمكن أن يحقق العدالة . ومن جهة أخرى ففي العقود التجارية الدولية في إطار العلاقة التجارية شمال /جنوب يكون الطرف الضعيف دائما مرغما على قبول شروط الطرق القوي، وبالتالي فتعاقده هنا بمثابة إذعان كامل لرغبات الطرف القوي، وتكريس لهيمنة القوى الاقتصادية العظمى على المبادلات التجارية الدولية، لذلك فإن هجر كل رقابة قانونية على العقود الدولية باسم حرية التجارة،لا يمكن أن يقبل في الواقع،فداخل المجتمع الدولي، يوجد الأقوياء أصحاب المصالح الذين يستغلون الآخرين،بالتالي فقانون التجار الدولي بحالته لراهنة ما هو إلا أداة لتغليب القوي على الضعيف. ويذهب في خطى هذا الاتجاه الفقيه "سانتي رومانو"والذي يرى أن أي نظام قانوني يجب أن يكون له جانبان: أولهما جانب عضوي ويتعلق بضرورة وجود تنظيم متماسك، وثانيهما قاعدي وهو توفر خصائص القاعدة القانونية في قواعده وبالتالي فحسب "رومانو" فقانون التجار الدولي لا يشكل نظاما قانونيا مستقلا . سادسا: إنكار الصفة القانونية للقواعد الموضوعية يذهب البعض من الشراح إلى إنكار صفة النظام القانوني عن مجموع القواعد الموضوعية وذلك استنادا إلى عدة أمور: من ناحية: أن النظام القانوني لا يقوم إلا بوجود القواعد الآمرة، بينما جميع قواعد المنهج الموضوعي قواعد مكملة يتم تفعيلها بإرادة الأطراف في التجارة الدولية. وللأفراد حق التعديل في هذه القواعد أو الإضافة إليها كما هو حال العقود النمطية. والشروط العامة وبهذا الشأن لا يمكن أن ينشأ عنها نظام قانوني، كما أن جوهر أي نظام قانوني يتمثل في وجود الجماعة أو التنظيم أي أن لكل مجموعة اجتماعية نظام قانوني، ومثل هذا التنظيم لا يمكن الادعاء بوجوده في ظل جماعات التجار المتعددة وغير المتجانسة والمتعارضة المصالح. وهذا كله لا يتفق وفكرة التنظيم، اللازمة لوجود النظام القانوني . سابعا:العادات والأعراف الدولية لا ترقى إلى درجة قانون إن الأعراف والعادات التجارة الدولية وان استطاعت تنظيم بعض المجالات فإنها لا ترقى لدرجة قانون برغم أنها تشكل مصدر من مصادر قواعده، إلا أنها نشأت بعيد عن سلطان الدولة ،حيث إن عدم تقنيين الكثير منها ،وعدم نشر أحكام المحكمين التي تطبق هذه الأعراف والعادات حفاظا على سرية المنازعات ،أدى إلى صعوبة الكشف عن مضمونه وتطبيقاتها،مما ساهم في الحد من انتشارها وتطبيقها . المطلب الثاني :مؤيدات ترجيح القواعد المادية في فض منازعات عقود التجارة الدولية ففي قصور قواعد التنازع التقليدية في إيجاد الحلول لمناسبة لمنازعات العقود التجارية المتطورة باستمرار، وبالنظر لما يؤدي إليه ذلك من تطبيق أحد القوانين الوطنية التي وضعت أساسا لحكم العلاقات والمبادلات الداخلية، الأمر الذي لا يستجيب وطبيعة هذه العقود التي تقتضي تعدد روابط الإسناد، على نحو يصعب معه أن يدعي نظام قانوني واحد كفايته لحكمها، ويعود السبب الرئيسي لاتجاه الفكر القانوني نحو خلق قواعد مادية، إلى الرغبة في تجاوز القوانين الوطنية التي لا تتلاءم بطبيعتها مع هذه العلاقات، والحيلولة بينها وبين حكم منازعات عقود التجارة الدولية، هذا فضلا على الاستجابة لأماني ورغبات الأطراف المسيطرة على حركة تلك التجارة وتطبيق ما استقرت عليه من قواعد وأحكام . أولا - عدم ملائمة القوانين الوطنية لتسوية منازعات عقود التجارة الدولية وغني عن البيان أن القواعد الوطنية التي تشكل جانبا من قانون التجارة الدولية تفتقر إلى صفة الدولية، وعليه فإنه ليس من المستبعد أن تعاني عقود التجارة الدولية من عدم ملائمة بعض هذه القواعد لحكم ما تثيره من مشاكل، فافتقار هذه الأخيرة للدولية أصدق مدلولا على عدم استجابتها لما تتميز به هذه العقود من خصوصية وما تتمتع به من ذاتية، الأمر الذي يستدعي في بعض الأحيان تجاوزها وإخضاع المسائل التي تثيرها لقواعد وضعت خصيصا من أجلها، ومن هنا كانت أهمية عادات وأعراف التجارة الدولية، والتي استقر عليها العمل في نطاق الأسواق الدولية . تشكل العادات والأعراف الدولية رقما مهما ضمن معادلة القواعد المادية، بحيث تتضمن تنظيما مباشرا للروابط العقدية الدولية ينطوي على قواعد دولية عابرة للحدود، يؤدي إعمالها خاصة أمام قضاء التحكيم التجاري الدولي إلى تحرير هذه الروابط من قبضة القوانين الداخلية، لتخضع لهذه الأعراف التي درج عليها العمل في مجال المعاملات التجارية الدولية فهي لا تعد قانون داخليا لأنها نشأت بعيدا عن الدولة ومؤسساتها، ما يخرجها من مجال تنازع القوانين وفقا للمفهوم السائد أمام القضاء الداخلي فحينما تشير قاعدة التنازع بتطبيق قانون معين، قد تأتي أحكام هذا القانون على غير توقعاتهم، ما من شأنه إشاعة القلق في التعامل التجاري الدولي، وذلك بعكس لوتم اختيار قواعد معلومة سلفا ومعروفة لهم تجنبهم تبعة هذه المفاجئات . إذن فالقواعد المادية على هذا النحو لا تحتاج لانطباقها على الروابط العقدية ذات الطابع الدولي – وفقا لما يراه البعض – لمنهج التنازع، بما يتضمنه من حلول لمشكلة اختيار القانون واجب التطبيق، وإنما تطبق تطبيقا مباشرا على العلاقات القانونية التي تدخل في نطاق سريانها بصرف النظر عن القانون المختص وفقا لقواعد تنازع القوانين – وهذا ما يميز القواعد المادية عن قواعد التنازع غير المباشرة – ، وبالتالي لا يلجأ القاضي لمنهج التنازع إلا في الفروض التي لا يجد فيها قاعدة مادية تقدم الحل المباشر للمسألة المطروحة ، وبذلك تتجنب القواعد المادية تعقيد منهج التنازع وما قد يؤدي إليه من إخلال بتوقعات الأطراف، لاسيما عند سكوتهم عن اختيار قانون العقد . ثانيا - إهدار التوازن العقدي: إن فكرة التوازن العقدي تلعب دورا محوريا في عقود التجارة الدولية وتلقى اهتماما بالغا في بنائها،نظرا لان أطرف هذه العقود غالبا ما يملكون من الوسائل ما يمكنهم من إجراء مفاوضات حرة وعادلة يتم خلالها مناقشة كل بند من بنود العقد على نحو يسمح بالقول بأن المفاوضات العادلة سمحت للأطراف بتحقيق توازن عقدي ملحوظ وهو المبدأ الذي تلزم مراعاته عند تطبيق أو تفسير القواعد القانونية المعنية بالعلاقات التعاقدية الدولية، لما له من تأثير على كل شخص يتولى هذه المهمة . وهذا ما حرص عليه قانون التجارة الدولية عند إدراج مبدأ التوازن ضمن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها ففي عقود التجارة الدولية نجد أن أطراف العقد يملكون في الغالب الوسائل التي تمكنهم من إجراء مفاوضات متعادلة تسمح لهم بتحقيق توازن عقدي ملحوظ، إذ بفضلها يحصل أحدهما على مقابل لبعض الشروط العقدية، هذه الأخيرة ليست إلا عنصرا من عناصر التوازن العقدي، وبالتالي فإن الإبقاء على صحتها يؤدي إلى المحافظة على سلامة التوازن ،ومن الواضح إذن أن أطراف العقد التجاري الدولي وكذا الاتفاقيات الدولية يسعون إلى المحافظة على التوازن العقدي كل بطريقته، حيث أن تقرير إعمال المبدأ يؤكد أن شرط القانون الواجب التطبيق قد تم مناقشته والتفاوض عليه وأخذه في الاعتبار عند تحقيق توازن العقد، لهذا يعد التوازن هو المحرك الأساسي والدافع الرئيسي الذي ترتكن عليه الشركات متعددة الجنسيات لإقناع الأطراف بضرورة خلق قانون خاص بالعلاقات الدولية ،وبالتالي يتضح أن ضابط التوازن العقدي يعد من بين أهم الدعائم التي تستند إليها الشركات التجارية الدولية للقول بضرورة خلق قواعد خاصة بالعلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، لتتجاوز بحكمه وموضوعية القوانين الوطنية . ثالثا –التحكيم التجاري كقضاء أصيل يتجاوب مع منهج القواعد المادية لاشك أن التحكيم التجاري الدولي ساهم بدور فعال في خلق قواعد مادية خاصة بعقود التجارة الدولية، نشأت في رحاب المجتمع الدولي للتجارة ورجال الأعمال، وذلك بإيجاده للحلول الذاتية التي تتواءم وطبيعة هاته العقود، وإرسائه لبعض العادات والقواعد التي ليس لها نظير في الأنظمة الوطنية، ما دفع بعض الفقه إلى القول أن التحكيم قد أضحى أحد العوامل الرئيسية في خلق وتطبيق قانون التجارة الدولية التي تشكل القواعد المادية حجز الزاوية فيه . ولقد أصبح التحكيم الدولي على هذا النحو منافسا خطيرا للقضاء الوطني، خاصة وأن المتعاملين في مجال التجارة الدولية يفضلون طرح نزاعاتهم على أشخاص ذوي خبرة فنية خاصة، يتقيدون بقواعد القوانين الداخلية التي أضحت لا تواكب التطور الحاصل على الصعيد الدولي،ونتيجة لذلك أصبح المتعاقدون يحاولون إدراج شرط التحكيم في عقودهم رغبة منهم في تدويل العقود وإخضاعها للقانون التجاري الدولي، ما يكفل لهم تطبيق العادات والأعراف المهنية السائدة لدى التجار، والتي تعتبر بدورها من المصادر الأساسية للقواعد المادية في القانون الدولي الخاص، فتطبيق مثل هذه العادات والأعراف من شأنه أن يشعر المتعاقدين بالأمان القانوني ويصون توقعاتهم المشروعة، خاصة إذا علمنا أن القائمين على تطبيق هذه الأحكام الموضوعية يعتبرون من المختصين الذين يملكون دراية واسعة عن خبايا هذه التجارة والعارفين جيدا بطبيعة هذه الأعراف ذات الطابع الفني . رابعا:حاجة العقود التجارة الالكترونية إلى القواعد المادية أمام عجز القوانين الوطنية وقواعد القانون الدولي الخاص عن تنظيم وضبط عقود التجارة الالكترونية ذات طبيعة دولية التي تتم عبر شبكة الانترنيت لاعتبارات تجد سندها في: أن طبيعة الانترنيت والعالم الافتراضي ككل غير محسوس ولا يمكن حصره في إقليم دولة معينة ولا منطقة جغرافية واحدة، مما أدى إلى صعوبة تركيز العلاقات العقدية فيما إذا تمت داخل أو خارج الإقليم الواحد وتركيز العلاقة العقدية هو أساس المنهج تنازع القوانين لإسناد العقد لنظام قانون معين سواء في داخل الإقليم أو خارجه،وبالتالي يجب البحث عن قواعد موضوعية تحكم هذا العالم الافتراض. كما أن الانترنيت أحد الوسائل العولمة الاقتصادية التي تعتمد على تجاوز الحدود،وذلك يستتبع بالضرورة عولمة القواعد القانونية التي تحسم النزاعات الناجمة عن هذه العلاقات الاقتصادية والتي يجب أن تكون مرنة وذات طبيعة دولية وتقدم حلول مباشرة للنزاع وكل هذا لا يمكن أن يتم إلا في إطار إعمال القواعد المادية في فض مثل هذه النزاعات . خاتمة لقد تطرقنا في هذه الدراسة للخطوط العريضة حول مكانة القواعد المادية في فض منازعات عقود التجارية الدولية ومدى قدرته على حكم واقع العقود الدولية والاستغناء عن منهج قاعدة الإسناد، و حيث توصلنا إلى مجموعة من الاستنتاجات التالية: - حيث إن قواعد المادية لا زالت حديثة النشأة وفي تطور المستمر فانها تبقى قاصرة ولا تغطي جميع الأنشطة التجارية الدولية،ولا تتضمن تنظيما شاملا لكافة المسائل التي تنطوي عليها عقود التجارة الدولية . -وحيث إن غالبية هذه القواعد لا تتمتع بالقوة الملزمة وتبقى فقط اختيارية ومكملة ، مما يزل عنها صفة النظام القانوني قائم بذاته ومتكامل. فان منهج قواعد المادية لا يمكنه إن يغطي فض جميع منازعات عقود التجارة الدولية في مختلف الأنشطة ،مما يعني انه منهج قاعدة الإسناد سيظل المنهج الأم في حكم واقع منازعات عقود التجارة الدولية وخاصة فيما لم يشمله التنظيم من طرف القواعد المادية. كما أن تطبيق القواعد المادية الواردة في القوانين الوطنية أو العمل القضائي لن تجد لها تطبيق دون إعمال ضابط الإسناد ،فالقاضي إذا ما عرض عليه نزاع بخصوص مسالة معينة في العملية التعاقدية لن يطبق قواعد مادية الواردة في قانون دولة معينة دون اختيار الأطراف لها ونفس الحكم ينطبق على أعراف وعادات التجارة الدولية. وباستقرائنا لموقف المشرع المغربي من تنظيم القواعد المادية ،يتضح أن هنا تقصير ومحدودية النص القانوني و خاصة أن هناك فراغ كبير في تنظيم المشرع المغربي للعقود الدولية الحديثة كعقد نقل التكنولوجية وعقد المساعدة الفنية وعقود أخرى أنتجها التطور الذي شهده العالم في الآونة الخير،بل أصبحت في حاجة إلى قواعد مادية مستقلة نظرا للخصوصية التي تتميز بها . كما أن العمل القضائي المغربي في أعماله للقواعد المادية سواء ذات طابع دولي او وطني لا زالت ضئيلة ومحتشمة ،وسبب يرجع إلى التقييد بمقتضيات ظهير وضعية المدنية للأجانب والفرنسيين بالمغرب لسنة 1913الموروث عن عهد الاستعمار والذي يظل قاصرا ولا يساير التطور الذي عرفته العلاقات الدولية الخاصة بصفة عامة والعقود الدولية بصفة خاصة. لائحة المراجع المؤلفات  جميلة أوحيدة:" آليات تنازع القوانين في القانون الدولي الخاص المغربي" أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الحقوق، كلية الحقوق السويسي، الرباط السنة الجامعية 2004-2005 .  نبيل زيد مقابلة:"النظام القانوني لعقود خدمات المعلومات الالكترونية في القانون الدولي الخاص،دار الثقافة للنشر،مصر،2009.  أحمد عبدالكريم سلامة:"القانون الدولي الخاص النوعي"، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية،بدون سنة النشر.  هشام علي صادق:"القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية"، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، الطبعة 2001، ص 709. اطروحات  محمد طارق:"منهج القواعد الموضوعية في العلاقات الخاصة الدولية"،أطروحة لنيل الدكتورة في القانون الخاص،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، فاس،2011-2012.  أمينة الخياط:"القانون المطبق على العقد الدولي"، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق،جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية الرباط أكدال، 2008-2009. رسائل  محمد بلاق:"قواعد التنازع و القواعد المادية في منازعات عقود التجارة الدولية"، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الدولي الخاص، جامعة أبي بكر بلقايد، كلية الحقوق و العلوم السياسية، 2010-2011 .  علي غزواني:"قانون التجار الدولي"،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية،السويسي،الرباط ، 2007_2006. الفهرس مقدمة 1 المبحث الأول:ماهية القواعد المادية 3 المطلب الأول: مفهوم و خصائص منهج القواعد المادية 3 الفقرة الأولى: مفهوم القواعد المادية 3 الفقرة الثانية:خصائص القواعد المادية 5 1- قواعد مباشرة وموضوعية 5 2- قواعد عامة تتلائم والعلاقات التجارية الدولية الخاصة 5 3- قواعد تستجيب لاحتياجات الأطراف في التجارة الدولية 6 4-قواعد سهلة التطبيق 6 5-قواعد ذات مضمون دولي ( أو عالمي ) 7 6-قواعد ذات وظيفة وقائية وعلاجية في نفس الوقت 7 المطلب الثاني:مصادر القواعد المادية 7 الفقرة الأولى:القواعد المادية ذات الأصل الداخلي 8 أولا: القواعد المادية ذات الأصل التشريعي 8 _قراءة في القانون المغربي: 8 ثانيا:القواعد المادية ذات الأصل القضائي 9 _العمل القضائي المغربي في إعمال القواعد المادية: 9 الفقرة الثانية :القواعد المادية ذات الأصل الدولي 9 أولا:المعاهدات و الاتفاقيات الدولية 10 ثانيا:الأعراف و العادات التجارية الدولية 10 _موقع الأعراف والعادات الدولية في القانون المغربي: 11 المبحث الثاني: تقييم دور القواعد المادية في فض منازعات عقود التجارة الدولية 12 المطلب الأول: الانتقادات الموجهة إلى منهج القواعد المادية 12 أولا:انتفاء صفة النظام القانوني على القواعد المادية 12 ثانيا- منهج القواعد المادية ليس مناسبا للوفاء بالاحتياجات المحلية للنظام القانوني 13 ثالثا- القواعد المادية الواردة في الاتفاقيات الدولية لايمكنها أن تحقق دائما التوحيد المنشود 13 رابعا - صعوبة تنفيذ الأحكام و القرارات التي تصدر غالبا عن هيئات التحكيم بناءا على القواعد المادية 14 خامسا:منهج القواعد المادية يقوم بتغليب مصالح الأطراف القوية في العقد 14 سادسا: إنكار الصفة القانونية للقواعد الموضوعية 15 سابعا:العادات والأعراف الدولية لا ترقى إلى درجة قانون 16 المطلب الثاني :مؤيدات ترجيح القواعد المادية في فض منازعات عقود التجارة الدولية 16 أولا - عدم ملائمة القوانين الوطنية لتسوية منازعات عقود التجارة الدولية 16 ثانيا - إهدار التوازن العقد 17 ثالثا –التحكيم التجاري كقضاء أصيل يتجاوب مع منهج القواعد المادية 18 رابعا:حاجة العقود التجارة الالكترونية إلى القواعد المادية 19 خاتمة 20
بقلم ذ القاسمي مصطفى
باحث في سلك ماستر العلاقات الدولية الخاصة
 


أعلى الصفحة