القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ يوسف وهابي
محامي بهيئة الجديدة
تحت عدد: 213
أثارت مسودة القانون الجنائي الكثير من الجدل والنقاش الذي كان موضوعيا أحيانا وإيديولوجيا أحيانا أخرى

وتراوحت الآراء في معسكر المعتدلين ما بين معارض لبعض المقتضيات وبين مدافع عن أخرى بمبررات مقبولة ومؤيدات» مصقولة «، في حين تميزت الآراء في معسكر المتسيسين والموالين والمعارضين ما بين لاعن لمقتضيات هذه المسودة، ورافض لها، وما بين مطبل ومزمر لفتوحاتها.

  إن إقدام وزارة العدل على نشر مسودة القانون للرأي العام من المفروض ألا يكون الغرض منه هو سماع المديح والغزل الفصيح وغير الفصيح، ولكن الغرض هو تدارك ما يمكن تداركه قبل أن تتحول المسودة إلى مشروع ويتحول المشروع إلى قانون جارية أحكامه على الجميع.

مع احترامنا للأعضاء الذين شاركوا في صياغة مسودة القانون الجنائي وتقديرنا للجهود التي بذلوها بالنسبة إلى العديد من المقتضيات الجديدة، فإن التوفيق لم يكن حليفهم في عدة مقتضيات ومنها تلك المتعلقة بما سموه» العقوبات البديلة . «

ومن خلال تتبعي لمجموعة من القراءات التي انصبت على نصوص المسودة، لاحظت أن العديد منها يدخل المقتضيات المتعلقة بالعقوبات البديلة ضمن ايجابيات المسودة، ومن موقع اهتمامي بما يجري ويدور في الساحة القانونية والقضائية آثرت أن أعبر عن رأيي الشخصي فيما جاءت به هذه المسودة بخصوص الجانب المتعلق بالعقوبات البديلة:

أولا : هل »العقوبات البديلة « مصطلح مناسب؟

إن واضعي مسودة القانون الجنائي قسموا العقوبات في المادة 14 إلى أصلية وبديلة وإضافية، وهكذا يعتبرون أن بدائل العقوبات هي في حد ذاتها عقوبات ويسمونها باسم العقوبة، وتعرف المادة 35-1 العقوبات البديلة بأنها العقوبات التي يحكم بها في غير حالات العود وكبديل للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها من أجلها سنتين حبسا.

مع ملاحظة أن واضعي المسودة لم يقولوا الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها سنتين، بل قالوا العقوبات المحكوم بها، ما يعني أن هذه العقوبات البديلة يمكن أن تطبق على جميع الجنح إلا ما استثني بنص التي تصل عقوبتها إلى خمس سنوات حبسا أو حتى عشر سنوات حبسا مما يفضي إلى توسعة نطاق الجرائم المعنية بهذه البدائل.

ومن المفروض أن تكون بدائل العقوبات تدابير تحل محل العقوبة وتعوضها، لا أن تحمل هي نفسها وصم العقوبة، لذلك تحرص العديد من التشريعات على تجنب نعت التدابير البديلة بالعقوبات، بل تختار لها أسماء تناسب طبيعتها، وهي بدائل السجون أو بدائل

العقوبات أو التدابير البديلة عن العقوبات.

فطبيعة بدائل العقوبات تأبى أن توصف بالعقوبة، لأنها تدابير ليست غايتها هي عقاب المحكوم عليه، وإنما يكون غرضها هو تأهيله وتقويمه وإصلاحه، فإذا كانت متابعة الدراسة في العديد من التشريعات بديلا عن العقوبة، فهل يصح أن ينعتها واضعو المسودة بالعقوبة، والشيء نفسه يمكن أن يقال عن التكوين المهني أو متابعة العلاج النفسي أو العلاج من الإدمان إنها ليست عقوبات أيها السادة، إنها بدائل وتدابير بديلة، فلماذا إساءة التسمية إذن.

ثانيا: إفشاء سر المداولات :

تحدد المسودة ثلاثة أنواع ما تسميه العقوبات البديلة، وهي العمل لأجل المنفعة العامة والغرامة اليومية وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، والشرط العام الذي وضعته المسودة لتطبيق هذه »العقوبات «، ورد في المادة 35 - 4 والتي جاء فيها : » لا يجوز الحكم بالعقوبة البديلة إلا بحضور المحكوم عليه في الجلسة وموافقته بعد إشعاره بالرفض .»

فكيف سيتم تطبيق هذا المقتضى عمليا، علما أن القانون يفرض على القضاة الحفاظ على سرية المداولات، وعدم إبداء أي رأي يمكن أن يستشف منه الحكم الذي قد يصدر في القضية، فكيف سيعلم المتهم الموجود في حالة سراح مسبقا بالحكم الذي سيتم النطق به، ويلتزم بالحضور لكي يبدي موافقته على التدبير ويتعهد بتنفيذ الالتزامات المفروضة عليه. وهل كل التدابير يجب أن يوافق عليها المحكوم عليه بما فيها التدابير الرقابية ؟.

ثالثا: السجن من نصيب الفقراء فقط الغرامة اليومية نموذجا :

إنها فعلا مهزلة، إذ تفتح مسودة القانون الجنائي المجال للأغنياء من أجل شراء مدد حبسهم ويغلق الباب أمام الفقراء الذين ليستلديهم الإمكانيات لشراء الأيام الحبسية، إنه تمييز لا يجوز أبدا السكوت عنه، إنه خرق للقاعدة الدستورية التي تجعل المواطنين سواسية أمام القانون، ومن المفروض أن يهب كل حقوقي غيور لاستنكار هذا التمييز الذي قد يصبح تشريعا يفرق بين فقراء المغرب وأغنيائه، ومن المفروض أن تتصدى المحكمة الدستورية لذلك.

فمن الغرائب التي جاءت بها مسودة القانون الجنائي في هذا الصدد حسب المادة 35 - 10 ، أن الغرامة اليومية هي عقوبة يمكن للمحكمة أن تحكم بها بدلا من العقوبة الحبسية، وهي مبلغ مالي تحدده المحكمة ما بين 100 و 2000 درهم عن كل يوم من المدة الحبسية المحكوم بها، ويضيف واضعو المسودة في المادة 35 - 11 عبارات لا معنى لها وهي : » تراعي المحكمة في تحديد الغرامة اليومية الإمكانيات المادية للمحكوم عليه من جهة وخطورة الجريمة المرتكبة من جهة أخرى .»

ونحن نتساءل من سيحدد الإمكانيات المادية للمحكوم عليه وكيف ستحدد؟ وما هي الوسائل الكفيلة بتحديدها. إن بعض من تناط بهم مهمة التشريع يضعون أحيانا نصوصا سيئة للقضاة، ويطالبونهم بعد ذلك بتطبيقها تطبيقا جيدا، هل المحاكم لها القدرة والتفرغ والإمكانيات لتحديد الإمكانيات المادية للمتهمين الذين يمثلون أمامها؟ كفى من هذا النوع من التشريع الذي لا يعني شيئا ولا يضبط شيئا. لقد سئمنا من ذلك .

ومن جهة أخرى، تراعي المحكمة خطورة الجريمة المرتكبة، إنها مصطلحات عامة لا تقدم ولا تؤخر، فإذا كان واضعو المسودة يريدون تغييرا حقيقيا على مستوى التطبيق، فليحددوا لائحة الجرائم الخطيرة وتلك التي لا تكتسي خطورة، لا أن يرموا بهذه الكرة إلى القضاة، لذلك لا يسوغ أن نلوم القضاة إذا اختلفوا ما بين شمال المغرب ووسطه وجنوبه حول طبيعة الجرائم المرتكبة واعتبر البعض منهم هذه الجريمة خطيرة، بينما اعتبر آخرون أنها لا تكتسي أي خطورة؟ فاللوم ليس عليهم، ولكن اللوم على مشرع ضعيف ليست لديه حتى القدرة على ضبط النصوص القانونية وإعطاء القضاء موادا وفصولا واضحة الدلالة ومحدودة المضمون .

رابعا : تدابير متراخية ليس لها أي صلة بالفورية:

إنها فعلا مهزلة، بل هي فضيحة أن تنص المادة 35 - 14 على أن المحكوم عليه يلتزم بتنفيذ تقييد بعض الحقوق أو التدابير الرقابية أو العلاجية أو التأهيلية داخل أجل طويل جدا هو خمس سنوات، بل الأفضح من ذلك، هو أن هذا الأجل يمكن تمديده إلى أجل آخر مجهول المدة وغير مسمى بناء فقط على طلب المحكوم عليه المرفوع إلى قاضي تطبيق العقوبات.

إننا فعلا نجد أنفسنا أمام نصوص بدون معنى وبدون هدف، إنها شعارات رقاصة تستعمل لسحر أعين المنبهرين بظاهر إنجازات هذه المسودة والمزغردين لمستجداتها.

إن المغاربة يستحقون نصوصا أفضل من هذه. لا يمكن لأجيال أن تنتظر منذ 1962 ميلاد قانون جنائي جديد أي لأزيد من نصف قرن ثم تفاجأ بنصوص من هذا القبيل الوارد في باب » العقوبات البديلة «. أيها السادة خذوا وقتكم لا داعي للعجلة، فالتأخر في الوصول خير من أن تصلوا معطوبين، وكما يقول المثل العربي »رب حثيث مكيث «، لا نريد نصوصا تتم المصادقة عليها اليوم لتتعالى الأصوات المطالبة بتعديلها في الأيام الموالية.

خامسا: وهم العمل من أجل المنفعة العامة:

أما ما سماه واضعو المسودة بعقوبة العمل من أجل المنفعة العامة فهي نصوص غامضة وتعتريها العديد من النواقص على مستوى تدابير التطبيق، مما يجعلها أشبه بالوهم الخادع، الذي قد يحسبه بعض الحقوقيين إنجازا، مع العلم أن هناك فرقا كبيرا بين بدائل العقوبات التي أوصت بها مؤتمرات الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة الجريمة وبين الأوهام التشريعية التي يتم تسويقها حاليا، فقد اكتفت المسودة بالقول إن العمل من أجل المنفعة العامة غير مؤدى عنه وينجز لفائدة شخص اعتباري عام أو جمعية ذات منفعة عامة لمدة تتراوح بين 40 ساعة و 600 ساعة، والتنفيذ يتم خلال سنة قابلة للتمديد إلى ما لانهاية.

ولكن تنفيذ هذا العمل يقتضي عدة تدابير تطبيقية لم تشر المسودة نهائيا إليها، فكيف سينفذ هذا العمل ومن سيراقب ومن سيتتبع وما هي ضوابط وشكليات التتبع، وما هي حالات المحكوم عليهم الذين يمكنهم تنفيذ هذا العمل ووضعياتهم الصحية ومدى قدرتهم على القيام بالعمل ومهاراتهم في هذا الإطار، وإجراءات التأمين عليهم إزاء حوادث الشغل وإجراءات انتقالهم إلى مكان العمل وكيفية تدبير أحوالهم على مستوى الأكل والتنقل، وأين هي بنيات الاستقبال وأين هم الشركاء الدائمون ... إن الغموض يلف هذا التدبير من أوله إلى آخره، والغريب أن يلقي واضعو المسودة بهذه الكرة الملتهبة إلى قاضي تطبيق العقوبات ويطالبونه بالتطبيق، فماذا سيطبق

هذا القاضي المسكين في غياب النصوص، هل تنتظرون منه أن يقوم بدور المشرع ويبتدع النصوص القانونية لكي يجيب عن أسئلة التطبيق العالقة أفلا تعقلون؟.

لسنا ضد بدائل العقوبات، ولكننا ضد عشوائية التشريع، ونصوص الواجهة التي لا ترافقها أي ضمانات على مستوى التطبيق، كما أننا ضد التدابير التمييزية التي قد تفضي إلى تفضيل بعض المواطنين على آخرين. نعم لبدائل العقوبات المضبوطة تشريعا وقانونا والمواتية لإمكانياتنا وبنياتنا الاقتصادية والاجتماعية.

 

بقلم ذ يوسف وهابي
محامي بهيئة الجديدة
 


أعلى الصفحة