قانون الأسرة

بقلم ذ محمد مقور
باحث في القانون الخاص
تحت عدد: 34
إن النيابة العامة، أصبحت في لغة مدونة الأسرة بمثابة الطرف الرئيسي، فقد نصت المادة الثالثة من مدونة الأسرة على أنه :" تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام هذه المدونة "

إن النيابة العامة، أصبحت في لغة مدونة الأسرة بمثابة  الطرف الرئيسي، فقد نصت المادة الثالثة من مدونة الأسرة على أنه :" تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام هذه المدونة ".

فالقارئ لهذه المادة يلاحظ ببساطة و في عجالة، أن النيابة العامة ارتقى بها المشرع لمصاف الطرف الرئيسي في الدعاوى المتعلقة بمدونة الأسرة. غير أن هذا التصور سرعان ما يتبدد و ينشأ إشكال حقيقي حول مركزها[1]، بقراءة الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية كما وقع تعديله[2] بمقتضى القانون رقم 03ـ72 والذي جاء فيه ما يلي :

" يجب أن تبلغ إلى النيابة العامة الدعاوى الآتية:

1)   القضايا المتعلقة بالنظام العام و الدولة و الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية و الهيآت و الوصايا لفائدة المؤسسات الخيرية و ممتلكات الأحباس و الأراضي الجماعية؛

2)      القضايا المتعلقة بالأسرة؛

3)      ......

يمكن للنيابة العامة أن تطلع على جميع القضايا التي ترى التدخل فيها ضروريا.

للمحكمة أن تأمر تلقائيا بهذا الاطلاع.

يشار في الحكم إلى إيداع مستنتجات النيابة أو تلاوتها بالجلسة و إلا كان باطلا ".

إن هذا الفصل الأخير يطرح إشكالا عميقا باعتباره النيابة العامة مجرد طرف منضم تبلغ إليها الدعاوى المتعلقة بالأسرة عكس ما جاء في المادة الثالثة من مدونة الأسرة التي اعتبرت النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام مدونة الأسرة.

وقد ولد هذا التضارب - التشريعي- بين أحكام مدونة الأسرة و مقتضيات قانون المسطرة المدنية، تباينا في مواقف الفقه، نتج عن ذلك عدة اتجاهات فقهية منها:

الاتجاه الأول:

 من الباحثين من يعتبر أن المادة الثالثة من مدونة الأسرة جاءت واضحة بكون النيابة العامة تعتبر طرفا أصليا في تطبيق أحكام مدونة الأسرة، و القاعدة الفقهية تلزم عدم الاجتهاد مع ورود النص، و انسجاما كذلك مع فلسفة المشرع وهدفه من إقرار الدور الأصلي للنيابة العامة لتحقيق المبتغى المنشود من توسيع مهام هذا الجهاز و ليكون لها كل خصائص الطرف الأصلي، فيكون لها حق الطعن، ويعتبر حضورها بالجلسات إلزاميا، مع عدم تجريحها من أحد الأطراف، وهو ما يسمح لها بإبداء آرائها بكل حرية وإن تعارضت مع مصلحة طرف ما في الدعوى، لكون النيابة العامة في إطار مدونة الأسرة تتدخل أساسا من أجل السهر على حسن تطبيق بنود المدونة و تفعيل الطابع الحمائي لأحكامها و تفعيل الأسس التي انبنت عليها المدونة وهي رفع الحيف عن النساء و حماية حقوق الطفل و صيانة كرامة الرجل[3].

الاتجاه الثاني:

وهناك اتجاه ثاني يرى أن التساؤلات  المطروحة حول التعارض بين المادة الثالثة من مدونة الأسرة و الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية و إن كانت تجد ما يبررها من الناحية النظرية، فإن العمل القضائي من خلال الندوات التي عقدتها وزارة العدل حول مدونة الأسرة استطاع تجاوزها وذلك بتوحيد العمل في مختلف المحاكم بالدولة المغربية بعد إقرار الدليل العملي لمدونة الأسرة الذي أعدته وزارة العدل مبدأ أن النيابة العامة إذا كانت طرفا رئيسيا أو أصليا، فإن حضورها إلزامي إلا إذا تعذر حضورها فيكتفى بتقديم مستنتجاتها في الملفات المحالة عليها مادام المشرع لم يرتب بطلانا عن عدم حضورها في غير الجلسات الجنائية طبقا للمادتين 4 و 7 من ظهير التنظيم القضائي[4].

وما يعاب على هذا الاتجاه أنه اعتمد لتأسيس موقفه على الدلائل و الشروحات التي تتولى وزارة العدل نشرها، و باعتبارها إحدى المظاهر الماسة باستقلال القضاء بشكل صارخ لأنها بفرضها تفسيرا أو تأويلا او قراءة معينة للقانون تصادر بشكل غير قانوني و غير أخلاقي حق القاضي في الاجتهاد، بل و تمنع بهذا المسلك اعتبار الاجتهاد القضائي إحدى مصادر القاعدة القانونية و منبعا لترميم و تطوير القواعد القانونية[5].

الاتجاه الثالث:

أصحاب هذا الاتجاه يرون أن المشرع أعطى للنيابة العامة دور الطرف الرئيسي و الأصلي في القضايا التي ينص فيها على ذلك صراحة في مدونة الأسرة، و تتدخل كطرف منضم في باقي قضايا الأسرة[6].

فالنيابة العامة تكون أحيانا طرفا رئيسيا حيث نجد المشرع المغربي ينص على ذلك في المواد 177 ، 179 و 270 من مدونة الأسرة[7].

و أحيانا أخرى تتدخل النيابة العامة كطرف منضم، و يظهر ذلك خصوصا من خلال مقتضيات المادة 88 من مدونة الأسرة[8]  التي توجب أن يكون القرار الصادر معللا و يتضمن مستنتجات النيابة العامة.

فمن خلال مقارنة هذه الاتجاهات ومقارعتها بعضها ببعض، نجد أن لكل اتجاه أسسه المنطقية، غير أن الاتجاه الثالث المعتمد على ازدواجية تدخل النيابة العامة في قضايا الأسرة ورغم الانتقادات الممكن توجيهها له بخصوص اعتماد هذه الازدواجية أمام صراحة المادة الثالثة من مدونة الأسرة، إلا أن خصوصية المادة الأسرية التي تجعل من المستحيل أن تكون النيابة العامة طرفا أصليا في جميع الدعاوى الأسرية، تجعل هذا الاتجاه هو الأقرب إلى الصواب و المنطق، وكذلك إلى الواقع و العمل القضائي.

و على العموم فتبليغ النيابة العامة بالقضايا المتعلقة بالأسرة المنصوص عليه في الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية، لم يأتي عبثا من المشرع المغربي، بل جاء تزكية للدور الطلائعي لمؤسسة النيابة العامة في رعاية و حماية الأسرة، وحتى تتمكن من الإدلاء بمستنتجات ذات قيمة حقيقية تدفع في اتجاه حل النزاع الأسري و المحافظة على استقرار الأسرة داخل المجتمع. ولا تكتفي بتكرار ملتمسها الشهير الذي يؤثت جل الأحكام الأسرية و هو "الملتمس الرامي إلى تطبيق القانون"، في تجاهل تام لما يمكن أن تقدمه مستنتجات النيابة العامة المبنية على الأبحاث الاجتماعية الجادة و الفهم العميق لوضعية أطراف النزاع الأسري و فلسفة المشرع المغربي فيما يخص تصوره للدور الجديد الذي أعطاه لمؤسسة النيابة العامة في تحقيق العدالة الأسرية و الذي يبقى بدون شك بعيد المنال ما دامت النيابة العامة لا تتدخل في غالب الأحوال إلا "بملتمسها الرامي إلى تطبيق القانون".



[1]ـ عدنان العشعاش، الطبيعة القانونية لتدخل القضاء في مدونة الأسرة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2007/2008، ص 152.

ـ هذا القانون صدر الأمر بتنفيذه بمقتضى الظهير الشريف رقم 23 ـ 04 ـ 1 الصادر بتاريخ 3 فبراير 2004.[2]

[3]ـ دوليم هاشم، دور النيابة العامة في قضاء الأسرة، مداخلة ألقيت في الندوة الجهوية الثانية تحت عنوان قضايا الأسرة من خلال اجتهادات المجلس الأعلى، وذلك احتفاء بالدكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى، نظمت بالقصر البلدي ـ مكناس ـ يومي 8 و 9 مارس 2007، الطبعة الأولى 2007، مطبعة الأمنية ـ الرباط، ص 111.

[4]ـ عبد الرزاق نجي، دور النيابة العامة في قضايا الأسرة الحصيلة و المعوقات، مداخلة ألقيت بمناسبة أشغال الندوة الوطنية المنعقدة بكلية الحقوق بوجدة يومي 17 و 18 فبراير 2005، منشورات مجموعة البحث في القانون و الأسرة، سلسلة الندوات ـ العدد الأول، ص 185.

ـ الدليل عملي لمدونة الأسرة، ص 18.

[5]ـ محمد أحداف، وظائف النيابة العامة في قانون الأسرة : محاولة للتقييم ، مداخلة ألقيت بمناسبة أشغال الندوة الوطنية المنظمة من طرف مجموعة البحث في الأسرة و التنمية و شعبة القانون الخاص بجامعة المولى إسماعيل، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بمكناس يومي 25 و 26 ماي 2007، عدد خاص ، ص 48.

[6]ـ سفيان ادريوش، دور النيابة العامة في قضاء الأسرة، مجلة رسالة الدفاع، العدد الخامس، دجنبر 2004، ص 38.   

[7]ـ المادة 177 من مدونة الأسرة: يجب على الأب و أم المحضون و الأقارب و غيرهم، إخطار النيابة العامة بكل الأضرار التي يتعرض لها المحضون لتقوم بواجبها للحفاظ على حقوقه، بما فيها المطالبة بإسقاط الحضانة.

 ـ المادة 179 من مدونة الأسرة: يمكن للمحكمة بناء على طلب من النيابة العامة، أو النائب الشرعي للمحضون، أن تضمن في قرار إسناد الحضانة، أو في قرار لاحق، منع السفر بالمحضون إلى خارج المغرب، دون موافقة نائبه الشرعي.

تتولى النيابة العامة تبليغ الجهات المختصة مقرر المنع، قصد اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تنفيذ دلك.

في حالة رفض الموافقة على السفر بالمحضون خارج المغرب، يمكن اللجوء إلى قاضي المستعجلات لاستصدارإذن بذلك.                                                                                                                          

لا يستجاب لهذا الطلب إلا بعد التأكد من الصفة العرضية للسفر، ومن عودة المحضون إلى المغرب.

 ـ المادة 270 من مدونة الأسرة: يمكن طبقا للقواعد العامة إجراء حجز تحفظي على أموال الوصي أو المقدم، أو وضعها تحت الحراسة القضائية، أو فرض غرامة تهديدية عليه إذا لم يمتثل لأحكام المادة 256 من المدونة، أو امتنع عن تقديم الحساب أو إيداع ما بقي لديه من أموال المحجور، بعد توجيه إنذار إليه يبقى دون مفعول داخل الأجل المحدد له.

في حالة إخلال الوصي أو المقدم بمهمته، أو عجزه عن القيام بها، أو حدوث أحد الموانع المنصوص عليها في المادة 247 من المدونة، يمكن للمحكمة بعد الاستماع إلى ايضاحاته، إعفاؤه أو عزله تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة أو ممن يعنيه الأمر.

[8]ـ المادة 88 من مدونة الأسرة:" بعد توصل المحكمة بالنسخة المشار إليها في المادة السابقة، تصدر قرارا معللا يتضمن :

1)       أسماء الزوجين و تاريخ و مكان ولادتهما و زواجهما و موطنهما أو محل إقامتهما؛

2)       ملخص إدعاء الطرفين و طلباتهما، و ما قدماه من حجج و دفوع، و الإجراءات المنجزة في الملف،

و مستنتجات  النيابة العامة؛

3)       تاريخ الإشهاد بالطلاق؛

4)       ما إذا كانت الزوجة حاملا أم لا؛

5)       أسماء الأطفال و سنهم و من أسندت إليه حضانتهم و تنظيم حق الزيارة؛

6)       تحديد المستحقات المنصوص عليها في المادتين 84 و 85 من المدونة و أجرة الحضانة بعد العدة.

قرار المحكمة قابل للطعن طبقا للإجراءات العادية ".

بقلم ذ محمد مقور
باحث في القانون الخاص
 


أعلى الصفحة