القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ جواد روݣي
باحث في القانون المدني
تحت عدد: 289
إن استقلال السلطة القضائية ليس مطلبا من باب الترف أو التقليد، وإنما أساسا

من أسس بناء دولة الحق والقانون، كما إن وجود قضاء غير مستقل يعني سيادة الفوضى، وطغيان الدولة بأجهزتها التقليدية على حقوق الأفراد، وحرياتهم، ودون الإسهاب في تبرير ما لا يستوجب التبرير، فإن استقلال القضاء يعد مدخلا أساسيا من مداخل تحقيق الرفاه الاجتماعي عن طريق نجاعة القضاء في حماية الحقوق، والحريات، وتحقيق العدالة،  فبدون قضاء مستقل لا وجودة لعدالة ناجزة،  ولا يمكن الحديث عن نجاعة  قضائية  من خلالها يحفظ القضاء حقوق، وحريات الأفراد.

والمغرب قد حقق رهانا تشريعيا مهما سواء على المستوى الدستوري، أو على مستوى القوانين المفعلة له والتي غالبها في طور الإعداد، أو على وشك التطبيق، ولا ينقص إلا إرادة حقيقية من أجل تنزيلها على أرض الواقع.

هذا من جهة، ومن  جهة أخرى فإن خصوصية المرحلة تقتضي بالضرورة إشراك كل الفاعلين في مخطط إصلاح القضاء، فكما هو معلوم فإن الدستور المغربي لسنة 2011 قد وسع من دائرة المشاركة في تدبير الشأن العام، و بوأ المجتمع المدني مكانة مهمة كقوة اقتراحية فاعلة لا ينقص لاستغلالها إلا إدراك مدلولاتها، و أبعادها، والوعي بحساسية الوضع الراهن، و الخطى المتسارعة في إصلاح منظومة العدالة، ناهيك عن التأكيد الملكي على نهج مقاربة تشاركية في الإصلاح.

بين تسارع نهج الإصلاحات المتعلقة بصرح العدالة ، و بين المكانة التي يحتلها المجتمع المدني في الدستور الجديد، ونهج المقاربة التشاركية في إصلاح منظومة العدالة، نطرح التساؤل حول واقع تعامل المجتمع المدني مع ورش إصلاح القضاء و خصوصا استقلال السلطة القضائية ؟

إن الإجابة على هذا السؤال يمكن صياغتها وفق حقيقتين  تفرضان نفسيهما كالآتي:

 حقيقة أن المجتمع المدني لا يتدخل -في غالب الأحيان- إلا عبر بوابة المبادرة الملكية للإصلاح. وقبل الحديث عن حال المجتمع المدني في إطار تنظيمات و جمعيات، نسجل غياب شبه تام لتفاعل المجتمع كأفراد مع ورش الإصلاح، ويرجع البعض غياب هذا التفاعل إلى غياب الوعي السياسي،  والقانوني لدى المواطن العادي. ومن غير نفي صحة هذه الفرضية، فلا يحتاج المواطن العادي فطنة الأكاديمي أو رجل القانون حتى يتفاعل بإيجابية مع حركية من قيمة إصلاح مؤسسة القضاء، إذ ليس ببعيد زمنيا الضجة التي أثارتها مدونة السير الجديدة، وكيف كان رد فعل المعنيين بها، و قبل ذلك بسنوات قليلة، الحراك الذي شهده الشارع المغربي بسبب مدونة الأسرة والذي لا يزال صداه إلى اليوم يفرض نفسه، بل إن قضية المساواة في الإرث التي أثيرت قبل أشهر من اليوم من قبل المجلس الوطني لحقوق الإنسان لم تترك مجلسا إلا وكانت أحد مواضيع الدردشة. فما الذي يغيب موضوع القضاء واستقلاله عن اهتمام الناس؟.

إن موضوع القضاء حاضر في أدهان الناس، ومجالسهم لكن من زاوية ضرورة زجر القضاة، وتشديد الرقابة عليهم، وضرورة محاربة الفساد داخل الجسم القضائي، ولا أحد يتحدث عن استقلال القضاء، وتحرر القضاة من كل تأثير على قناعتهم،  فالعدل لا يتحقق إلا بتمتع القضاة بالاستقلال الذي يكونون فيه أحرارا عند بحث الحقيقة بعيدا عن كل أنواع التدخل، أو الضغط، أو الإغراء أو التهديد الذي يمكن أن يتعرضوا له، أو الخضوع إلا للقانون، وألا يخافوا في الحق لومة لائم دون أن يعني ذلك إفلاتهم من الرقابة، والتي من المفروض أن تحاط بدورها  بضمانات قانونية حقيقية تضمن هذه الاستقلالية.

إن من بين الأسباب التي كرست الصورة التي تشكلت لدى الرأي العام عن القضاء بكونه جهاز فاسد يجب ردعه التسويق الإعلامي لصورة نمطية عن القضاء، حيث لا يكاد يذكر موضوع القضاء في وسائل الإعلام إلا واقترن  بضبط اختلالات  وتجاوزات من القضاة حتى أصبح المواطن يفترض فساد القاضي مالم يثبت العكس. كما أن هذه الصورة النمطية يكرسها سوء فهم المواطن المتقاضي لدور القضاء، حيث غالبا ما تقاس عدالة القضاء بالنسبة للمتقاضي بحسب ما قضى له به  دون اعتبار لمدى أحقيته بما يطالب به، فما يهم المتقاضي هو استصدار حكم لصالحه وإلا وجه مدفعيته نحو القضاء، والقضاة.

بالإضافة إلى صورة القضاء لدى المواطن و التي تحول دون تفاعله الإيجابي مع ورش الإصلاح، هناك أيضا عامل آخر يتجلى في غياب التوعية التي كان من المفروض أن يقودها المجتمع المدني في إطار جمعيات مضفرا بالضمانات الدستورية الممنوحة إليه، والتي يبدو أن جمعيات المجتمع المدني ومعها الأحزاب السياسية لم تستوعب بعد هذه الضمانات كما لم تستوعب الصلاحيات، والمهام المنوطة بها دستوريا.

عموما فتقتضي الأمانة توثيق حقيقة تاريخية ذلك أن المؤسسة الملكية تبادر باستمرار، إلى فتح أوراش الإصلاح وتحدد له توجهاته، وتؤلف لجنا ملكية لإدارة أوراش الإصلاح، وهكذا كانت أول  مبادرة هي تضمين أول دستور للمملكة سنة 1962 مبادئ تستجيب للمعايير الدولية التي تكفل استقلال القضاء، وكذا إحداث المجلس الأعلى للقضاء، وتأليفه، مع إخضاع جزء من تأليفه لقاعدة الانتخابات، لتمثيل قضاة المحاكم.

كما دشن جلالة الملك محمد السادس العهد الجديد الذي سرع من خلاله النهج الإصلاحي بالحث على التعبئة لإصلاح القضاء، حيث أكد  من خلال خطابه ل 9 يناير 2009 على ضرورة تسريع وثيرة الإصلاحات و كذلك ضرورة إشراك كل المعنيين بهذه الإصلاحات،

بعد ذلك، وفي شهر أبريل من نفس السنة فتح وزير العدل سلسلة من المشاورات مع هيئات حقوقية من المجتمع المدني، و مع هيئات سياسية و فعاليات من داخل قطاع العدل، حيث قدمت عشر جمعيات حقوقية مذكرة مشتركة تتضمن مقترحات وتوصيات بشأن إصلاح القضاء. ومن هذه الجمعيات جمعية عدالة، والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، والعصبة المغربية لحقوق الإنسان ، والجمعية المغربية للدفاع عن استقلال القضاء...،. من بين النقاط التي أثارتها المذكرة عدم توفر المجلس الأعلى للقضاء على استقلال مالي وإداري، حيث أوصت بإعادة النظر في تأليف المؤسسة، بإسناد رئاستها إلى قاض سام، كما أوصت المذكرة بتوسيع اختصاصات المجلس لتمكينه من تتبع الحياة المهنية للقضاة، من بدايتها إلى نهايتها. كما أوصت بتمكين المجلس الأعلى للقضاء من ميزانية خاصة به، ومقر لائق وموارد بشرية إدارية...

في سنة 2011 تم افتتاح عهد جديد للإصلاح مبني على أسس دستورية أكثر تقدما، و ذلك من خلال خطاب ملكي أسس لسلطة قضائية مستقلة. تلى ذلك تأكيد ملكي على نهج مقاربة تشاركية في الإصلاح، حيث انفتحت هيئة إدارة الحوار الوطني على المجتمع المدني من خلال ندوات جهوية، وكذا من خلال مكاتبة حوالي 111 هيئة سياسية وحقوقية حسب ما ورد في ميثاق إصلاح منظومة العدالة.

 فكانت المبادرة الملكية بمثابة تلك البوابة التي من خلالها سينخرط المجتمع المدني في ورش الإصلاح، بل كانت بمتابة المنبه لمعظم الفعاليات الجمعوية.

ومن أبرز المساهمات التي سجلت بعد إصدار الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، المبادرة التي أطلقتها - جمعية عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة – والتي استدعت لها عدد من المكونات المهنية المشتغلة بالحقل القضائي، وهيآت مدنية مواكبة  لورش الإصلاح، ومن مداخل اجتماع هذه الهيئات، تقوية استقلالية القضاء، وتعزيز دور المجلس الأعلى للسلطة القضائية كهيئة دستورية ناظمة لها ولاية  كاملة على تسيير الشأن القضائي والإشراف على الإدارة القضائية للمحاكم.

ومع كل ذلك نسجل تقزيم عمل المجتمع المدني بسبب تأخير إصدار القانون التنظيمي الخاص بتقديم العرائض، ومشاريع القوانين من قبل الحكومة خصوصا في هذه المرحلة الحساسة من الإصلاح. إذ كان سيشكل هذا القانون نافدة لاتصال المجتمع المدني بمؤسسة التشريع كقوة اقتراحية.

أما الحقيقة الثانية فمتمثلة في كون الحراك من داخل الجسم القضائي أكثر جرأة و تفاعلا مع ورش الإصلاح. فبعد المصادقة على الدستور الجديد، عرفت الساحة القضائية تحولات مهمة تمثلت في انفتاح كبير للمؤسسة القضائية على محيطها وانخراط القضاة في النقاش الوطني المفتوح حول الإصلاحات القضائية  وهو ما تجسد بجلاء في تأسيس أول جمعية مهنية مستقلة للقضاة المتمثلة في نادي قضاة المغرب، ليأتي بعد ذلك الدور على جمعيات مهنية أخرى رأت النور بعيد تأسيس النادي.

لعبت الجمعيات المهنية للقضاة أدوارا جد مهمة من أجل تخليق منظومة العدالة، وذلك عن طريق اعتماد مبادرات خلاقة تروم مناقشة مواضيع التخليق  واستقلال القضاء بكل جرأة ومسؤولية. وهكذا اعتبر نادي قضاة المغرب منذ تأسيسه تخليق منظومة العدالة من أهم انشغالاته، وذلك لارتباطه ببناء سلطة قضائية مستقلة. لتأكيد أهداف النادي تقدم أعضاء المكتب التنفيذي بمبادرة التصريح بديونهم وممتلكاتهم للرأي العام الوطني. لتكون روح  التخليق و الشفافية سمة تطبع جل مبادرات الجمعيات المهنية للقضاة.

فلا أحد ينكر اليوم الحراك القضائي الصرف و المنبثق عن الجسم القضائي إما من خلال نضال قضاة أفراد أو من خلال تنظيمات ممثلة في الجمعيات المهنية للقضاة رغم التضييق الذي يتعرضون له كقضاة أفراد أو كتنظيمات إلا أنهم مستمرون في نضالهم حيث يصعب النضال، فقط من أجل سلطة قضائية مستقلة و قادرة على تحقيق العدالة و حماية الحقوق و الحريات.

ومع كل الضمانات الدستورية الممنوحة لهذه الجمعيات، فقد سجلت العديد من محاولات التضييق على أنشطتها من جهات مختلفة، و الملفت أنه لم تعرف الساحة الحقوقية تحركا ينسجم مع حجم ما تتعرض له هذه الجمعيات من مضايقات من جهات مختلفة اللهم من بعض الهيئات الحقوقية القريبة منها على مستوى اهتماماتها.

وفي الختام، لابد من الإشارة إلى أنه يجب على المجتمع المدني أن يعير اهتمامه لقضايا ذات أهمية بالغة كورش إصلاح القضاء بدل التركيز على ما يبوؤه مكانة إعلامية مميزة. كما على هيئات المجتمع المدني أن تبلور رؤيتها وأهدافها وفق الضمانات الدستورية الممنوحة لها، وأن تنخرط بقوة في الإصلاحات الكبرى من قبيل إصلاح القضاء، وأن تجعل منه هدفا مشتركا يتصدر قائمة اهتماماتها. وفي هذه المرحلة لن يبقى أمام المجتمع المدني إلا ضرورة السهر على مراقبة مدى التنزيل الفعلي للقوانين المكرسة لاستقلال القضاء. كما أنه لابد من أن تتضافر جمعيات المجتمع المدني لمؤازرة الجمعيات المهنية للقضاة من أجل تخليق منظومة الدالة، و بناء قضاء مستقل.

 

بقلم ذ جواد روݣي
باحث في القانون المدني
 


أعلى الصفحة