القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ حمزة بنفضول
موظف بالمحكمة الابتدائية بالحسيمة
تحت عدد: 451
قد تتشابه مقدمات الحديث عن جهاز الإدارة القضائية

 (كتابة الضبط)، حيث أن الكل يراها ذلك الجهاز المحرك للجهاز القضائي وصلة الوصل بين المتقاضي والقاضي والمنظم لعملية الاشتغال برمتها من يوم وضع صحيفة الدعوى إلى حين حصول المتقاضي فيه على نسخة حكمه... إذن لا خلاف إذا اعتبرناها أنها روح العمل القضائي والضامن لاستمرارية مرفق المحكمة.

إن التاريخ النضالي لجهاز الإدارة القضائية و ما حققته من مكاسب على صعيد تحسين الأجور وصدور القانون الأساسي لكتابة الضبط سنة 2011 وذلك بتدبير نضالي قادته النقابة الديمقراطية للعدل آنذاك أكد أن مستويات الفكر النضالي قد تتحسن وتصل إلى مرحلة التفكير في وضع مشروع لقانون التنظيم القضائي يؤكد الفكر القانوني المتقدم لأطر الجهاز ويهدف إلى وضع الصورة الشاملة والشرعية لجهاز الإدارة القضائية تدبيرا وتنظيما ووصفا للمهام...غير أن مشروع التنظيم القضائي رقم 38.15 المتمم والمغير لقانون التنظيم القضائي الحالي هو لا يشكل إلا انتكاسة أخرى في حق الإدارة القضائية في صمت غير مفهوم للنقابة الديمقراطية للعدل باعتبارها  النقابة الأكثر تمثيلية في الوقت الذي تطالب النقابة الوطنية  للعدل بتعديل وتفعيل النظام الأساسي. بالاطلاع على مشروع التنظيم القضائي نقف على انتكاسة جهاز الإدارة القضائية في تضارب صارخ مع المحور الخامس من ميثاق إصلاح منظومة العدالة الذي يسعى إلى تحديث وتطوير الإدارة القضائية، وتتجلى أوجه الفشل في تدبير جهاز الإدارة القضائية عبر النقط التالية:

أولا: على مستوى تسمية الجهاز

لازال مشروع التنظيم القضائي وفيا للتسمية الفاشلة لجهاز الإدارة القضائية بجهاز كتابة الضبط وقد ظهر جليا تشبت المشرع بهذه التسمية رغم عدم صحتها القانونية ولا حتى المنطقية ، بالرجوع إلى النظام الأساسي لكتابة الضبط تجد أن موظفي هذا الجهاز هم مقسمون إلى ثلاث أطر أدناها كاتب الضبط وأعلاها المنتدب القضائي، إذا بحثنا عن مصدر تسمية الجهاز بكتابة الضبط تجدها تعني ذلك الاطار الأدنى درجة في الجهاز ككل بمعنى أننا نأسر تسمية الجهاز في قسم وظيفي لا يعد الوحيد بل يوجد إلى جانبه المنتدبون القضائيون والمحررون القضائيون بمعنى أن المشرع لازال- إما سهوا أو عنوة-  يعتبر أن موظفو الإدارة القضائية لا يخضعون إلا لسلم إداري واحد هو كاتب الضبط ... أليست هذه نكسة؟

ثانيا: على مستوى دور الكاتب العام في المحكمة

في إطار المادة 19 من مشروع القانون ثم توحيد الجهاز القضائي عبر إحداث منصب الكاتب العام بالمحاكم عوض وجود رئيس مصلحة كتابة الضبط ورئيس كتابة النيابة العامة، إن الذي ينظر إلى هذا المستجد يعتقد أنه مكسب حقيقي لجهاز الإدارة القضائية عبر وحدة الاشتغال ووحدة الجهاز الإداري. غير أنه سرعان ما يتلاشى هذا الاعتقاد وذلك بالنظر إلى المادة 24 من المشروع الذي أتى بمستجد آخر هو مكتب المحكمة، الذي يتولى تحديد برنامج تنظيم عمل المحكمة وساعات انعقاد الجلسات وتحديد الأقسام ...هذا المكتب اعتبر أن الكاتب العام هو منصب استشاري فقط في إغفال صارخ للمادة 21 من ذات المشروع التي تقول – بالحرف – "يتولى الكاتب العام للمحكمة مهام التسيير والتدبير الإداري بالمحكمة، وضبط عمل مختلف مصالح كتابة الضبط والمصالح المحاسبية بها، والإشراف على موظفي هيئة كتابة الضبط."

السؤال الذي يتبادر لذوي الالباب وأصحاب العقول النيرة هو ما الفرق بين الدور المنوط بالكاتب العام حسب المادة 21 من المشروع والمادة 24 من ذات المشروع وهي تتحدث عن دور مكتب المحكمة... الاجابة واضحة هو أن تنظيم برنامج عمل المحكمة يحتاج إلى وضع إحصاء بالموظفين والشعب التي يمارسون مهامهم بها والمصالح المتواجدة بالمحكمة باعتباره حسب نص المادة 21 أنه يتولى ضبط عمل مختلف مصالح كتابة الضبط. رغم هذا التوافق التام بين المادتين وجدنا الفقرة الثالثة من المادة 24 تعتبر أن الكاتب العام له دور استشاري فقط أليست هذه نكسة؟

تقول المادة 28 من المشروع وهي تتحدث عن الجمعية العامة أن* الكاتب العام للمحكمة يحضر أشغال الجمعية العامة بصفة استشارية*. إن  المُعتقد لسهو المشرع فيما تقدم لنا بيانه تنفيه المادة 28 وتأكد أن النية مبيته في رَكن هذا الجهاز إلا جانب قصي لا ينظر إليه إلا باعتباره جهازا استشاريا فقط. حتى ناكد ضعف المشرع في معرفة حتى قيمة الجهاز نسوق المادة 31 من المشروع التي تتحدث عن دور الجمعية العامة داخل المحاكم:

*يتضمن جدول أعمال الجمعية العامة للمحكمة عدة مواضيع ولاسيما:

- عرض النشاط القضائي للمحكمة خلال السنة القضائية المنصرمة من قبل رئيس

المحكمة ووكيل الملك أو الرئيس الأول والوكيل العام للملك حسب الحالة، كل

فيما يخصه؛

- عرض رئيس المحكمة أو الرئيس الأول، حسب الحالة، لمشروع برنامج تنظيم

العمل بالمحكمة، المعد من قبل مكتب المحكمة على المصادقة؛

- دراسة الطرق الكفيلة بالرفع من النجاعة القضائية بالمحكمة وتحديث أساليب

العمل بها؛

- دراسة البرنامج الثقافي والتواصلي للمحكمة، وحصر مواضيع التكوين المستمر؛

- تحديد حاجيات المحكمة من الموارد البشرية والمادية*

في ظل اعتبار الكاتب العام جهازا استشاريا فقط ، كيف يمكن للمسؤول القضائي أن يحدد حاجيات المحكمة من الموارد البشرية وكيف يستطيع الرفع من النجاعة القضائية دون وضع تصور شامل وفعال يعده الكاتب العام باعتباره المشرف على عمل الموظفين والمدرك لفعالية موظفيه... أليست هذه انتكاسة؟

ثالثا: على مستوى ازدواجية السلط

تنص المادة 21 من مشروع قانون التنظيم القضائي في الفقرة الثالثةّ " يخضع الكاتب العام للمحكمة إداريا لسلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل، ويمارس مهامه تحت السلطة المباشرة للمسؤولين القضائيين بالمحكمة".

بناءا على المادة أعلاه يبدو أن المشرع قد أسس لمفهوم سلطوي جديد لا نجده حتى في الأنظمة العسكرية حيث يخضع الجندي لرئيس مباشر واحد غير أن جهاز الإدارة القضائية يخضع لمسؤولين مباشرين لا ينتميان لنفس الإدارة المشغلة ولا حتى السلطة ذاتها فالكاتب العام الذي يعتبر هو المشرف على الموظفين والمكلف بتقييم عملهم والذي على أساسه ينقط هو ينتمي لوزارة العدل باعتبارها الإدارة المشغلة له ،كذلك الموظف بمعنى إلى حدود اللحظة القانون والعقل يتفق مع مضمون الكلام غير أن الغريب هو أن المادة 21 من المشروع قالت ويمارس الكاتب العام مهامه تحت السلطة المباشرة للمسؤولين القضائيين بمعنى آخر أن  المسؤول القضائي هو الذي يتولى التنقيط للكاتب العام ومعه ضمنيا يلزم على الموظف أن يخضع لأوامر الكاتب العام باعتباره المشرف والمنقِط ويخضع لأوامر المسؤول القضائي باعتباره هو المشرف على الكاتب العام ... إذن  فالعبثية القانونية أن ندخل في جدال عقيم يوصلنا في الأخير لأن نقول أن المسؤول القضائي هو خاضع للمجلس الأعلى للسلطة القضائية و الكاتب العام هو ينتمي لوزارة العدل، والضحية من كل هذا الشد والجدب هو الموظف وجهاز الإدارة القضائية عموما... أليست هذه انتكاسة؟

رابعا: على مستوى تقدير الكفاءة

قد تكون هذه النقطة هي الحل لكل تلك الخروقات و "السكيزوفرينيا" القانونية التي تحيط بمشروع التنظيم القضائي على مستوى تدبير جهاز الإدارة القضائية. إن الثقة في موظفي الإدارة القضائية والتي يوجد بين ظهرانيها أطر قوية فعالة وحاصلة على شواهد عليا سواء في العلوم القانونية أو العلوم الدقيقة يؤكد علو كعب هذا الجهاز وقدرته في أن يساهم ويحقق العدالة جنبا إلى جنب مع السلطة القضائية ولم يكن تأسيس التنسيقية الوطنية لإدماج حاملي الشواهد العليا لموظفي وزارة العدل إلا تأكيد على وصول جيل جديد من الأطر المؤمنة بذواتها وقدرتها على تحقيق النجاعة القضائية المطلوبة.

إن وحدة الإدارة القضائية وتوافقها حول ضرورة البحث عن وعاء قانوني يحمي الموظف ويصون كرامته ويقدر قيمة شواهده العلمية لن يتأتى إلا بوجود درع نقابي ينفض عنه ثياب الفخر التاريخي ويعيد ترتيب أوراقه ويحلل النصوص القانونية قبل أن يطاله الغبن التشريعي.

بقلم ذ حمزة بنفضول
موظف بالمحكمة الابتدائية بالحسيمة
 


أعلى الصفحة