القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ خالد شهيم
إطار باحث
تحت عدد: 513
انطلاقا من الدور الذي تقوم به المصالح الجمركية

 خاصة ما يتعلق بمحاربة التهريب و الاتجار غير المشروع بالمخدرات، و مع تنامي ظاهرةالجريمة العابرة للحدود أصبح لزاما التوفر على الوسائل الكفيلة للحد من خطورة هذه الجرائم، و على رأسها آليات المطاردة سواء البحرية منها كالزوارق السريعة، أو البرية مثل السيارات و الدراجات النارية. ولما كانت المركبات البرية محكومة بقواعد مدونة السير على الطرقات، كان لابد لهذه الأخيرة من تخصيص استثناءات تتماشى و طبيعة المهام الموكولة للمصالح الأمنية بما فيها المصالح الجمركية بما يحفظ أمن و سلامة المملكة من تلك الجرائم. الشيء الذي يبرر حق أسبقية هذه المصالح في تحركاتها و تنقلاتها عن سائر مستعملي الطرق.

·       حق الأسبقية في مدونة السير على الطرق بالمملكة

جاء في المادة 185 من مدونة السير على الطرق (1) في إطار الفرع الثاني المخصص للمخالفات من الدرجة الثانية ما يلي:

" يعاقب بغرامة من خمسمائة (500) إلى ألف (1.000) درهم، كل شخص ارتكب مخالفة من الدرجة الثانية.

تعتبر مخالفة من الدرجة الثانية إحدى المخالفات التالية:

5-عدم احترام الأسبقية المخولة بمقتضى هذا القانون والنصوص الصادرة لتطبيقه لمركبات مصالح الدرك أو الشرطة أو الوقاية المدنية أو سيارات الإسعاف وذلك إذا استعملت المنبهات الخاصة بها."

و نحن إذ نستحسن هذه العقوبة الردعية المعمول بها في التشريعات المقارنة مثل سويسرا و فرنسا، إلا أن صياغتها من طرف المشرع المغربي جاءت معيبة باقتصارها على جعل مخالفة عدم احترام الأسبقية فقط لسيارات الدرك و الشرطة و الوقاية المدنية و الإسعاف، دون ذكر مصالح الجمارك التي تنشط في إطار تعقبها و مطاردتها لكافة أنواع التهريب في المسالك و الطرقات بالمنطقة البرية لدائرة نفوذها و التي يفترض أن تشكل جزءا لا يتجزأ من الشبكة الطرقية للمملكة

و هذا الأمر لاشك يخلق تضاربا بين التشريعين الطرقي و الجمركي، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة 41 من مدونة الجمارك و الضرائب غير المباشرة في إطار القسم الثاني المخصص لتفتيش و معاينة المساكن و المحلات المعدة للاستعمال المهني على ما يلي:

"عندما تظهر دلائل جدية ارتكاب غش، أمكن لأعوان الإدارة المؤهلين لتحرير المحاضر، بعد إذن من مدير الإدارة أو ممثله، القيام بتفتيش ومعاينة المساكن والمحلات المعدة للاستعمال المهني:

أ) للبحث بجميع أماكن التراب الجمركي عن البضائع الخاضعة لمقتضيات الفصل 181 من هذه المدونة.

ب) للبحث عن البضائع الخاضعة لأنظمة الدائرة في مجموع المنطقة البرية لدائرة الجمارك.

غير أن الإذن المذكور أعلاه، لا يعتبر مطلوبا في حالة المطاردة عن كثب."

و المقصود بالبضائع المشار إليها ضمن المادة 181 من مدونة الجمارك، هو كل حيازة قانونية للبضائع التي تم إدخالها بصفة قانونية إلى التراب الخاضع وتبرير تلك الحيازة بما يفيد مشروعية تملكها من قبيل إيصالات و فواتير الشراء أو أوراق الصنع و كل الإثباتات الأخرى التي قد تثبت هذه الحيازة القانونية.

كما أن المقصود بالتراب الجمركي بحسب المادة الأولى من مدونة الجمارك هو مجموع التراب الوطني بما فيه المياه الإقليمية التي جرى تحديدها باتفاق الدول في اثنا عشر ميل بحري على الأقل، إضافة إلى المنطقة المتاخمة التي تمتد لأربعة وعشرين ميلا بحريا بعد المياه الإقليمية، تشرف عليها المملكة قصد اتقاء مخالفة القوانين المتعلقة بالشرطة الجمركية و شؤون الهجرة و ما إلى ذلك(2)   

و بالرجوع إلى مقتضيات المادة 41 أعلاه من مدونة الجمارك، فإن المطاردة عن كثب لا يمكن تصورها إلا في مواجهة محترفي التهريب الذين يقدمون على ارتكاب الجرائم الجمركية بعزم و إصرار دون الامتثال لأوامر أعوان الجمارك عند نقط التفتيش، الشيء الذي قد ينقلب معه الأمر إلى مطاردة عبر الطريق، مما ينبغي إفساح و إخلاء الطريق لمركبات الجمارك من سيارات و دراجات نارية معدة للمطاردة المحتملة.

وبالتالي فإن القراءة الحالية للمادة 185 من مدونة السير كما جاءت، تجعل مستعملي الطريق غير ملزمين بالغرامة المذكورة أو بإخلاء الطريق مادام الأمر يتعلق بمركبات تابعة للمصالح الجمركية.

·         نظير المادة 185 من مدونة السير في بعض التشريعات المقارنة

تشير مقتضيات الفصل 415-12 من مدونة السير الفرنسية على أنه: " في كل الأحوال، يتعين على كل سائق أن يسمح لسيارات النفع العام ذات الأولوية بالمرور أثناء تدخلاتها. مجرد إلقاء نظرة تكفي للتعرف على هذه السيارات من خلال وميض أضوائها عند استخدامها كما هو الشأن بالنسبة لصفارة إنذارها.نجد في هذا الصنف:

-         مصالح الشرطة

-         الدرك

-         الجمارك

-         الإطفاء

-         سيارات الإسعاف الخاصة بطلب من مصلحة المساعدة الطبية المستعجلة

-         سيارات تدخل الوحدات المتنقلة الاستشفائية

-         السيارات المخصصة لنقل المعتقلين

-         السيارات التي ترافقها الشرطة أو الدرك

فقط هذه الأصناف من السيارات لها حق خرق مدونة السير عندما يبرر ذلك الطابع الاستعجالي لمهامها شريطة عدم تعريض سلامة السائقين الآخرين للخطر. يبقى أيضا مهما توضيح أن السيارات الوزارية، أو الدبلوماسية أو الرئاسية ليست أبدا ذات أولية ماعدا في حالة مرافقتها من الشرطة أو الدرك".

ونصت الفقرة الثانية من المادة 27 من القانون الفيدرالي السويسري حول حركة المرور على الطرق المؤرخ في 19 دجنبر 1958 –نسخة فاتح يوليوز 2013- على أنه : "بمجرد استخدام المنبهات الخاصة لسيارات المصلحة المتعلقة بمصالح الإسعاف، الشرطة، أو الجمارك ، يتعين عل الفور إخلاء الممرات، و إذا لزم الأمر يقوم السائقون بإيقاف سياراتهم"

أما المرسوم الملكي البلجيكي لفاتح دجنبر 1975 بمثابة النظام العام لشرطة المرور على الطرق و استخدام الطرق العمومية "أنظمة المرور" المؤرخ في 9 دجنبر 1975 المحين في فاتح فبراير 2017 فقد نص في الفقرة 12 من المادة 59 على أن "أحكام الفقرة الأولى من المادة 7 ، لا تسري على أعوان الدرك و الشرطة و الجمارك عندما تبرر مهامهم ذلك" و تتعلق هذه الأحكام بضرورة احترام كل مستعملي الطريق للضوابط المقررة بهذا التشريع .

وكنتيجة لما سبق، فإن معظم التشريعات قد ألزمت مستعملي الطريق العمومية بإفساح المجال لمرور عربات المصالح الجمركية قصد القيام بمهامها على الوجه المتطلب قانونا باستثناء مدونة السير المغربية التي لم تعر اهتماما للمقتضيات الواردة ضمن مدونة الجمارك على النحو الذي سبق توضيحه (3)، وبالتالي حق على أصحاب القرار بالإدارة الجمركية العمل على سد هذه الثغرة باقتراح تعديل يزيل النقص الذي جاء في المادة 185 من مدونة السير المذكورة ويجعله موافقا للمدونة الجمركية.

 

خالد  شهيم   إطار باحث

                                                                                                                                   

……………………………………………

 

 (1) مدونة السير على الطرق (ظهير شريف رقم 01.10.07 صادر في 26 من صفر 1431 -11 فبراير 2010- بتنفيذ القانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير على الطرق.)

(2) ظهير شريف رقم 1.81.179  بتاريخ 3 جمادى الآخرة 1401 ( 8 أبريل 1981) يتضمن الأمر بتنفيذ القانون رقم 1.81 المنشأة بموجبه منطقة اقتصادية خالصة على مسافة 200 ميل بحري عرض الشواطئ المغربية.

(3) أتت مدونة السير على ذكر إدارة الجمارك في موضعين يتعلق كلاهما بتحصيل الغرامات الناتجة عن مخالفة قوانين السير، لا بصفتها كضابطة قضائية و إنما بصفتها كمقر للأداء بالفصلين 205 و 238. وحتى بهذه الصفة التي وردت في المادة 205 من مدونة السير لم تسلم من خطأ العبارة عندما جعلت الاستخلاص موكول بالإضافة إلى كتاب الضبط لدى المحاكم ومحصلي الخزينة العامة للمملكة إلى الآمرين بالصرف بإدارة الجمارك، والصواب أن نقول الآمرين بالمداخيل بإدارة الجمارك، لأن المقام هنا مقام مداخيل وليس مقام نفقات.

بقلم ذ خالد شهيم
إطار باحث
 


أعلى الصفحة