القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ نوفل علي عبد الله الصفو
أستاذ القانون الجنائي المساعد كلية الحقوق / جامعة الموصل
تحت عدد: 581
ان طبيعة الحياة تقتضي ان تتطور القوانين بشكل مستمر لتطور الحياة وتغيرها وحتى تكون قادرة على حل ما يستجد من اشكالات ومعاضل، فالقانون يوجد في كل نوع من أنواع النشاط الذي نمارسه في حياتنا، لان القانون مرآة للمجتمع وانعكاس مباشر لاحتياجاته وتطلعاته ومتطلباته،

وهو ظاهرة اجتماعية فلن يكون هناك مجتمع ليس فيه قانون، فهو قرين لنشوء المجتمع وشرط لبقائه، فلا يوجد قانون بدون مجتمع كما لا يوجد مجتمع بدون قانون، وان لم تتطور القوانين سوف تتصف بالقصور في التشريع، الذي يقصد به عدم ملائمة النص القانوني للحياة الاجتماعية والسياسية السائدة في المجتمع وقت تطبيقه. بمعنى اخر عدم تضمن النص القانوني لما تقوم الحاجة اليه من احكام تفصيلية او جزئية في ظل تغيرات جوهرية شهدها المجتمع. ويعبر تحقق القصور في التشريع عن تطور المجتمع تطوراً جوهرياً وعدم قدرة النصوص القانونية التي وضعت في زمن سابق على مواكبة هذا التطور. اذ يتميز القانون الجنائي بتأثره بالفكر السياسي السائد وقت تشريعه، وينفذ الأثر السياسي الى القانون الجنائي عبر الدستور من خلال ما يتبناه المشرع الدستوري من سياسة جنائية وما يفرضه من مبادئ دستورية عامة تحكم قواعد هذا القانون وتنظم عملية صياغة الأفكار القانونية او الفلسفة الجنائية التي يتضمنها، وهي في حقيقتها تعبير عن ايديولوجية سياسية سائدة سواء كانت رأسمالية او اشتراكية او دينية او علمانية، وإن القانون الجنائي يمر حالياً بأزمة التكيف مع متطلبات المجتمع، فهو يواجه صدمة التغيرات السريعة التي تمس مصالح المجتمع وقيمه. وعلى الرغم من اننا نعيش تحت هيمنة القانون منذ ولادتنا الا اننا نعجز عن تحديده بشكل دقيق، اذ أن نظم العدالة الجنائية في كثير من أنحاء العالم في حاجة إلى اصلاح، وهذا ما حدا بالبعض للقول (وبحق بأن العدالة الجنائية المرفق الذي ينصف الآخرين قد أصبح في حاجة لمن ينصفه)، فاضحت المجتمعات تعاني من العديد من الظواهر اهمها ظاهرة زيادة وتنوع عدد الجرائم، وظاهرة التضخم التشريعي وارتفاع تكلفة مكافحة الجريمة، اذ اصبحت عبئا ثقيلا وكبيرا على ميزانية واقتصاد الدول، وفي الازمنة السابقة كان يعتقد أن التشدد في العقاب هو أفضل طرق منع انتشار الجريمة في المجتمع ومكافحتها، الا ان الدراسات والابحاث الحديثة أثبتت خطأ هذا التوجه وفشل هذا الاسلوب، او كما قال السيد موريس باتان رئيس محكمة النقض الجزائية الفرنسية في افتتاح مؤتمر الوقاية من الإجرام المنعقد في باريس سنة 1959 ( أنا لست إلا قاض في جهاز العدالة لم يخطر على بالي في أي وقت من الأوقات الاهتمام بأسس الوقاية من الإجرام لأن وظيفتي لم تكن هناك بل على العكس فقد كانت ولا تزال في العقاب لا في الحماية، كرست حياتي تبعا لمهنتي القضائية الطويلة في محاربة المنحرفين حربا سجالا لا هوادة فيها، سلاحي الوحيد الذي وضعه القانون تحت تصرفي سلاح العقاب التقليدي، أوزع الأحكام القاسية والشديدة أحيانا على جيوش المجرمين والمتمردين ضد المجتمع، ساعيا ما أمكن إلى التوفيق بين نوعية العقاب وماهية الجريمة، وكنت أسأل نفسي دوما كما كان الكثيرون من زملائي يتساءلون أيضا عما إذا كان هذا السلاح قد أصبح في يدنا غير ذي شأن، وقد شعرت ولا أزال أشعر بكثير من الألم والمرارة بما كان يشعر به أولئك الذين تحدثنا الأساطير عنهم، أنهم كانوا يحاربون المسخ فكانوا كلما قطعوا رأسا من رؤوس هذا المسخ تنبت محله رؤوس ورؤوس، وقد تعاقبت السنوات وأنا ألاحظ بدهشة أن عدد المجرمين لا يزال مستقرا إن لم يصبح متزايدا، وأنه كلما كنا نرسل الكبار منهم إلى السجن أو إلى المنفى أو إلى المقصلة كان غيرهم يخلفهم في نفس الطريق بأعداد أكثر منهم). فالعقوبات يجب ان تكون نافعة وذلك إذا كانت متناسبة مع مقدار الضرر الذي اصاب المجتمع من الجريمة وفقا للسياسة الجنائية التقليدية، اذ أن تعريف السياسة الجنائية قد تطور بين محاربة الإجرام، وحماية المجتمع في صورة مواجهة بينهما، ثم تدرج نحو إعادة التأهيل والإدماج بالنسبة للمجرمين والدفاع الاجتماعي، خاصة مدرسته الجديدة، وفي جميع الأحوال يلاحظ اتجاه السياسة الجنائية نحو التضييق أو الحصر في السياسة العقابية في رد الفعل الاجتماعي ضد الجريمة، فبدأت تضعف قيمة الدعوى الجنائية كأسلوب قانوني لأعمال سلطة الدولة في العقاب، ويمكن القول إن السياسة الجنائية هي مجموعة المبادئ والتصورات والمناهج والوسائل القانونية وغير القانونية التي تعتمدها الدولة لمعالجة الظاهرة الإجرامية والتعامل معها، ضمن سياستها العامة، وفي ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية خاصة بفترة محددة من الزمن واختيار أفضل الوسائل لتحقيق المقاصد التي توخاها المشرع. فالقانون هو الذي يحدد معايير ما هو قانوني وما يعد خرقا للقانون، اذ بدأ القانون الجنائي بمجموعة يسيرة من الجرائم، يمكن ردها إلى مقتضيات حماية القيم الجوهرية والاساسية للمجتمع، فلم تكن هذه الجرائم تتجاوز صور الاعتداء على الحياة أو سلامة الجسم، كما في القتل والجرح والضرب، والاعتداء على مال الغير، كما في السرقة وخيانة الأمانة، والاعتداء على العرض، كما في الاغتصاب، ومع تطور المجتمع اتسع نطاق التجريم والعقاب، اذ أنَّ المسؤولية عن وضع سياسات منع الجريمة واعتمادها ورصدها وتقييمها تقع على عاتق الدول، حيث تدخل المشرع بتجريم صور السلوك التي تعبر عن التطورات الجديدة التي يعيشها المجتمع ، وان اعتبار العقوبة كرد فعل اجتماعي وحيد ضد الجريمة لم يعد مقبولا، ومع تطور المجتمع وبزوغ رياح العولمة وما نتج عنها من تذويب للحدود بين الدول وتحرير للأسواق وإزالة القيود المحيطة بها وخرق المفهوم التقليدي للسيادة الذي يحمي الحكومات المنتهكة والنخب الفاسدة التي تحتمي بمعيار السيادة وتُشدد على عدم التدخل في شؤونها الداخليّة كلّما واجهت ضغطاً دوليّاً يدعوها إلى الإصلاح، لذلك أطلق البعض على السيادة عبارة (ملجأ الأنذال)، لأنها توفر الملجأ للطغاة ضد مسالتهم عن الجرائم التي يرتكبونها ضد شعوبهم، وازدياد حرية الاشخاص والاموال في الانتقال في جميع انحاء العالم بأسرع من قدرات الدول على تتبعها وتنظيمها ،حيث تدخل المشرع بتجريم العديد من صور السلوك التي تعبر عن التطورات الجديدة التي يعيشها المجتمع كجرائم المعلوماتية وجرائم البيئة وجرائم غسل الأموال، فقد بدأت تبدو في الأفق جرائم جديدة فاتسع نطاق التجريم والعقاب، على الرغم من انه الصعب للغاية قياس مدى الجرائم، خاصة جرائم العنف بسبب نقص البيانات، مما يجعل من الصعب تقييم أداء نظم العدالة الجنائية، فالانتقال من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي واستجابة المشرع الجنائي كذلك إلى التطور الناشئ عن اتساع دور الدولة التي أصبحت تتدخل في كافة مجالات النشاط الإنساني استتبع بالضرورة ظهور جرائم جديدة، وأظهرت الدراسة التي عرضت على المؤتمر السادس للأمم المتحدة السادس لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي عقد في كراكاس في فنزويلا للفترة من 25 آب/أغسطس إلى 5 أيلول/سبتمبر1980 والتي تعد أول دراسة استقصائية مفصلة تعدها الأمم المتحدة عن الجريمة في مختلف أنحاء العالم ،استنادا الى معلومات واردة من 65 دولة عضوا أن الغالبية العظمى من البلدان المتقدمة والنامية تواجه تصاعدا في مستوى العنف والإجرام، وأن الإجرام يتخذ أشكالا وأبعادا جديدة، وأن التدابير التقليدية لمنع الجرمة ومكافحتها ليست قادرة على معالجة الوضع، وان المؤتمر السادس أول مؤتمر يعترف بأن برامج منع الجريمة يجب أن تستند الى الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية للبلدان، وتشكل جزءا من عملية التخطيط الانمائي، وفي السنوات الأخيرة، تزايد اعتراف الدول بالترابط الوثيق بين منع الجريمة الفعَّال ونظم العدالة الجنائية المنصفة والشفافة والمراعية للاعتبارات الإنسانية بصفتها عناصر أساسية لإرساء سيادة القانون. ولكن تحت هذه الذريعة يجب ألا يتدخل المشرع كثيرا في حياة الناس، فالمهمة الرئيسية للقانون الجنائي هي المحافظة على النظام الاجتماعي وحماية المصالح المشتركة والأخلاق. لان الحماية الجنائية مقيدة بما تتطلبه الضرورة والتناسب من تدخل جنائي، وأن الضرورة في التجريم تتحدد في ضوء الهدف منه، فلا يجوز المساس بالحقوق والحريات من خلال التجريم إلا إذا اقتضى ذلك تحقيق هدف معين هو حماية المصلحة العامة أو حماية الحقوق والحريات التي تتعرض للضرر أو للخطر، اذ أن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها في غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها‏، وتكون في نظر المشرع جديرة بالحماية الجنائية، فإن كان التشريع متجاوزا للحدود على نحو يجعله غير ضروري غدا مخالفا للدستور‏.‏ فارتباط التجريم بالهدف من نصوص التجريم هو أساس الضرورة ومحورها، ومن ثم فإن الضرورة تنطوي على الالتزام نحو تحقيق الهدف. وبذلك يتضح أن الضرورة التي تلجئ المشرع إلى تجريم سلوك معين تفترض أن التجريم ودرجته يتناسبان مع الهدف من هذا التجريم، وان شرعية الجزاء مناطها ان يكون متناسبا مع الافعال التي جرمها المشرع، فالأصل في العقوبة هو معقوليتها فلا يكون التدخل بها الا بقدر لزومها، فالجزاء لا يكون مبررا الا إذا كان مفيدا من وجهة اجتماعية، فاذا كان مجاوزا تلك الحدود التي لا يكون معها ضروريا كان غير دستوريا، وكلما كان ضروريا ومتناسبا مع الافعال المجرمة متصاعدا مع خطورتها كان موافقا للدستور. اذ يجب الا يكون القانون الجنائي اداة للقهر أو للتحكم وانما اداة لحماية الحقوق والحريات بالإضافة الئ تحقيق المصلحة العامة، فلا يجوز مواجهة الجريمة بجريمة ترتكب بمخالفة المبادئ الدستورية والخروج عليها‏، فلا يجوز أن تكون مواجهة الاعتداء على القانون إلا بالقانون ذاته، وإلا تحول المجتمع الانساني الي مجموعة من الضحايا‏،‏ ضحايا الجرائم وضحايا مواجهة الجرائم.‏ لذلك يجب الاعتدال في استخدام الجزاء وعدم اللجوء إليه إلا في حالة الضرورة، وبعد سلوك جميع الطرق الممكنة لتحقيق الضبط الاجتماعي، وفي ضوء اعتبارات المصلحة، وعدم الاعتماد على العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة كأداة لمواجهة الجريمة الا في اضيق نطاق، نظراً لما يعتريها من مساوئ عديدة، وضرورة الاعتماد على بدائلها، ومسايرة التطور الذي طرأ على التشريعات الحديثة. فالأصل هو حرية الإنسان والاستثناء في الحد من هذه الحرية وتقييدها، اذ ان كل عمل من اعمال السلطة يمارسه انسان ضد اخر يعد نوعا من التحكم إذا لم يكن ضروريا على وجه الاطلاق، فالحريات العامة إذا اجاز الدستور تقييدها فأنها لا تقيد الا بتشريع، وإذا كفل الدستور حقا من الحقوق فان القيود عليه لا يجوز ان تنال من محتواه الا بالقدر وفي الحدود التي ينص عليها الدستور. ففي معظم دول العالم نلاحظ اليوم الازدياد الكمي والنوعي في مستوى الجرائم، اذ ثبت أن اعداد المجرمين ومستوى الجريمة في المجتمع قد زاد بنسبة ملحوظة خلال سنوات من تاريخ القانون الجنائي حتى يومنا هذا، فالجريمة تتطور وتتكيف باستمرار، وان هذه النسبة التصاعدية في مستوى الجريمة الكمي والنوعي قابله في الطرف الاخر ازدياد ملحوظ في اعداد التشريعات الجنائية وشدة العقوبة من اجل الحد من الجريمة ومكافحتها، وأن منع الجريمة ومكافحتها بجميع أشكالها ينبغي أن تظل وظيفة أساسية لنظم العدالة الجنائية ولا ينبغي وقفها أو الإقلال من قيمتها في ضوء التركيز الحديث على الأشكال الخاصة أو الجديدة من الجريمة مثل الفساد والجريمة المنظمة، ويتزامن مع إصلاح النظام القانوني الذي شرعت فيه الانظمة القانونية والمتمثل في مراجعة وتحديث القوانين الموجودة في شتى القطاعات وبما يتماشى مع الاحتياجات والمتطلبات الجديدة لمواكبة المعايير الدولية، من هنا يتبادر للأذهان التساؤل حول ما مدى ملائمة مشروعات التطوير التشريعي في استيعاب ومكافحة الجريمة؟ وهل أن إصلاح منظومة العدالة يجب أن ينصب على المسائل الشمولية دون الدخول في الجزئيات؟ أم أن الإصلاح العميق والشامل يقتضي ما هو شمولي ثم ما هو جزئي في الوقت نفسه؟ وما مدى جدوى ظاهرة الإفراط في التجريم وإقحام الأداة الجنائية في كثير من مظاهر السلوك المخالف للقانون، والتي كان يمكن مواجهتها بأدوات غير جنائية تكفلها داخل النظام القانوني أفرع قانونية أخرى؟ اذ تعددت التشريعات الجنائية بشكل كبير حتى أصبح تعددها ظاهرة يلاحظها الجميع، فهناك إفراط في وضع النصوص التجريمية والعقابية بشكل يكاد يفقد معه القانون الجنائي غايته من خلال تقرير العقاب على الإخلال بالتزامات قد لا تصل إلى مستوى التجريم، باعتبارها اختلالات اجتماعية واقتصادية وليست انحرافات سلوكية، اذ توسع المشرع في تجريم الجرائم البسيطة التي ظهرت نتيجة تدخل الدولة في العصر الحديث في جميع الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما ادى الى تضخم حجم التجريم التنظيمي أو ما يُطلق عليه بعضهم (التجريم القانوني) ،وإن تضخم حجم التجريم التنظيمي او القانوني هي مخالفات من النوع المجرم بقوة القانون، وليس لها أي ضرر او خطر حقيقي على القيم الاجتماعية او الأخلاقية، انما تعتمد في تعريفها وتحديدها على المعيار القانوني الشكلي لتعريف الجريمة، وهذه المخالفات التنظيمية تحتل جزءاً واسعاً من القوانين الجزائية الحديثة. وقد اشار الفقهاء لهذه الظاهرة بما يطلق عليه باستخدام مصطلح التضخم التشريعي (inflation législative). ويطلق بعض الفقه على هذه الظاهرة اصطلاح التضخم الجنائي (L'inflation pénale)، مؤكدا أنها إحدى صور التضخم التشريعي بصفة عامة، والذي تعاني منه باقي أفرع القانون الأخرى. وبدأت تلك الظاهرة تستفحل بشكل كبير، وبخاصة في أوروبا، اعتباراً من نهاية القرن التاسع عشر، وذلك تزامناً مع الاضطرابات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية التي اجتاحت العالم، بسبب الحروب والأزمات الاقتصادية، وما أفرزته هذه الاضطرابات من نماذج سلوكية أحس المشرّع بخطورتها وتهديدها للنظام العام، فعمد إلى مواجهتها من خلال توسيع نطاق التجريم ولاسيما في مجال الجرائم الاقتصادية، كجرائم النقد، والتهريب، والاحتكار، والتسعير، والتهرب الضريبي، إضافة إلى جرائم المرور والصحة، والآثار، والبيئة. وان هذا التدخل من جانب الدولة، وما رافقه من اتساع في استخدام الجزاء الجزائي، خلق في الواقع وضعاً صعباً للغاية، فمن ناحية، أدى هذا التدخل إلى اتساع نطاق التجريم، ليشمل أفعالاً ليست بتلك الخطورة والتهديد، الذي يهدد أمن المجتمع، فضلاً عن أن القيم والمصالح التي تنالها هذه الأفعال ليست بتلك الأهمية التي يتوقف عليها استمرار المجتمع واستقراره. وهذا ما أثبته التطبيق العملي الذي أظهر خطأ الإسراف في سياسة التجريم، فبدأت المطالبة بالحد من تدخل قانون العقوبات في مجالات لا شأن له بها. وترك إدارة النشاط الاقتصادي لقوى السوق، وتقليص دور الدولة وتدخلها في النشاط الاقتصادي، وإطلاق الحرية لممارسة النشاط الاستثماري والإنتاجي، وإزالة كل القيود والحواجز أمام حركة التجارة، وإلغاء القيود والرقابة على حركة الأموال، وإلغاء القيود على حركة العمل. وظاهرة او ازمة "التضخم العقابي يقصد بها اسراف المشرع في استخدام السلاح العقابي بغير ضرورة تقتضيه ودون تناسب، وأطلق بعض الفقهاء عليها تسمية (انفلات قانون العقوبات الخاص)، مؤكدين أنهم آثروا القول(انفلات) وليس (تضخم قانون العقوبات الخاص)، باعتبار أن ظاهرة انفلات هذا الفرع تعني تطوره الكيفي وانسلاخ طوائف معينة من جرائمه لتكون فروعا خاصة بذاتها، بينما ظاهرة التضخم تعكس فقط التطور الكمي لهذا الفرع بزيادة عدد جرائمه، وأنه بقدر ما تضيف ظاهرة انفلات قانون العقوبات الخاص إلى أقسام خاصة متعددة من ثراء فقهي إلى القسم الأم (قانون العقوبات العام)، إلا أنها تفقده الانسجام والتناسق اللازم، ويؤدي الى استغلال الانظمة القانونية المجزاءة. وبقدر ما يزداد توسع القانون بقدر ما تكثر القضايا التي ترفع أمام المحاكم، وترهق كاهل العاملين بها، اذ إن القضايا في تزايد مستمر وتأجيل نظرها إلى جلسات متعددة أصبحت السمة الغالبة على عمل الجهاز القضائي، فأصبح عاجزاً عن القيام بدوره في تحقيق العدالة الجنائية، يضاف إلى ذلك أنها تؤكد التساؤل المطروح منذ فترة عن مدى جدوى ظاهرة الإفراط في التجريم وإقحام الأداة الجنائية في كثير من مظاهر السلوك المخالف للقانون بصورة مبالغ فيها، إذ أصبح من النادر أن يصدر تشريع جديد يعالج موضوعا ما دون أن يستعين بسلاح التجريم والعقاب، مما أفضى إلى تضخم تشريعي جنائي، والتي كان يمكن مواجهتها بأدوات غير جنائية تكفلها داخل النظام القانوني أفرع قانونية أخرى كالقانون المدني او التجاري ، او اللجوء الى طرق حديثة للتخفيف من زخم الدعاوى الجناية كنظام الوساطة الجنائية خاصة في الدعاوى الناشئة عن بعض جرائم الاعتداء على الأموال، والتي يمكن ان نعتبرها رد فعل على التضخم التشريعي في محاولة للحد والسيطرة على اثار واعباء التضخم التشريعي. وتتعدد الأسباب الداعية إلى إصدار قوانين جنائية خاصة، وأول هذه الأسباب أن التطبيق العملي لقانون العقوبات قد يظهر بعض جوانب النقص في التشريع الجنائي القائم او القواعد العامة، بحيث تقتضي الحاجة ضرورة تجريم أفعال أخرى لم يتضمنها قانون العقوبات، وهو ما تمثل في استقلال طوائف معينة من الجرائم بذواتها وتفردها بأحكام خاصة بها فأصبحنا امام حالة تجزئة المجزء او تخصيص الخاص، حتى أضحت في النهاية فروعا خاصة داخل القسم الخاص، فأصبح عدد كبير من الجرائم يعاقب عليه بمقتضى قوانين خاصة، لا يتضمنها قانون العقوبات بمعناه الضيق، وفي تعبير آخر، يمكن القول بأن القسم الخاص من قانون العقوبات قد تحول تحت ضغط التطور إلى أقسام خاصة، يضم كل منها طائفة من الجرائم تشترك في وحدة المصلحة القانونية التي ابتغى المشرع حمايتها، وتستقل هذه الجرائم بأحكام موضوعية وإجرائية تقتضيها طبيعتها، وقد تختلف عن الأحكام العامة التي تسري على باقي أنواع الجرائم. وهكذا، ظهرت عشرات من التشريعات الجنائية الخاصة التي تحتوي على عدد من الجرائم يفوق جرائم القسم الخاص من قانون العقوبات، وتمثل معالجة خاصة لنوع محدد من الإجرام، وهكذا كثيرا ما يتدخل المشرع الجنائي لحماية مصالح المجتمع، ويجرم بعض الأفعال التي لم تكن معروفة من قبل بقوانين خاصة لاحقة ومستقلة، قد تختلف أحكامها عن أحكام قانون العقوبات العام وقد لا تختلف، وذلك وفقا للغاية التي يهدف إليها المشرع في حمايته للمصلحة محل الحماية، وقد يرى المشرع أن يعالج بعض الجرائم في تشريعات خاصة مكملة لقانون العقوبات، وذلك بالنظر إلى أنها تقع اعتداء على مصالح متغيرة أو طارئة او لم يعالجها سابقا، مما يجدر معه عدم وضعها في مجموعة قانون العقوبات حتى لا يصيبه كثير من التعديل أو التغيير. وفي تعبير آخر، يمكن القول بأن من حسن السياسة التشريعية أن يضمن المشرع لمجموعة قانون العقوبات قدرا معينا من الثبات النسبي، فلا يتناول أحكامها بالتعديل والتغيير إلا لضرورة ملحة، وان احكام القسم الخاص في قانون العقوبات هي أكثر عرضة للتغيير والتعديل من احكام القسم العام التي تتسم بالثبات النسبي وصعوبة تغييرها، ذلك أنه عندما يضع المشرع قانون العقوبات يراعي مبادئ دستورية معلومة استقرت في الأذهان فأصبحت من الأصول المفهومة بحكم الضرورة، قلما تتغير باختلاف الزمان والمكان، بل أنها لم تعد في حاجة إلى نصوص تقررها، واستقرار قانون العقوبات يقتضي أن تقتصر حمايته على المصالح الثابتة المهمة، كحق الإنسان في الحياة وسلامة الجسم والملكية ... الخ، أما المصالح المتغيرة أو الطارئة، فمن حسن السياسة التشريعية أن يتكفل قانون خاص بحمايتها، ولعل هذا يفسر لنا لجوء المشرع الجنائي في اغلب الدول إلى إصدار قوانين ملحقة بقوانين العقوبات أو مكملة له، لحماية مصالح خاصة أو متغيرة أو طارئة، وقد يكون الدافع إلى إصدار قانون خاص هو أن تكون الأفعال الإجرامية الواردة في هذا القانون الخاص مما تنفرد ببعض الاحكام او الإجراءات الجنائية الخاصة، ومن ثم يرى المشرع إصدار قانون خاص يضم بين دفتيه كلا من الأحكام الموضوعية والأحكام الإجرائية الخاصة بهذه الطائفة من الجرائم، وقد يكون الهدف من إصدار القانون الخاص سياسيا أو إعلاميا او فئويا، ولعل أبرز مثال على ذلك يكمن في قانون غسل الأموال وقانون مكافحة جرائم الاتجار في البشر او قوانين مكافحة الفساد، وقد يكون السبب الدافع إلى إصدار قانون خاص هو وجود تشريع جنائي نموذجي في شأن ذات الموضوع. وأن الأمر لم يقتصر على مجرد ظهور بعض الفروع الخاصة لقانون العقوبات، وإنما بدأت الفروع الخاصة بدورها تعرف تقسيمات فرعية خاصة، وثار التساؤل عن ماهية بعض الفروع، وما إذا كانت متفرعة عن قانون العقوبات ذاته، أم أنها تتفرع بدورها عن بعض الفروع، فعلى سبيل المثال، ثار التساؤل عما إذا كان القانون الجنائي للعمل يعد فرعا مستقلا بصفة مطلقة، أم أنه يعد فرعا داخل نطاق القانون الجنائي للأعمال بوجه عام، وأيا ما كان السبب وراء صدور القانون الجنائي الخاص، فإننا نجد أنفسنا أمام قوانين قائمة بذاتها إلى جانب قانون العقوبات الأصلي، وعن هذه القوانين القائمة بذاتها، يتحدث الفقه عما يسمى (بقانون العقوبات التكميلي) الذي يشمل جميع القوانين التي تتناول بالتجريم والعقاب أفعالا لا تندرج تحت نصوص قانون العقوبات الأصلي، أو يتضمن قواعد جنائية خاصة غير موجودة بالقانون الأصلي، والفرض أن قانون العقوبات التكميلي يكمل قانون العقوبات الأصلي، ومنهما معا يتكون النظام القانوني الجنائي، اذ أن تعدد النصوص القانونية بتعدد المصالح القانونية التي يحميها القانون الجنائي هو الاصل في القانون الجنائي ، اما ان تتعدد القوانين الجنائية بتعدد المصالح التي تحميها فهو امر لا يتفق مع الدقة العلمية، ذلك أن قانون العقوبات بحسب طبيعته يعالج مصالح المجتمع العديدة المتنوعة، فالأصل انه لا يجوز تجزئته أو تمزيقه إلى عدة قوانين – ولو وردت في تشريعات خاصة – بقدر تعدد هذه المصالح، على الرغم من ان القاعدة على بياض وتجزئة القاعدة الجنائية من الاساليب المعروفة في صياغة النصوص الجنائية والتي عن طريقها يمكن التخفيف من مساوى جمود القانون الجنائي، فإذا كان الميل إلى التخصص يعتبر في ذاته اتجاها محمودا، فإن المبالغة فيه قد ينبني عليها نتائج غير مقبولة، هي في هذا المقام القضاء على وحدة قانون العقوبات والخروج على أحكامه العامة، لأن وحدة قانون العقوبات ترتكز على القسم العام بوصفه الإطار القانوني الذي يجمع قائمة الجرائم التي ينص عليها، إما في مجموعته الأصلية أو في التشريعات الخاصة، وطالما كانت الجرائم المنصوص عليها تدخل في هذا الإطار القانوني، أي تخضع للقسم العام، كانت جزءا من قانون العقوبات، مهما تعددت واختلفت المصالح المعتدى عليها بهذه الجرائم. وأن اهم الآثار السلبية لهذه الازمة انها ادت لفشل القوانين الجنائية في مواجهة الجريمة، والذي تعاني منه باقي أفرع القانون الأخرى، ولكن الظاهرة تبدو مقلقة أكثر في المجال الجنائي، لما لهذا الأخير من خصوصية، ليس أقلها إن القانون الجنائي يمس الناس في حرياتهم، فقد أضحى من المتعذر حصر النصوص الجنائية والعلم بأحكامها، لفرط كثرتها وتناثرها، إذ أصبح من النادر أن يصدر تشريع جديد يعالج موضوعا ما دون أن يستعين بسلاح التجريم والعقاب، مما أفضى إلى تضخم تشريعي جنائي، بكل ما يحمله ذلك من آثار سلبية على إدارة العدالة الجنائية برمتها. وقد استتبع هذا التضخم الكمي والنوعي في عدد وأنواع الجرائم التي يتضمنها القانون الجنائي في القسم الخاص من قانون العقوبات تطورا في الكيف، وهو ما تمثل في استقلال او ذاتية طوائف معينة من الجرائم بذواتها وتفردها بأحكام خاصة بها، حتى أضحت في النهاية فروعا خاصة داخل القسم الخاص، اذ ثمة تشريعات خاصة أعلنت خروجها على أحكام القسم العام من قانون العقوبات، واستأثرت – بوجه عام – في معالجتها للجرائم والعقوبات بمبادئ متميزة، وفي تعبير آخر من المصالح ما يتميز بطابع معين يبرر وضع مجموعة خاصة به تكون نظاما مستقلا إلى حد ما عن قانون العقوبات، ولعل أبرز مثال على ذلك يكمن في قانون العقوبات العسكري، اذ يتميز هذا القانون عن قانون العقوبات بأنه ينص على جرائم تتصل بالنظام العسكري، ولا نظير لها في قانون العقوبات، كما ينص على عقوبات غير مألوفة في قانون العقوبات العام، ويبدو مستساغا اليوم القول بأن عددا كبيرا من الجرائم يعاقب عليه بمقتضى قوانين خاصة، لا يتضمنها قانون العقوبات بمعناه الضيق. وفي تعبير آخر، يمكن القول بأن القسم الخاص من قانون العقوبات قد تحول تحت ضغط التطور إلى أقسام خاصة، اذ يُعتبر قانون العقوبات الخاص بمثابة ارض خصبة لهذه التطورات، يضم كل منها طائفة من الجرائم تشترك في وحدة المصلحة القانونية التي ابتغى المشرع حمايتها، وتستقل هذه الجرائم بأحكام موضوعية وإجرائية تقتضيها طبيعتها، وقد تختلف عن الأحكام العامة التي تسري على باقي أنواع الجرائم، كقانون مكافحة الإرهاب العراقي رقم (13) لسنة 2005 ، وقانون مكافحة البغاء رقم (8) لسنة 1988 ،وقانون هيئة النزاهة رقم (30) لسنة 2011، وقانون عقوبات قوى الأمن الداخلي رقم (14) لسنة 2008، وقانون عمليات زرع الاعضاء البشرية رقم (85) لسنة 1986وغيرها من القوانين الخاصة التي يصعب احصائها على المتخصصين، وهكذا ظهرت عشرات من التشريعات الجنائية الخاصة التي تحتوي على عدد من الجرائم يفوق جرائم القسم الخاص من قانون العقوبات، وتمثل معالجة خاصة لنوع محدد من الإجرام. وإذا كان العلم بالنصوص المتفرقة بين قوانين وتشريعات مختلفة غدا أمرا صعبا، حتى على المتخصصين، فإن حسم مسألة التنازع بين هذه النصوص (التنازع الظاهري للنصوص) ومعرفة النص واجب التطبيق على الواقعة الإجرامية لا يقل صعوبة، في حين ان العلم بهذه القوانين مفترض بقرينة قانونية، فوفقا للمادة (37) من قانون العقوبات العراقي اقر المشرع بافتراض العلم بالقوانين العقابية بقرينة قانونية قاطعة لا تقبل اثبات العكس وان وردت عليها استثناءات، وما يزيد الأمر صعوبة أن المشرع قد ينص على ذات الجريمة في أكثر من قانون جنائي خاص، بحيث يكون ذات السلوك الإجرامي خاضعا لقانون العقوبات العام وواحد أو أكثر من القوانين الجنائية الخاصة، وهذه الصعوبة تزداد إذا علمنا أن المشرع الجنائي يلجأ عادة – في القوانين الجنائية الخاصة – إلى مبدأ الإلغاء الضمني، وليس الإلغاء الصريح، بحيث يقرر إلغاء كل حكم يخالف الأحكام الواردة به، الأمر الذي يستلزم البحث فيما إذا كان النص التجريمي الخاص الوارد في قانون ما قد ألغى نصا تجريميا خاصا واردا في قانون آخر أم لا. فقانون العقوبات الأصلي هو قانون العقوبات العام، أما حيث يكون نطاق تطبيق القانون مقصورا على طائفة معينة من الأفراد بسبب توافر صفات خاصة بهم أو بسبب وجودهم في ظروف معينة، ومقصورا على وقائع محددة بحسب موضوعها، أو بسبب شخص مرتكبها، أو مكان وقوعها، فهذا القانون يعتبر خاصا، وبعبارة واحدة، فإن قانون العقوبات الخاص هو الذي يحكم التجريم والعقاب بالنسبة لبعض الأفعال، سواء أكانت واردة أم غير واردة بقانون العقوبات العام، بأحكام تختلف عن الأحكام المنصوص عليها في هذا الأخير. وأمام هذه المؤشرات الخطيرة كان على السياسة الجنائية أن تعيد النظر في استراتيجيتها في مكافحة الإجرام، بعد أن لوحظ أن جهود المجتمع لمعالجة المجرمين كانت في أسوأ تقدير غير إنسانية وفي أحسن حال تعتبر غير فعالة وأنها في الغالب عقيمة وفي جميع الأحوال غير واضحة، وبالفعل بدأت السياسة الجنائية منذ منتصف القرن الماضي تبحث عن وسائل تحقق أقصى فاعلية ممكنة في مكافحة الإجرام، وعليه اتّجهت السياسة الجنائية اتجاهين: أولها موضوعي، يتمثل في سياسة الحد من التجريم وسياسة الحد من العقاب، وثانيهما إجرائي يتمثل في الوسائل الممكنة في تيسير إجراءات الدعوى الجزائية أو بدائل الدعوى الجزائية لمواجهة أزمة العدالة الجنائية، اذ تقوم الدولة باقتضاء حقها في العقاب عن طريق الدعوى الجنائية تطبيقاً لمبدأ لا عقوبة بغير دعوى جنائية، ومن هنا أضحت الأساليب غير القضائية لإدارة الدعوى الجنائية ضرورة ملحة لمواجهة البطء في الإجراءات الجنائية التقليدية بهدف اختصار تلك الإجراءات، فكان أحد معالم التطور العلمي الجنائي وهو بدائل الخصومة الجنائية للنظر في مكافحة الإجرام بغير الإجراءات الجنائية التقليدية، فكانت من أهم آليات مواجهة أزمة العدالة الجنائية هو ما يعرف (بخصخصة الدعوى الجزائية). فقد ظهرت الوسائل البديلة لحل المنازعات كنتاج لعدم فعالية الجهاز القضائي التقليدي في حسم القضايا الجنائية، فإذا كانت ممارسة الدعوى الجزائية تفترض المرور بمراحلها الإجرائية في الاتهام والتحقيق والمحاكمة، فهذه الوسائل البديلة المختلفة تستهدف بالدرجة الأولى اختصار هذه الإجراءات الشكلية أملاً في زيادة فعالية العدالة الجنائية في إنجاز القضايا، مما أدى إلى ظهور ما يطلق عليه (العدالة الرضائية أو التفاوضية) في المواد الجنائية، فيقصد بتعبير خصخصة الدعوى الجزائية إعطاء دور أكبر لأطراف الدعوى الجزائية من المتهم والمجني عليه وبمشاركة المجتمع في إنهاء الدعوى الجزائية والسيطرة على مجرياتها لمواجهة الظاهرة الإجرامية، ويشار بالعدالة التصالحية إلى معالجة الجريمة بالتركيز على رفع الأذى الذي ُألحق بالضحايا، ومساءلة اﻟﻤﺠرمين عن أفعالهم، وإشراك اﻟﻤﺠتمع المحلي في حل النزاع، وقد دُرج على تعريف العملية التصالحية بأﻧﻬا أيُّ عملية يشارك فيها الضحية واﻟﻤﺠرم، وعند الاقتضاء، أيُّ أشخاص أو أفراد آخرين من اﻟﻤﺠتمع الأهلي من المتضررين بالجريمة، مشاركًة جماعيًة نشيطًة في تذليل الأمور الناشئة عن الجريمة، ومن اهم صور خصخصة الدعوى الجنائية التنازل عن الدعوى الجنائية والصلح الجنائي والوساطة الجنائية ونظام التسوية الجنائية. وفيما يتعلق بالقانون العراقي، فهناك العديد من النصوص القانونية في قانون العقوبات العراقي تحتاج الى التغيير او الحذف او اعادة الصياغة لذات السبب الذي بيناه سابقا، هذا فضلا عن ان جرائم جديدة ظهرت لم تكن معروفة سابقا، ومن ذلك مثلا الجرائم الالكترونية وجرائم الارهاب والفساد المالي والاداري والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية والقرصنة وغيرها من الجرائم التي لم ينص عليها قانون العقوبات، اضافة الى صور اخرى قديمة من صور الجريمة عادت للظهور من جديد، وهذا ما دفع المشرع العراقي الى اصدار قوانين خاصة منفردة لمعالجة هذه الجرائم، بينما يجب توحيد النصوص العقابية في قانون موحد يتحقق فيه التناسق الداخلي وينسجم مع المعايير والمعاهدات والاتفاقيات الدولية اي يتحقق فيه التوافق الخارجي كذلك. فقد أصبح من الضروري تنقية وترشيق المنظومة القانونية الجنائية المتضخمة من الجرائم التي لم يعد المجتمع يعتبرها متصفة بالخطورة على نظامه أو لم تعد تنتهك القيم العليا التي يؤمن بها ويحميها، وعلى السياسة الجنائية أن تعيد النظر في استراتيجيتها في مكافحة الإجرام، والبحث عن وسائل تحقق أقصى فاعلية ممكنة في مكافحة الإجرام، فيجب فهم مصطلح المصالح والقيّم العامة بطريقة غير تقليدية ومرنة، إذ ان هذه المصالح والقيّم تتغير بتغير الزمان والمكان اي من مجتمع لآخر في نفس الزمان وفي نفس المجتمع الواحد في ازمنة مُختلفة، وبالتالي فإن نوع الحماية واسلوب الحماية لذات القيم والمصالح في قانون العقوبات تتفاوت وتتطور متأثرة بالعديد من العوامل، لذا يجب أن تهدف المعاينة والحصر إلى بيان ما بقي ضارا بالمجتمع وما صار سلوكا مباحا او لا يشكل خطرا على مصالح المجتمع، وما طرأ من أفعال جرمية جديدة، وما تغير من عدد الجرائم ونسبها، وما أصبح من الجرائم يتطلب مجرد تشديد أو تخفيف أو تدقيق أو تضييق أو توسيع،  كما يتعين العمل على تجميع النصوص الجنائية الخاصة بميادين محددة في مدونات واحدة متسقة، إلى جانب مدونة الشريعة العامة في القانون الجنائي. فقد ان الأوان للخروج من نظام العقوبات التقليدية والانخراط في الأنظمة العقابية الحديثة وتطوير الطرق القضائية البديلة، كالوساطة والتحكيم والصلح، والأخذ بالعقوبات البديلة، وان لا ننظر لهذه الطرق باعتبارها حلول مؤقته او ثانوية لا تدخل في استراتيجية مكافحة الجريمة، وانما باعتبارها جزء من السياسة الجنائية الحديثة، وجزء من استراتيجية مكافحة الجريمة، وان نضع محل اعتبارنا في هذه السياسة التكلفة الاقتصادية الكبيرة جدا للجريمة، ومحاولة البحث عن وسائل لمكافحة الجريمة غير مكلفة لاقتصاد الدولة، ولا نقصد هنا البحث عن مصادر لتمويل الاقتصاد بقدر بحثنا عن خفض في التكلفة التي يتحملها اقتصاد الدولة في مكافحة الجريمة، اذ أصبحت تكاليف الجريمة أداة متزايدة الأهمية لصانعي القرار المعنيين بالجريمة وتأثيرها على المجتمع، فهي تساعد على إصدار قرارات واضحة حول مزايا السياسات والبرامج البديلة للعقوبة والتي هي بالفعل ضمنا في صنع القرار وحول كيفية تخصيص الموارد لمعالجة الجريمة . وإذا كانت الجريمة ظاهرة اجتماعية تتأثر في أسبابها بالبيئة والظروف الاجتماعية المختلفة، سواءً ما تعلق منها بالنواحي الطبيعية، أو الأخلاقية، أو الاقتصادية، أو السياسية، فإن تحديد السياسة التي تكافح هذه الجريمة تتأثر بطبيعة هذه الظروف، اذ أن هناك ارتباطا لا ينفصم بين كل مرحلة من مراحل تطور أي مجتمع والفلسفة والسياسات التشريعات التي تسوده، فلكل مجتمع تشريعاته التي يفرزها والتي تعد في نفس الوقت أداته التي لأغنى عنها في تكريس متطلبات المرحلة والإسراع في عملية التحول، ومن هنا نقول بأن السياسة الجنائية تتميز بالنسبية، فهي ليست مطلقة، إذ إن الوسائل التي تقترحها دولة معينة لمكافحة الجريمة فيها، قد لا تصلح في دولة أخرى، نظراً لاختلاف الظروف الاجتماعية في كل من هاتين الدولتين، إلا أن هذه النسبية في الوسائل لا تحول دون اتفاقهما في غاية واحدة هي الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة. اذ يجب ان يتدخل المشرع بين فترة وأخرى بوسيلة التعديل او الإلغاء وتشريع القوانين الجديدة ليلائم بين القانون وحاجات الروابط الاجتماعية المتجددة والمتطورة في كافة الاتجاهات، وتناول التشريعات بنظرة شاملة ومتكاملة تبتعد عن منهج إجراء تعديلات تشريعية جزئية لمواجهة المشاكل العاجلة، والسعي لوضع البنية التشريعية بأكملها في وضع يتوافق مع التطورات الحديثة في الواقع والفكر ويفتح الطريق لتوقعات التغيير في المستقبل بحيث يشمل الإصلاح التشريعي جميع التشريعات باعتبارها لبنات في بناء واحد، وإن المشرع إلى جانب اصدار التشريعات، فإنه كان يفضل اللجوء الى التعديل بدلا من إلغاء واستبدال التشريعات، الأمر الذي وصل بنا الى هذا الكم الضخم من التشريعات التي تذخر بالتضارب والتناقض بين نصوصها والذي يرجع بطبيعة الحال الى الاختلاف بين الفلسفات والأسس التي بنى عليها التشريع عند اصداره وبين تلك التي بنى عليها التعديل الذي تم في مرحلة وفلسفة مختلفة لاحقة حتى وصل الأمر الى أن فلسفات المراحل الاجتماعية المتلاحقة تظهر بوضوح لا من تشريع إلى آخر ولكن من مادة إلى أخرى داخل التشريع الواحد ، مما أدى الى التناقض ومن ثم الارتباك في التنفيذ والتطبيق، لذلك يجب الحرص على وحدة التشريع المطبق بأن يكون هناك تشريع واحد فقط متضمنا كل الأحكام التي تتعلق بأحد الموضوعات المحددة، وعدم وجود نصوص متعددة تسري على نفس الحالة، وعدم تعدد جهات الإختصاص المنوط بها تنفيذ الموضوع أو التشريع الواحد، والحرص على المواءمة بين التشريعات. وعلينا الاعتراف بفشل المنظومة العقابية في الحد من الجريمة، وليس ادل على هذا الفشل من الارتفاع الخطير والمستمر في مستوى الجريمة كما ونوعا، ويجب الاعتراف بان التشريعات الجنائية العربية قد فشلت في هذه الغاية لأنها فشلت في تحقيقها، بل إنه ليس من المبالغة، الاعتقاد بأن تكون هذه السياسات الجنائية المتبعة في هذه الدول هي عامل غير مباشر، يفسر إلى حد ما الارتفاع المستمر في معدلات الإجرام، بل يمكن وصف تلك السياسات الجنائية بأنها من عوامل تفاقم الإجرام، لأنها تقوم على وسائل ارتجالية لمكافحة الإجرام، لا تستند إلى أسس علمية، ومن هنا يتضح دور السياسة الجزائية الإجرائية الحالية، كعامل من العوامل التي تؤدي إلى زيادة عدد الجرائم، بدل أن تكون عاملاً من عوامل الحد من ظاهرة الإجرام. اذ اننا نجد انفسنا امام تضخم تشريعي فشل في الحد من التضخم في الظاهرة الاجرامية، اذ ان مستوى الجرائم قد ارتفع بشكل ملحوظ، وهو متجه نحو استمرار الارتفاع كما ونوعا وهذا ما تثبته الاحصائيات الجنائية، فاصبح تضخم الظاهرة الاجرامية والتضخم التشريعي امرا لا يمكن انكاره، وأصبحت المؤسسات العقابية كما يشار بالمفهوم الاقتصادي يدخلها مدخلات اقل اجراما ويخرج منها مخرجات أكثر خبرة وتنظيما في الاجرام، لتعلن بشكل صريح عن فشل التضخم التشريعي في الحد من التضخم الاجرامي، اذ يوجد تلازم بين ظاهرة أزمة العدالة الجزائية وظاهرة التضخم الجنائي وظاهرة التضخم الاجرامي. وقد لا توثر الجرائم بالضرورة على جميع الدول بنفس المعدل او بنفس الخطورة، غير ان القاسم المشترك بينها هو انه عندما يتم الاعتراف بكونها تمثل تهديدا عابرا للحدود الوطنية، قد تكون اتسعت بشكل يجعل من الصعب مواجهتها او السيطرة عليها، لذلك على الدول الاستعانة بنهج تكاملي، وتُنفّيِذ ورصُد سياسات واستراتيجيات شاملة لمنع الجريمة، مُصمَّمة للتصدي لمختلف أنواع الجريمة والعنف، وعوامل المخاطر المشتركة والمحددة، وسوف تساعد مواءمة التشريعات والتنسيق بينها على الصعيد العالمي على منع ومكافحة الجرائم ، وزيادة اشراك الجمهور في أنشطة العدالة الجنائية ومنع الجريمة عن طريق استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وهي توفر إمكانات هائلة لإحداث تغيير إيجابي، بحيث تكون المشاركة المجتمعية عنصرا أساسيا وفعالا في مكافحة الجريمة. اذ في المستقبل القريب وبسبب التزايد المطرد والانتشار المتسارع لوسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت سيكون من الصعب اكتشاف الأدلة الالكترونية لبعض اشكال الجرائم، فالتطور السريع والمستمر الذي تشهده تكنولوجيا المعلومات والاتصال، بما في ذلك اتِّساع مدى النفاذ إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، الذي يُعزى جانب منه ليس بالقليل إلى انتشار الهواتف الذكية، غيَّر بصورة جذرية أسلوبَ الناس في العيش وفي العمل وفي التفاعل في أنحاء كثيرة من العالم، وعليه فقد حظي دور وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيات الاتصال الجديدة في منع الجريمة والعدالة الجنائية بعناية كبيرة من الحكومات في السنوات الأخيرة. وان على وتيرة استجابة المجتمع الدولي لمكافحة الجريمة ان تتطور لتجاري السرعة التي تنتشر بها الجريمة، اذ ان الجريمة تتطور تطورا سريعا في مختلف أنشطتها، لذلك يجب تطوير خطاب مضاد متطور لما يروج له المجرمون والمتطرفون، اذ فوجى الكثير من تطور الأدوات التي يستخدمها المجرمون وتطور اساليبهم الاجرامية وقدراتهم، اذ يتزايد استخدام التكنولوجيا الحديثة في النشاط الاجرامي، وفي المقابل يجب استخدام التقدم التكنولوجي في انفاذ القانون، وتطوير قاعدة البيانات. ولمواكبة الاشكال المعاصرة للجريمة خاصة الجرائم المنظمة وجرائم الارهاب لم يعد من الممكن حصر التحقيق ومكافحة الجريمة داخل الحدود الوطنية والتشبث بالسيادة الوطنية، فهناك حاجة لتطوير نظام تسليم المجرمين وتبادل المعلومات والتعاون في انفاذ القانون على المستوى الدولي، والتأكيد على الحاجة لمقاربة شاملة لإصلاح نظام العدالة الجنائية لتعزيز قدرة نظم العدالة الجنائية في التعامل مع الجريمة، فضلاً عن تحديد الانماط الجديدة من الجريمة والتي تشكل خطرا على المجتمعات في جميع أنحاء العالم، واكتشاف السبل لوقاية منعها والسيطرة عليها . وينبغي للدول أن تعتمد على الممارسات الجيِّدة وأن تعزز سياساﺗﻬا وممارساﺗﻬا من أجل إشراك جميع قطاعات اﻟﻤﺠتمع في تعزيز سياسات منع الجريمة وبرامجه وتحسين أداء نظام العدالة الجنائية، وأن تقرَّ بمنافع مشاركة الجمهور في تعزيز منع الجريمة وأداء العدالة الجنائية وأن تنظر في توفير الأمن والعدل على نحو يركِّز على الناس باعتبارهما من العناصر الهامة لتحقيق التنمية المستدامة، وأن تولي الاعتبار الواجب لإصلاحات نظام العقوبات والسجون، مع التسليم بأنَّ سوء أوضاع السجون واكتظاظها كثيرا ما يُشيران إلى أوجه قصور منهجية في نظام الدولة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، من قبيل ضعف إمكانية الحصول على المساعدة القانونية، أو عدم وجود بدائل للسجن أو تدابير لإعادة الإدماج الاجتماعي، اذ أنَّ إرساء نظام العدالة الجنائية الفعَّال والمنصف والمراعي للاعتبارات الإنسانية إنما يقوم على الالتزام بإعلاء شأن حماية حقوق الإنسان في إقامة العدل وفي منع الجريمة ومكافحتها.
بقلم ذ نوفل علي عبد الله الصفو
أستاذ القانون الجنائي المساعد كلية الحقوق / جامعة الموصل
 


أعلى الصفحة