القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ حميد اسحاب
باحث بصف الدكتوراه في القانون الخاص بكلية الحقوق بفاس
تحت عدد: 291
مدخل عام: يتميز الوعاء العقاري المغربي بطابع تاريخي خاص، يضفي عليه ميزة التعدد في

الأنظمة العقارية، فنجد منها ما هو خاضع للشريعة الإسلامية ومنها ما هو خاضع للقوانين الوضعية، ومنها ما خاضع لبعض الأعراف المحلية، ويرجع ذلك بالأساس إلى ما عرفته البنيات العقارية المغربية من تحولات عبر مرور الزمن بفعل عوامل عدة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، الأمر الذي أوجد مؤسسات قانونية متباينة بين الديني والعرفي(أحباس، أراضي الجموع).

يشكل هذا النوع الأخير من الوعاء العقاري المغربي المتمثل في أراضي الجموع[1] أو الأراضي السلالية أهمية بالغة وذلك من حيث المساحة التي يمثلها وعدد الأفراد الذين يعيشون به، فهذه الأراضي تضم حوالي15 مليون هكتار تتوزع على أكثر من 55عمالة وإقليم، كما تضم أكثر  من 9ملايين نسمة منضوين ضمن 4563جماعة سلالية يمثلهم أكثر من 8500نائب[2]. وهي خاضعة في معضمها للأعراف المحلية لكل جماعة سلالية بالإضافة للظهائر الملكية التي تعود في مجملها للحقبة الاستعمارية(ظ27أبريل1919،ظ18 فبراير1924، ظ25يوليوز1969) هطا بالإضافة إلى العديد من الدوريات والمناشير الصادرة عن الوزارة الوصية(وزارة الداخلية).

ونظرا للأهمية التي أصبحت تتمتع بها هذه الأراضي، حيث تعد ركيزة أساسية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلد، أصبحت محط اهتمام من لدن الباحثين والسلطات الإدارية ذات الارتباط بها.

وقد طفحت على السطح في الآونة الأخيرة عدة إشكاليات ونزاعات أثرت وتؤثر حتما على تقدم ومساهمة هذه الأراضي في التنمية البشرية المستدامة بكل جوانبها، بل زاد من ذلك حدة وجود أعراف محلية تضرب العديد من المبادئ الكونية لحقوق الإنسان عامة وحقوق المرأة خاصة في العمق، وهو ما يستوجب بذل الكثير من الجهد وإسالة الكير من المداد في سبيل تجاوز هذه الأزمات والنزاعات التي تخل بأدوار هذه الأراضي في التنمية واستمرار المعاملات بها.

ونحن في هذا المقام سنحاول تسليط الضوء على إشكالية حقوق المرأة السلالية في الاستفادة من كافة الحقوق والعائدات المادية والعينية التي تدرها هذه الأراضي. ولعل الإشكال الأساسي هنا يتمحور حول مدى إقرار  حقوق المرأة السلالية في أملاك الجماعات السلالية كاملة، دون أي نقصان أو تقصير، انطلاقا من نضالاتها ومطالباتها المستمرة.

المحور الأول: نضال المرأة السلالية سبيل لإقرار حقوقها:

إن طريق الاحتجاج هو السبيل الأنجح الذي توصلت إليه مجموعات من النساء من عدة جماعات بمختلف جهات المغرب وذلك لتحسيس المسؤوليين والرأي العام والتأكيد على أنهن صاحبات حق ولا يمكن إقصاؤهن من الاستفادة من عائدات أراضي الجموع أو من المشاركة في تدبيرها باسم عرف ظالم يناقض كل النصوص والمبادئ سواء المكرسة بنصوص الشريعة الإسلامية أو المنبثقة من المرجعية الكونية لحقوق الإنسان.

وفي هذا الصدد تقدمت نساء من جماعة الحدادة بإقليم القنيطرة في أبريل2007 بشكاية للجمعية الديمقراطية لنساء المغرب ملتمسات لكسب تأييد ودعم الجمعية، وهي الخطوة التي جعلت هذه الجمعية تفتح نقاش واسع ومستفيض حول وضعية النساء السلاليات توج بالإقدام على العديد من الخطوات والإجراءات الفعالة للوقوف بجانب النساء السلاليات المظلومات والمقصيات من الاستفادة من حقهن في هذه الأراضي.

إن هذه الخطوة الفعالة أعطت هذه النساء دفعة وحماس قوي للمزيد من الضغط خلال سنوات 2007و2008و2009[3]، وهو الأمر الذي جعل من القضية تتجاوز الحدود الوطنية لتأخذ بعدا دوليا[4] زكاه اهتمام الهيآة والمنابر الدولية والمنظمات الحقوقية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة باعتبارها مسألة تمس في جوهرها مبدأ المساواة بين الجنسين في الحصول على الحقوق الخاصة بهم في الإرث والملكية والاستفادة منها.

 شكلت هذه التحركات منشطا حيويا للجهات الوصية على الوعاء العقاري السلالي، حيث أنه وبعدما كانت الوضعية السابقةتكرس إقصاء المرأة السلالية من الاستفادة من الأراضي الجماعية ومن عائداتها، فقد عمدت وزارة الداخلية إلى إعمال مقاربة تدريجية وتشاورية مع جميع الفاعلين المعنيين(السلطات المحلية والإقليمية، نواب الجماعات السلالية، الهيآة الحكومية والمنتخبة، المجلس العلمي الأعلى، وجمعيات المجتمع المدني)وذلك بهدف البحث عن السبل الكفيلة بتجاوز هذه الوضعية الغير مستقيمة[5] التي تناقض القواعد الدستورية[6] والمبادئ المبادئ الكونية لحقوق الإنسان ومناهضة العنف والتمييز ضد المرأة.

المحور الثاني: استجابة الجهات الوصية لمطالب النساء السلاليات:

بعد كل التحركات التي أقدمت عليها مجموعات النساء السلاليات على المستوى الوطني وبدعم من منظمات المجتمع المدني سواء الوطنية منها والدولية استأثرت قضيتهم بالمشهد الحقوقي الوطني، وقد اعترفت سلطات الوصاية على الأراضي السلالية بهذه التحركات والمطالبات القوية للنساء السلاليات بحقهن في أراضي الجموع، وذلك بعد إقصائهن لمدة طويلة من طرف نواب الجماعات على أساس قرارات تعسفية مبنية على أعراف وتقاليد متجاوزة ويطغى عليها الطابع الذكوري، بالإضافة إلى سكوت الجهات الوصية على هذا الوضع لزمن طويل.

هذه الوضعية جعلت من وزير الداخلية باعتباره وصيا على الجماعات السلالية يتدخل في إطار اختصاصاته لمحاولة إنصاف المرأة السلالية، وذلك من خلال تأكيده على ضرورة تنظيم حملة تحسيسية  لدى نواب الجماعات السلالية لإدراج العنصر النسوي في لوائح ذوي الحقوق للاستفاذة من التعويضات المتأتية عن العمليات العقارية بالأراضي السلالية(التفويت والكراء) وذلك بتنسيق مع السلطات الإقليمية والمحلية[7] .

أفضت هذه المجهودات إلى إصدار  عدة دوريات لعل أهمها الدورية رقم51 بتاريخ14 ماي2007 المتعلقة بمسطرة وضع لوائح ذوي الحقوق التابعين للجماعات السلالية والتي اعترفت للمرأة بصفة ذي حق يجب إدراجها إلى جانب الرجل في لوائح ذوي الحقوق التي يعمل نواب الجماعة بتنسيق مع مجلس الوصاية على إعدادها. هذا بالإضافة إلى إصدار الدورية الوزارية رقم 60 بتاريخ25 أكتوبر 2010 بخصوص استفادة النساء السلاليات من التعويضات المادية والعينية التي تحصل عليها الجماعات السلالية، ثم بعد ذلك الدورية رقم17 بتاريخ 30مارس 2012 بشأن تمتيع العنصر النسوي من حقوق الانتفاع العائدة لأفراد الجماعات السلالية.

هذه الخطوات[8] جاءت لتؤكد على مواكبة الجهات الوصية احترامها لبنود الوثيقة الدستورية الحديثة خصوصا الفصل 19منه، ثم المادة الثانية من الاتفاقية الأممية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي صادق عليها المغرب.

وقد مكن تطبيق مقتضيات الدوريتين رقم60 ورقم17 من تسجيل نتائج إيجابية كما تدل على ذلك حصيلة النتائج المسجلة من سنة2011 إلى حدود نهاية شهر فبراير2013، حيث بلغ عدد النساء السلاليات المستفيدات ما يتجاوز 80 ألف امرأة سلالية وزعت عليهن ما يناهز 350مليون درهم، وهو ما يمثل نسبة 30% بالمائة من المبالغ المالية الموزعة على مجموع ذوي الحقوق أفراد الجماعات السلالية[9].

إضافة إلى ذلك عملت سلطات الوصاية على توزيع حوالي 860 بقعة أرضية على النساء السلاليات ذوات الحقوق من الجماعة السلالية لمهدية بإقليم القنيطرة، وذلك كأول سابقة لتوزيع البقع الأرضية يشمل النساء، هذا بالإضافة إلى أن كل قرارات مجلس، باعتباره هيئة تحكيمية خاصة بالأراضي السلالية، بخصوص القضايا المتعلقة بالإرث المتخلف عن أحد ذوي الحقوق، تكرس استفادة النساء السلاليات من حصتهن في الأراضي المستغلة من الهالك قيد حياته.

بالإضافة إلى ذلك ومن أجل تشجيع المرأة السلالية لولوج سوق الشغل وإنجاز مشاريع تنموية تم التوقيع مع وزارة الفلاحة على اتفاقية من أجل دعم بنات وأبناء ذوي الحقوق قصد استغلال عقاراتهم في إطار الفلاحة التضامنية والاستفادة من المساعدات والدعم المقدم في إطار مخطط المغرب الأخضر.

رغم كل هذه المجهودات المبذولة في سبيل إنصاف المرأة السلالية، إلا أن استفادتها من خيرات أرضها لازالت محدودة نظرا لما كرسته القوانين والأعراف الموروثة الجامدة، فالنساء السلاليات مازلن يتعرضن للإقصاء بل وللضرب والتعنيف أحيانا عن مطالبتهن بالحصول على حقوقهن في الانتفاع من عائدات أراضي الجموع التي خضعت خلال السنوات الأخيرة للبيع والاستنزاف من طرف الدولة لإقامة مشاريع سكنية أو صناعية[10]

خاتمة

إن ما يمكن التأكيد عليه ختاما ضمن هذه المساهمة البسيطة هو ضرورة العمل بجد من أجل إيجاد صيغة قانونية قوية تتجاوز الثغرات والهفوات التي يعاني منها على الخصوص ظ1919، وذلك بما يضمن مبدأ المناصفة وعدم التمييز على أساس الجنس الذي تعاني منه المرأة السلالية، وذلك بتثبيت مقتضيات تلزم وجود النساء إلى جانب الرجال ضمن لوائح ذوي الحقوق وذلك تحت عدم قبول أي لائحة يتم فيها إقصاء عنصر المرأة.

بالإضافة إلى إيجاد مقتضيات بارزة بشكل واضح ودون أي غموض تلزم نواب الجماعة بإدخال المرأة في الاستفادة من عائدات هذه الأراضي سواء كانت مادية أو عينية ناتجة عن الاستثمار والاستغلال، إلى جانب الاستفادة من جميع المبادرات المستقبلية لا سيما تمليك الأراضي السلالية لفائدة أفراد الجماعة، وذلك تحت بطلان تصرفات النواب، أو الأكثر من ذلك التعرض لعقوبات زجرية لكل مخالف.  

الهوامش:

[1] - تعرف أراضي الجموع من قبل بعض الباحثين على أنها أراضي ترجع ملكيتها إلى جماعات سلالية في شكل قبائل أو دواوير أو عشائر قد تربط بينهم روابط عائلية أو روابط عرقية واجتماعية ودينية، وحقوق الأفراد فيها غير متميزة عن حقوق الجماعة، بحيث أن استغلالها يتم مبدئيا بكيفية جماعية كما يمكن لأفراد القبلية أن يتفقوا فيما بينهم على إجراء قسمة استغلالية أي الانتفاع(محمد خيري"أراضي الجموع بين البقاء والزوال" مقال منشور بمجلة الحقوق،سلسلة الأنظمة والمنازعات العقارية، الإصدار الأول، يناير2010ص63).  

2ـ معطيات منشورة على الموقع الإلكتروني الذي أعدته وزارة الداخلية www.terrescollectives.ma   .

3ـ أنظر"النساء المغربيات وأراضي الجموع"بيان صادر عن الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب ومنتدى بدائل المغرب، منشور على الموقع الالكتروني www.ejoussour.net  تاريخ زيارة الموقع 21.12.2014.

4-visite the web site of  the(CEDAW) :http//www.un.org/womenwath/daw/cedaw.

5 ـ أنظر"وضعية المرأة السلالية" منشور على الموقع الإلكتروني لأراضي الجموع www.terrescollectives.ma .

6ـ على الخصوص المبادئ الواردة في تصدير الدستورـ خصوصا الفقرة الأولى التي تؤكد على الكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص...ـ الذي يعد جزءا لا يتجزأ منه ، ثم ما تضمنه الفصل 19 منه الذي يؤسس لتمتع المرأة والرجل على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية....ثم أكد على مبدأ المناصفة بين الرجل والمرأة وختم بضرورة إيجاد هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.

7ـ أنظر"المرأة السلالية"منشور على الموقع الالكتروني لأراضي الجموعwww.terrescollectives.ma  .

8 ـ قامت وزارة الداخلية، باعتبارها الجهة الوصية على الأرضي السلالية، باستصدار نص فتوى عن المجلس العلمي الأعلى وذلك في مدى أحقية المرأة السلالية في الاستفادة من عائدات أراضي الجموع.

9ـ إحصائيات منشورة بموقع الأراضي السلالية www.terrescollectives.ma .

10ـ يوسف القسطاسي"المشكل القانوني لأراضي الجموع وأثره على البنية الاجتماعية في المغرب" مداخلة ضمن الندوة العلمية التي نظمتها مجلة المنبر القانوني بشراكة مع الفضاء المدني يوم20 أبريل 2013 بتزنيت بعنوان(العدالة العقارية والأمن العقاري على المغرب)، منشور بمجلة المنبر القانوني ع2 سلسلة ندوات وأبحاث، مطبعة المعارف الجديدة الرباط 2014، ص156.

 



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم ذ حميد اسحاب
باحث بصف الدكتوراه في القانون الخاص بكلية الحقوق بفاس
 


أعلى الصفحة