القانون الدولي

بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير
تحت عدد: 721
خمس سنوات مضت على يوم سادس دجنبر الفين وتلاثة عشر , يوم تلقى فيه الناس خبر انتقال الزعيم الزنجي الافريقي ,نيلسون مانديلا لدار البقاء عن سن خمسة وتسعين سنة

مانديلا فتح اعينه على دنيا الناس اثر انتهاء الحرب العالمية الاولى ,بقريته كونو بجمهورية جنوب افريقيا ,وهي الدولة المهيمنة بجنوب افريقيا اقتصادا وسكانا ومساحة ,ومع مانديلا صخر افريقيا يمكن القول بانها مهيمنة ايضا في مجال النضال السياسي ,لان تلك النضالات نادت مبكرا بمطالب تحسين القدرة الشرائية ,وجعل الخدمة الامبريالية كشر لابد منه ذات سعر اعدل ,ان لم يكن ارخص
جنوب افريقيا من مستعمرات الكاب, التي استعمرها الانجليز وهولندا ,لذلك تمتاز بازدواجية عاصمتي الكاب وبريتوريا ,تنوع عرقي ولغوي ,فهناك الافريكان والانجليز والزولو والغوزا والسوتو الشمالية والجنوبية, والتسوانا والتسونجا والسوازي والفاندا والنديبيليه ,فالبلد هو اذن قوس قزح تعددية في كل شيئ ,لذلك تحولت مع مانديلا الى ما هي عليه افريقيا حاليا

جنوب افريقيا كغيرها من شعوب المعمور ,تواجهت سياسيا حزبيا وكفاحيا عسكريا مع الاجنبي المحتل ,واعلن حزب المؤتمر الافريقي لجنوب افريقيا بدوره حق مقاومة المحتل لغاية دحره عن بلده
على غرار ما راينا مع الزنجي الافرو امريكي لوثر كينغ الابن ,الذي حلم بمطلب الحرية الان, منكرا على اتباعه المطالبة بالسلطة السوداء ,بل يطالب بالعدالة للجميع ,والحقوق المدنية المتساوية للجميع, مع دحر سم العرقية للابد ,والنصرة للسلم الايجابي غير السلبي الذي لايخضع ولا يركع فيه احد لاحد
نيلسون مانديلا بدوره ولج المغرب الاقصى الحديث العهد بالاستقلال, في بداية ستينيات القرن الماضي ,وكتب عن ذلك وهو يقدم لكتاب مسار حياة للدكتور عبدالكريم الخطيب, ما يلي ***خشية ان ننسى الجذور الحقيقية لتحررنا ,اود دائما ان اتحدث عن الزعماء الذين دون مساندتهم ,لم يكن بامكاننا ان نخوض الكفاح المسلح ,هذا الكفاح الذي ساهم بشكل فعال في تحقيق حريتنا ,ان من بين هؤلاء الزعماء من رحل عنا امثال نكروما وعبدالناصر وهيلا سلاسي ,ومنهم من لايزال وقتئذ على الحياة واخص بالذكر جليوس نيريري وكينيث كوتندا ,والرجل الذي نتحدث عنه اليوم, هذا الرجل الذي مارس الكفاح المسلح في وطنه ضد الاستعما ر ,واصبح عضوا في حكومة بلاده بعد الاستقلال ,وتقلد منصب وزير الشؤون الافريقية ,وفي ابريل سنة الف وتسعمائة واثنين وستين زرته في بلده وقلت له ,اريد ان التقي بجلالة الملك ,فاجابني لماذا؟,فقلت له لقد انشئنا جيشا ونريد تدريبه ,كما نريد السلاح والاموال ,فاجابني بانه يفهم الظروف التي تمر بها بلادنا ,لانه هو نفسه مر من نفس المرحلة التي نحن بصدد خوض غمارها ,واضاف احضر جنودك الى دار السلام وسابعث بطائرة لتحضرهم الى بلادي ,وسنقوم بتدريبهم ,واستدرك اية اسلحة تريدون ؟واين ساسلمها لكم ؟اعطيته التفاصيل وقلت له اودعها في دار السلام ,فقال لي وكم نقودا تريد ؟فاجبته اريد خمسة الاف جنيه بريطاني وهو ما يعادل خمسة ملايين جنيه في وقتنا الحالي ,فقال لي ,ارجع الي غدا ,وفي الغد عدت على الساعة الثامنة صباحا وكان قد طلب مني الحضور على الساعة التاسعة صباحا ,قال لي ,هاهي ذي الخمسة الاف جنيه استرليني التي طلبت ,لااريد وصلا,اريدك ان تضع هذه النقود في بنكك بلندن ,ان هذا الرجل هو الدكتور عبدالكريم الخطيب من المملكة المغربية ,اننا مدينون لكل الزعماء الذين ذكرناهم ,وتشكراتنا الحارة لهذا المؤمن الشجاع الذي يعتبر من مهندسي كفاحنا المسلح**

الدكتور الخطيب بدوره ,حينما سئل عن الانجازات التي قام بها ابان استوزاره كوزير الشؤون الافريقية بالمغرب ,اجاب بما يلي ***في هذه الفترة ساعدت الحكومة المغربية جميع المنظمات التحررية في افريقيا ,واستمر المغرب في تقديم المساعدة للمنظمات التحررية بتكوين مراكز للتداريب والتسليح والمساعدة بالمال والمواد الغذائية الى ان تحررت المناطق ,وقد وافق جلالة الملك الحسن الثاني على مساعدة الزعيم مانديلا ,وهكذا التحق بجيش الحدود المغربية الجزائرية بالمغرب الشرقي وتلقي التداريب هناك ,الى ان رجع الى بلاده للنضال والمقاومة فسجن سبعا وعشرين سنة ,ولما زرته في سنة الف وتسعمائة وخمسة وتسعين ,ببريتوريا في ذكرى يوم الاحتفال بذكرى مرور سنة على تنصيبه رئيسا لجمهورية جنوب افريقيا ,صرح بمساعدة المغرب ,وكرم المغرب في شخصي اعظم تكريم**

ابن بطوطة وصف طول رحلته , بانه كان سجين غربة دامت سبعة وعشرين سنة ,والمفكر عبداللطيف اللعبيوصف تجربته في السجن بانها حفرة من حفر الحياة الكثيرة
نيلسون مانديلا ,سجين حفرة السجن لمدة سبعة وعشرين سنة ,وجبت الاشارة للدلالات والظروف ,اي التساؤل لماذا سجن مانديلا وفي اية ظروف ؟وتسائلنا سابقا عن امين بمصر,كما ان غرامشي خصص مذكرات سجين تخص حياته ,وستكون في وقت ما موضوع التفات للوقوف على غنى تلك التجربة
الظروف التي سجن فيها مانديلا يعرفها الجميع ,هي ظروف صراع الامبرياليات الروسية والامريكية والانجليزية خلال سنة الف وتسعمائة وسبعة وستين ,ففي هذه الفترة عرف الكل الظروف التي عاشها الجنرال دوغول ,الذي اتهم بمعادات السامية من خلال رفض تسليم اسلحة شركة داسو لاسرائيل رغم دفع الثمن ,معتبرين محاصرتها ثم لفائدة تسليح خصومها ,اي باختصار كانت هذه المرحلة اتسمت بازمة رفض الحاق بريطانيا بالسوق المشتركة للاوربيين الستة ,وتدمير ميناء ايلات في عملية عسكرية مصرية نوعية , حكى تفاصيل فيلم الضفاديع البشرية وهزيمة جيش عبدالناصر امام غولدامائير, والمصير المشؤوم للمارشال عامير

الظرفية باجمال كانت ظرفية انتعاش الاسلحة ,وظرفية الربط السريع بين فرنسا وامريكا عبر طائرات الكونكورد ,وظرفية تكنيس الثوار بالاغتيالات كما حدث للزعيم البولفاري تشي غيفارا,او سجنهم وفق ماحصل مع الزعيم نيلسون مانديلا,فبعد اضطهادات انتماءات المحور والحلفاء قبل الحرب العالمية الثانية ,انتجت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية اضطهادات الحرب الباردة
عرفت المرحلة ايضا التجاوب الكاسح مع الناصرية والماوية كحركات ثقافية ناشدة للتغيير نحو الحداثة
هناك ايضا ثورة طلابية فرنسية في العام الاحق 1968,فالظرفية كانت ظرفية غليان ثوري وصراع الامبرياليات المختلفة ,في اطار ثنائية اقتصاد السوق والاقتصاد الموجه ,أي اقتصادات النقد واقتصادات المقايضة

عربيا انقسمت دفة الاثنين الى ملكيات اقتصاد السوق وجمهوريات الاقتصاد الموجه ,والكل كان في ظل الحرب الباردة التي انتجت مجالات الاقتسام المشترك ,سمتها وقتئذ بالداعش ,منها جرح تندوف بالمغرب والكوبابامريكا القارة , وغير ذلك
نيلسون مانديلا اعتبر اسطورة ساحرة تتميز برمزية خاصة ,لماذا ؟
لانه حينما ساد الخوف والرعب كعنوان تلك المرحلة ,استرشد بعقله ليتخذ له موقعا وسطا ,يعدل بين تهوري الانتصار الكامل والهزيمة الماحقة ,هذه هي حكمة اسطورة افريقيا المفقود قبل خمس سنوات ,استطاع ان يستعمل العقل كاعدل قيمة موزعة بين الناس وفق ارسطو ,لينجز المستطاع ويعذر نفسه عن عدم تحقق المامول ,كامتداد لحلم كينغ في الحرية, الان وغدا ودائما
مانديلا هو تعبير اخاذ عن عبئية مجتمعية افريقية مشتركة ,صحيح ان الزعامات تندفع نحو خلق امبريالية روسية افريقية ,على غرار نظيرتها الاسيوية الصينية ,وضدا على نظائرها الاخرى من دول الحلفاء ,وبالاخص الانجلوفونية والامريكية والفرنسية ,مع تحفظات دوغولية صادع بها دوغول حيال الامبريالية الامريكية ,وفي نطاق الصراع التقليدي بين الفرنكفونيين والكومونولث,تجسد رسميا في قفز امريكا عن فيتو فرنسا ابان اسقاط نظام صدام ,وقد ارجعت فرنسا الصاع صاعين للانجلوفون في صفقة اسقاط نظام القدافي ,مع ان الانجليز يؤمنون لابعد مدى باهمية ابنه سيف الاسلام

جنازة مانديلا يوم عاشر دجنبر 2013 ,هي نصرة للقوة الاخلاقية والسياسية ,وللتسامح والسلم الايجابين اللذين مثلهما على مدار حياته ,وهي قيم جديرة بالاحتفاء والخلود كخلود صخر افريقيا نيلسون مانديلا ,الذي وضع العالم امام امتحان وحدة ابناء نوح ساميين وكنعانيين ,وطي السموم العرقية التي يبثها الفهم الخاطئ للاديان ,طالما دماء البشر كلها حمراء كما تردد اغاني ميكل جاكسون

وكم هو صادق مانديلا حينما يؤكد بانه في دار الخلود سيركن لابتسامته البيضاء ,نعم بياض الابتسامة التي تنبع من اعماق القلب, شيئ يصحب محبي مانديلا للابد ,وهي هديته لهم بعد الفراق ,اما هو فلاشك عائد لضريحه بقرية كونو كما يعود الطفل لصدر امه ,فافريقيا من جنوبها لشمالها ,تتاسى على وداعها الاخير, لاسطورتها الخالدة نيلسون مانديلا

بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير
 


أعلى الصفحة