قانون الأسرة

بقلم ذ يونس الحكيم
باحث بسلك الدكتوراه، وحدة قانون الأسرة المغربي والمقارن بكلية الحقوق بطنجة
تحت عدد: 231
يعتبر حق النسب من أهم حقوق الطفل، حيث يعد مقدمة لتمتعه بباقي الحقوق الأخرى

كحق النفقة والحضانة... لهذا أولاه المشرع الأسري المغربي عناية خاصة طيلة مواد مدونة الأسرة، وذلك بهدف الحفاظ على نسبه الشرعي.

      علما أن حق النسب يعد من الحقوق التي يظهر فيها التباين بشكل جلي، بين كل من الاتفاقيات الدولية وخاصة المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حقوق الطفل المؤرخة في 20 نونبر 1989، التي تفرض مبدأ عدم التمييز بين الأطفال بسبب ولادتهم أو بسبب الوضعية القانونية لآبائهم وبين مدونة الأسرة المتمسكة بمفهوم النسب الشرعي القائم على عقد الزواج الصحيح.

       وإن كان  النسب يشكل الآصرة التي تربط الشخص بوالديه وتنتج عدة  آثار بالنسبة لكليهما، حيث عمل المشرع المغربي على توسيع وسائل إثبات النسب ونفيه وعدم اقتصارها على وسائل الإثبات التقليدية كالفراش والإقرار والبينة  أو النفي كاللعان، بل خول إمكانية الانفتاح على الوسائل الحديثة لإثبات ونفي النسب ومنها الخبرة الطبية .

هذه الأخيرة التي تحيلنا، للحديث عن نسب الطفل الناشئ عن الاستنساخ البشري (I) ثم عن نسب الطفل الناتج عن الإخصاب الاصطناعي II))




I - نسب الطفل الناشئ عن الاستنساخ البشري

          المقصود بالاستنساخ من الناحية العلمية، عملية الحصول على نسخ طبق الأصل في النبات أو الحيوان أو الإنسان، بدون الحاجة إلى تلاقح خلايا جنسية ذكرية أو أنثوية، وقد عرفه القرار رقم 110/3/د .10 الصادر عن مجمع الفقه الإسلامي المنعقد بجدة في 28/6 0/ 97 إلى 3 0/ 7 0/97 بأنه " توليد كائن حي أو أكثر، بنقل النواة من خلية جسدية إلى بيضة منزوعة النواة، وإما بتنشيط بيضة مخصبة في مرحلة تسبق تمايز الأنسجة والأعضاء "، ويعتبر ميلاد النعجة "دولي" في يوليوز 1996، أول خطوة علمية في مجال الاستنساخ الحيواني.

       ومن ايجابيات الاستنساخ مساهمته في التعرف على مجموعة من الهرمونات، وعمله على تحسين صحة بعض المرضى والوقاية من بعض الأمراض، لكن الجانب السلبي في هذه العملية هو أن استخدام الاستنساخ البشري عن طريق تقسيم بويضة المرأة في رحمها إلى عدة خلايا، تنتج كل واحد منها بويضة صالحة للإنجاب، مما قد يؤدي إلى استبعاد دور الحيوان المنوي للذكر البشري، وبالتالي إلى وجود بشر مستنسخ، سيشكل تهديد لدعائم الأسرة التي تعتبر الوحدة الأساسية للكيان الاجتماعي والاعتداء على التوازن الطبيعي بين الذكور والإناث وضياع الأنساب.

ويتم الاستنساخ بأحد الطريقتين :

  1- الاستنساخ الجيني أو العلاجي و يتم عن طريق استخلاص بويضات من المرأة، فتخصب البويضة الواحدة، بأكثر من حيوان منوي، فتحدث عملية الانقسام في خلية البويضة المخصبة ويتم فصل الخليتين وتعليق كل واحدة بغشاء صناعي يسمح للجنين بالنمو وتواصل البويضة انقساماتها لتنشأ عنها مجموعة من الأجنة المتطابقة في جيناتها الوراثية.

      ويفتح هذا النوع من الاستنساخ إمكانية إنتاج خلايا أساسية وهي تلك الخلايا التي بإمكانها التطور إلى أنواع مختلفة من الأنسجة والأعضاء والعضلات والأعصاب.

2- الاستنساخ الخلوي أو اللاجنسي، حيث تأخذ خلية من أي إنسان ويتم عزل نواة تلك الخلية الحاملة للصفات الوراثية وفق طرق معينة، وفي المقابل تسحب نواة خلية حية من بويضة سليمة، فيتم زرع نواة الخلية الوراثية للإنسان الأصلي في هذه الوضعية، فتتشكل بويضة جينية، تحمل كل الصفات الوراثية للإنسان الأصلي يتم زرعها في رحم أي امرأة، أي أن يولد المولود نتيجة مطابقة للفرد المانح وهي تقوم على استطراد أي دور للحيوانات المنوية وهي نفس الطريقة التي تم بها استنساخ النعجة دولي.

        و للاستنساخ نتائج كارثية على الأسرة، حيث يخلق أسرة غير عادية، لا تنبني على رابطة الزواج المقدس، وإنما على أساس عضوي، مخالفة لكل قواعد الطبيعة، وبالنظر لخطورة عملية الاستنتاج وما تؤدي إليه من نتائج خطيرة سواء في الوقت الحاضر أو في المستقبل، فإن المعارضين لهذه العلمية يعتبرونها زلة لا تغتفر، لأنها تدخل في باب الشرك بالله، باعتبارها محاولة للقيام بما يقوم به الخالق سبحانه لقوله تعالى" ولأمرنهم فليبتكن أذان الأنعام ،ولأمرنهم فليغيرن خلق الله " و وقوله تعالى " أفرايتم ما تمنون أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ".

        وتجنبا لهذه الأخطار التي تهدد الأسرة، عقدت منظمة المؤتمر الإسلامي عدة لقاءات بين العلماء الأطباء وفقهاء الدين من أجل مناقشة هذه المسألة، من خلال الندوة الفقهية الطبية التاسعة المنعقدة بالدار البيضاء في 14إلى17 يونيو 1997، حيث اعتمد القرار رقم 100-02 والمتمثل في " تحريم الاستنساخ البشري بالطريقتين المذكورتين أو بأي طريقة أخرى تؤدي إلى التكاثر، وبتحريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة الزوجية سواء كان رحما أو بويضة أو حيوان منوي أو خلية جسدية للاستنساخ".

     كما صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار بتاريخ 8 مارس 2005 جاء فيه     " دعوة الدول الأعضاء إلى حظر جميع أشكال استنساخ البشر بقدر ما تتنافى مع الكرامة البشرية وحماية الحياة الإنسانية ".

     وفي هذا الإطار يطرح تساؤل، على فرض أنه حدثت عملية الاستنساخ فلمن ينسب الطفل؟

        فإذا كان صاحب الخلية هو الزوج ووضعت الخلية في بويضة ورحم الزوجة، فقد اختلف الفقهاء في إثبات نسب الطفل المستنسخ، بين من يرى أن الخلية ملقحة بماء أب هذا الزوج، ومن ثم فلا ينسب للزوج، لأن الخلية ليست ملقحة بمائه.

      إلا أن أكثر الباحثين، ذهب إلى أن الطفل ينسب لأبيه صاحب الخلية، لأن الولد ما تولد من الشيء، وقد تولد الولد من الخلية والبويضة فهو ولد شرعي ينسب لأبيه صاحب الخلية وأمه صاحبة البويضة وهذا هو المرجح.

      وإذا كانت الخلية مأخوذة من امرأة ووضعت هذه الخلية في رحم امرأة أخرى، ففي هذه الصورة ينسب لأمه فقط، أما إذا كانت الخلية الجسدية من رجل غريب، فإن هذه الطريقة محرمة شرعا، وفي هذه الحالة ينسب الطفل لمن حملت به ووضعته كولد زنا.




II – نسب الطفل الناشئ عن الإخصاب الاصطناعي 

          يقصد بالإخصاب الاصطناعي، حصول الحمل بطريق غير الاتصال الجنسي المعروف أي العمليات التي قد تتم خارج الرحم أو ما يعرف بطفل الأنبوب أو الأم البديلة، وتتم عملية الإخصاب الاصطناعي، باستعمال أداة التلقيح الاصطناعي الطبي للسائل المنوي دون أن يكون هناك اتصال جنسي بين الذكر والأنثى، وذلك عن طريق تلقيح المرأة بواسطة السائل المنوي الذي يتم استخراجه بوسائل خاصة من الزوج، على أن تتم عملية الإخصاب خارج رحم الزوجة، كأن تكون هذه الأخيرة غير قادرة على الحمل، حيث يتم الاستعانة على الحمل بواسطة امرأة تحمل بدل الزوجة وتعرف بالأم البديلة.

ويتخذ الإخصاب أو التلقيح الاصطناعي أحد الطريقتين:

1- التلقيح أو التخصيب الاصطناعي داخل الرحم: وتتم هذه الطريقة بحقن الزوجة بمني زوجها في رحمها، لإتمام عملية التلقيح لحاجة المرأة إلى هذه العملية لأجل الحمل، وذلك في حالة ضعف الحيوان المنوي للزوج، وقد أجمع مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة على أن هذا الأسلوب جائز شرعا بين الزوجين، وبالتالي يكون نسب المولود  الناتج عن هذه الطريقة شرعي .

2-التلقيح أو الإخصاب الاصطناعي خارج الرحم: وهو الحالة التي يتم فيها التلقيح     بين الرجل وبويضة المرأة في وسط خارج الرحم، كأنبوب اختبار أو أي وعاء   مخبري، وبعد حدوث الانقسام المناسب الناتج عن اجتماع الحيوان المنوي بالبويضة، تعاد الكتلة إلى رحم الزوجة صاحبة البويضة، وتستعمل هذه الطريقــــة                                                                                                                                                         عادة إذا كان بالزوجة عقم يمنع وصول البويضة إلى رحمها، عندما تكون قناة فلوب لدى الزوجة غير صالحة لإتمام عملية التخصيب بطريقة طبيعية.

       والتلقيح الاصطناعي لم يكن معهودا في العصور السابقة، لكن تطلع الإنسان إلى الإنجاب وحبه في إبقاء اسمه بعد وفاته واستجابته لنداء غريزته، كل ذلك دفع العلماء والباحثين إلى البحث عن أية وسيلة ممكنة، لأن قضية التوالد والإنجاب من أكثر ما يشغل الفكر الإنساني.

       وبخصوص موقف فقهاء المسلمين من الإخصاب الاصطناعي فقد تبلور بشكل جلي في المؤتمرين اللذين انعقدا في الكويت سنتي 1983 و 1985 حول " الإنجاب في ضوء الإسلام " و " بداية الحياة الإنسانية ونهايتها في المفهوم الإسلامي".

     وإذا كان هناك شبه إجماع على شرعية النسب في التلقيح أو التخصيب الاصطناعي داخل الرحم، فإن هناك معارضين ومؤيدين لعملية الإخصاب خارج الرحم:

        فحسب الفئة الأولى من الفقهاء، انتقدت عملية الإخصاب خارج الرحم، لكون هذه الطريقة تحمل الكثير من المخاطر في الأنابيب والمختبرات وهو ما يقع في المحظور الشرعي وتختلط الأنساب.

       وإن كانت هذه الذرائع لا تقف عند الحاجة للإنجاب عند الزوجين، وهو ما يتوافق مع المقصود بالزواج في الإسلام، لهذا يرى أنصار الإخصاب الاصطناعي خارج الرحم أن هذه العملية من قبيل العلاج بشرط عدم اختلاط الأنساب وعدم اللجوء إليها إلا عند الضرورة القصوى.

       وفي هذا المقام قد يكون المبيض سليما والرحم غير قادر على حمل الجنين وترغب المرأة في الإنجاب، فكان البديل استبدال المرأة بأخرى لتحل محلها في الحمل، ثم تعيد الطفل إلى أمه الجينية، فما مصير نسب الطفل في هذه الحالة، حالة استئجار الرحم؟

        تعد هذه الطريقة محرمة في الإسلام، بإجماع الفقهاء، وذلك لوجود طرف ثالث خارجي وهو تلك السيدة صاحبة الرحم المستأجر، فمع قيام الزوجية، فإن تدخل طرف ثالث في الطريقة يحرمها، لهذا اعتبر البعض هذه العملية زنى من حيث المآل، لما فيه من التلاعب بالأنساب واختلاط الجينات وضياع القيم والأخلاق، فما ذنب هذا الطفل الذي ينسب إلى أمه فقط؟

       كما ينصب التحريم كذلك على استخدام البويضة الملقحة من سائل أخذ من زوج قبل وفاته، وتم زرعها بعد وفاته في رحم زوجته، لأن ثبوت النسب يتطلب شرطا أساسيا هو قيام الزوجية الصحيحة لحظة اتصال المني برحم المرأة .

      وعلى عكس المشرعين المغربي والمصري الذين سكتا عن مسألة الإخصاب الاصطناعي، فقد تصدى له المشرع الجزائري بموجب تعديل قانون الأسرة بالأمر 05/02 المؤرخ في 27 فبراير 2005 في المادة 45 مكرر وذلك في حالة تعذر إنجاب الأولاد بصورة طبيعية، بشرط أن يكون الزواج شرعيا و أن يكون التلقيح برضا الزوجين وأثناء حياتهما و أن يتم بمني الزوج وبويضة رحم الزوجة دون غيرها.



بقلم ذ يونس الحكيم
باحث بسلك الدكتوراه، وحدة قانون الأسرة المغربي والمقارن بكلية الحقوق بطنجة
 


أعلى الصفحة