القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ محمد فجار
نقيب سابق لهيأة المحامين بالجديدة
تحت عدد: 55

     إن خطة القضاء وما أنيطت بها من مهمة تطبيق القوانين و توزيع العدل بين الناس ليست كما قد يتوهم البعض خطة سهلة وطريقا مفروشا بالأزهار والرياحين . إن القائمين بامر هذه المهمة الخطيرة من قضاة ومحامين وكل من يساعدهما على القيام بها والمتقاضين كذلك في الأحوال التي لا يكون فيها من اللازم تنصيب محام عنهم ،  كثيرا ما تصادفهم عدة إشكالات وصعوبات أثناء مزاولة مهماتهم  . ولهذا كان القضاة في الماضي يتهيبون من القيام بها وكانوا يعتبرونها بلوى عندما كانوا يختارون لمزاولتها . وفي ذلك يقول الغرناطي في تحفته : 


وذاك لما أن بليت بالقضا     بعد شباب مرعني وانقضى

 

. و هذه الإشكالات العملية كثيرة ومتعددة منها ما يعترض المتقاضي في أول خطوة يخطوها على درب التقاضي في مراحل الدعوى الأولى عندما يكون بصدد تقديمها إلى المحكمة ، ومنها ما قد يصادفه خلال جلسات البحث والتحقيق والنظر في الدعوى في مرحلة الترافع أمام القضاء . ومنها ما قد يلاقيه حتى بعد حسم المحكمة في النزاع المعروض عليها بحكم ، وانتقال المسطرة من طور البحث والتحقيق والمحاكمة إلى طوري التبليغ والتنفيذ . وسأحاول في هذا المقال – قدر الإمكان - أن اعرض لبعض من هذه الإشكالات العملية التي تبدو لي ملحة وتحتاج الآن إلى المعالجة قبل أن يستقر النظر بشأنها على حل . وسأبدأ أولا :  بما قد تثيره التعديلات التي مست تقادم الدعوى العمومية في قانون المسطرة الجنائية ، ثم انتقل ثانيا : إلى بيان وجهة نظري بخصوص ما جاءت تنص عليه المادة 250 من مدونة الضرائب . على أمل أن أتناول إشكاليات أخرى في مقالات لا حقة .

 

                             أولا : في تقادم الدعوى العمومية

 

إن أول ما يمكن ملاحظته وتسجيله بمناسبة قراءة نصي المادتين 5 و 6 من قانون المسطرة الجنائية الجديدة بعد التعديل الأخير . أنه باستثناء التقصير الملحوظ الذي طرأ على أمد تقادم الدعوى العمومية بمقتضى التعديل الذي أتى به القانون رقم 35.11 الذي صدر الأمر بتنفيذه بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.11.169 بتاريخ : 17 أكتوبر 2011 المنشور بالجريدة الرسمية عدد : 5990 بتاريخ : 27م10/2011 ، بحيث أنه تقلص من عشرين سنة ميلادية بالنسبة للجنايات إلى 15 سنة ومن خمس سنوات ميلادية بالنسبة للجنح إلى أربع سنوات فقط وبالنسبة للمخالفات من سنتين إلى سنة ميلادية واحدة . فإنه لم يمس الفصول 4 و 5 و 6 من قانون المسطرة الجنائية القديم أي تغيير يذكر . والتوضيح والتفسير الذي جاء به لإجراءات المتابعة والتحقيق والمحاكمة . اللهم هذا التغيير الذي طرأ على أرقام هذه الفصول حيث حلت المادة 5 من قانون المسطرة الجنائة الجديدة محل الفصل 4 من النص القديم وجمعت المادة 6 من النص الجديد المقتضيات التي كانت متفرقة في الفصبلين 5 و 6 من النص القديم . وبعض التغيير الطفيف الذي طرا على عبارات المادة 6 من النص الجديد والذي يتجلى في تعويض الشارع عبارة : " تقوم به السلطة القضائية .. " بعبارة : " تنجزه السلطة القضائية .. " . وهو كما لا يخفى تعديل لفظي لا يمس جوهر النص ولا يكون له أي أثر على مضمنه . والتعريف الواضح والدقيق الذي أعطاه لعبارات " إجراءات المتابعة والتحقيق و المحاكمة .

     ومع أن نص المادة 6 من قانون المسطرة الجنائية الجديد جاء مطابقا تمام المطابقة لنصي المادتين 5 و 6 من القانون القديم ما عدا تلك التعديلات الرقمية واللفظية البسيطة وذلك التعريف لإجراءات المتابعة والتحقيق والمحاكمة ، فإن العمل بمقتضيات نص المادة 6 من النص الجديد جاء يثير مشكلتين عمليتين مهمتين : تتجلى أولاهما : في مبتدإ تاريخ العمل بهذه المقتضيات الجديدة . وتتمثل ثانيتهما في مآل الإجراءات السابقة التي كانت قد أنجزت قبل دخول نصي المادتين 5 و6 من القانون الجديد إلى حيز التنفيذ .

 

اولا : في مبتدإ تاريخ العمل بنصي المادتين 5 و 6 من قانون المسطرة المدنية الجديد

 

إن أول ما قد يتبادر إلى ذهن قارئ هذا العنوان أن مسألة التاريخ الذي ينبغي أن يبدأ فيه نص قانون المسطرة الجنائية الجديد في السريان مسألة محسومة ولا يمكن أن ينشأ بشأنها أي خلاف . وقد لا يعدم " دليلا " على ذلك بقوله إنه مادام هذا النص قد ورد بقانون المسطرة الجنائية ؛ وهو قانون شكل  وليس قانون موضوع ، كما هو الأمر مثلا بالنسبة لمقتضيات القانون الجنائي . فإنه لا يمكن أن يثور أي شك في مسألة أن هذا النص ذي الطابع الشكلي ينبغي أن يطبق بأثر فوري خلافا للنصوص الجنائية ذات الطابع الموضوعي التي لا يمكن أن يرتد أثرها إلى الماضي ويقع تطبيقها على وقائع سابقة عن تاريخ صدور القانون عملا بصريح نص الفصل 4 من دستور المملكة الذي جاء ينص صراحة على أن : " القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة ويجب على الجميع الانتثال له وليس للقانون أثر رجعي " وهو نفسه المبدأ الذي كان يتضمنه نص الفصل 4 من القانون الجنائي الذي أتى ينص على ما يأتي : " لا يؤاخذ أحد على فعل لم يكن يعتبر جريمة بمقتضى القانون الذي كان ساريا وقت ارتكابه "  ما عدا بطبيعة الحال بعض الاستثناءات التي وردت على هذا المبدإ ومن بينها الحالة التي يكون فيها القانون الجديد هو الأصلح للمتهم . حيث يخول لهذ المتهم الاستفادة من مقتضيات هذا القانون ولو جاء بعد ارتكاب الفعل المتابع به .

ولكن الملاحظ على هذا الرأي  أنه على ما قد يظهر أنه يحوز على حظ من المنطق ، فإنه مردود على أصحابه :

اولا : بأنه ليس صحيحا أن كل النصوص التي وردت بالقانون الجنائي هي قوانين موضوع . فإن الثابت مما تضمنته مدونة القانون الجنائي المغربي من نصوص أنها تحفل بالكثير من النصوص ذات الطابع الشكلي الصرف ومن ذلك على سبيل المثال ما ورد بالفصلين 481 و 493 من القانون الجنائي. كما أنه في المقابل ، ليست كل النصوص التي وردت بقانون المسطرة الجنائية نصوصا شكلية . فإن هذه المسطرة قد جاءت تتضمن كذلك نصوصا موضوعية . ومن ذلك مثلا نص المادة 58 التي تنص على معاقبة كل شخص غير مؤهل قانونا يقوم بتغيير حالة المكان الذي وقعت فيه الجريمة أو بإزالة أي شيء منه قبل القيام بالعمليات الأولية للبحث القضائي . ونص المادة 61 التي تعاقب على كل إبلاغ أو إفشاء لوثيقة وقع الحصول عليها من تفتيش إلى شخص ليست له صلاحية قانونية للاطلاع عليها  . وهي مقتضات موضوعية لا شك فيه ولا مراء ، ومنها كذلك المقتضيات المتعلقة بالتقادم . فإن القضاء والفقه في مصر وأغلب المحاكم الفرنسية جرت على أن قوانين التقادم من القوانين الموضوعية ë. وهو مقتضى إذا كان لا يثير أي إشكال من الناحية العملية بالنسبة لقوانين التقادم التي تقصر من أمده . حيث يتم تطبيقها بأثر فوري لأنها تتضمن مقتضيات موضوعية في صالح المتهم . إلا أنه مقتضى لا يمكن قبوله بالنسبة لهذه القوانين إذا كانت لا تتضمن مزايا لمصلحة المتهم حيث لا يسوغ تطبيقها على أفعال وقعت قبل صدورها بسبب طابعها الموضوعي .

     وفي الحق إن مسالة الصبغة التي يمكن أن تتصف بها القواعد المتعلقة بالتقادم كانت محل خلاف حتى في المادة المدنية حيث كان يثور الخلاف في أحكام القضاء حول طبيعة هذه القواعد مثلما كان يثور كذلك بالنسبة لوسائل الإثلات ؛  حيث كان موقف القضاء يطبعه بعض التردد فكان يذهب أحيانا إلى اعتبارها مقتضيات ذات صبغة شكلية ، وكان أحيانا اخرى يعتبرها ذات طبيعة موضوعية ، وكان أحيانا أخرى يقف بالنسبة لها موقفا وسطا ، فكان يعتبرها من المسائل ذات الطبيعة المختلطة . إلى أن تم الحسم أخيرا بشانها واستقر القضاء على اعتبارها قواعد موضوعية . وحسنا فعل . فإن قواعد الإثبات والتقادم وردت في قانون الالتزامات والعقود وهو قانون موضوع ولم ترد في قانون المسطرة المدنية وهو قانون شكل . وهو ما يؤكد الطابع الموضوعي الذي أراد أن يضفيه عليها المشرع المغربي . هذا إلى أنه لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ë شرح قانون الإجراءات الجنائية للدكتور محمود محمود مصطفى طبعة 1988 البند 23 بالصفحتين 32 و 33 .

يمكن أن يغرب عن بال من يتعمق في النظر،  ما بين الإثبات والتقادم من وثيق العلاقة بجوهر الحق المدعى به لما يوجد بينهما من وشيج الصلة وقوي الارتباط بعنصر مهم من عناصرالحق .وهو عنصر الحماية القانونية الذي يعتبر – في نظرية الحق - العنصر الثالث من عناصر الحق بعد صاحب الحق وموضوع الحق ؛ إذ أن الأول يتعلق بتوثيق الحق وتهيئ الدليل والبينة عليه بينما يتعلق الثاني بسقوطه وإنقضائه . وكلا الأمرين لهما صلة بجوهر الحق المدعى به وبموضوعه .  

 

وثانيا : في مآل الإجراءات السابقة التي كانت قد أنجزت قبل دخول نصي المادتين 5 و6 من القانون الجديد إلى حيز التنفيذ

 

     وإذا كان نص المادة 4 من القانون الجديد للمسطرة الجنائية الذي قلص من أمد التقادم وقصر فيه لا يثير أي إشكال عند من يعتنق الاتجاه القائل بأن قوانين التقادم ذات طبيعة مادية موضوعية . لأن هذا الاتجاه لا يجيز أن يكون لهذه القوانين أثر رجعي إلا بالنسبة للحالة التي تكون فيها هذه القوانين أصلح للمتهم – كما سبق التنويه إلى ذلك أعلاه - . وإذا كان لا يثير كذلك أدنى إشكال بالنسبة لإجراءات التحقيق أو المتابعة التي يكون إجراؤها قد تم من قبل السلطة القضائية أو أمرت بها بعد تاريخ صدوره ،  إلا أن هذا النص قد يثير عدة مشاكل عملية بالنسبة لمن يعتنق الاتجاه الآخر الذي يعتد بالصبغة الشكلية الإجرائية لهذه القوانين ويعتبر هذه النصوص تأسيسا على ذلك واجبة التطبيق بأثر فوري . ومن أهم هذه الإشكالات التي قد تعترضه وقد يلاقي منها عنتا كبيرا مسألة إجراءات التحقيق أو المتابعة التي يكون قد سبق للسلطة القضائية أن أجرتها أو أمرت بها وادت بالتالي إلى قطع أمد التقادم قبل صدور هذه القوانين . فماذا يكون مآل هذه الإجراءات القاطعة للتقادم التي تكون السلطة القضائية قد اتخذتها على نحو صحيح وفي نطاق ما كان يخوله لها القانون السابق قبل صدور هذا القانون الجديد المتعلق بالتقادم . هل يتم الاعتداد بها واعتبارها إجراءات صحيحة وسليمة وذات أثر قاطع للتقادم . فلا يبدأ حساب أمد التقادم من جديد إلا ابتداء من تاريخ هذا الإجراء الأخير الذي انقطع به أمد التقادم وتكون مدته مساوية للمدة المنصوص عليها في المادة 5 ، كما جاءت توصي بذلك مقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 6 سالفة الذكر ؟ أم أنها تعتبر كأن لم تكن ويحسب التقادم من تاريخ ارتكاب الفعل ؟ وتعتبر الدعوى العمومية المتعلقة بالجنحة مثلا متقادمة إذا انصرمت أزيد من أربع سنوات على تاريخ اقترافها ؟

     إن هذا التساؤل يجد مبرره المشروع في أن جل الوكلاء العامين الملك ووكلاء الملك في المغرب إن لم نقل كلهم كانوا يعتبرون ما يتخذونه من أوامر إلى الضابطة القضائية بإتمام البحث أو بالتعجيل به أو نحو ذلك إجراءات قاطعة للتقادم . وكان قضاء الحكم  يسايرهم ويشايعهم في ذلك . رغم أن نص المادة 5 من القانون السابق كان يتحدث عن إجراءات المتابعة أو التحقيق . وكانوا يتوسعون في تفسير عبارة التحقيق ويعطونها معنى واسعا يشمل كل مراحل البحث التمهيدي ومراحل التحقيق الإعدادي بالرغم من أن عبارة التحقيق في قوانين الإجراءات الجنائية لها معنى محدد ودقيق ينصرف إلى إجراءات التحقيق الإعدادي والتكميلي وحدهما ولا يمكن أن يتعداها إلى مرحلة البحث التمهيدي وبالرغم كذلك مما هو مقرر أن المقتضيات الجنائية لا يتوسع في تفسيرها ولا يقاس عليها . وكانوا استنادا إلى ذلك يبدأون في حساب أمد التقادم من جديد ابتداء من تاريخ آخر أمر أصدروه .

     ومن الواضح أن النيابة العامة وقضاة الحكم عندنا بالمغرب إذا لم يرجعوا عن تفسيرهم الموسع غير القانوني الذي كانوا يعطونه لعبارتي إجراءات المتابعة والتحقيق الواردتين في نصي الفصلين 5 و 6   قبل أن يشملهما التعديل الجديد الذي جاء يعرف إجراءات المتابعة والتحقيق والمحاكمة تعريفا دقيقا . فنص على أن المقصود من الأولى ؛ وهي إجراءات المتابعة ، كل إجراء يترتب عنه رفع الدعوى العمومية إلى هيئة التحقيق أو الحكم ، ومن الثانية ؛ وهي إجراءات التحقيق ، كل إجراء صادر عن قاضي التحقيق خلال مرحلة التحقيق الإعدادي أو التحقيق التكميلي ، ومن الثالثة ؛ وهي إجراءات المحاكمة ، كل إجراء تتخذه المحكمة خلال دراستها الدعوى . وإذا ما استمروا في السير على فهمهم السابق لتلك العبارة وعملهم به  بالنسبة للإجراءات التي كانوا اتخذوها في ظل القانون السابق قبل أن يشمله التعديل الأخير ، فإنه سيكون عليهم أن يعتبروا كل إجراء من إجراءات البحث اتخدته النيابة العامة قبل صدور القانون الجديد قاطعا للتقادم , ويكون على المحاكم التي تحال عليها المتابعات على هذا النحو أن تعتد بكل إجراء قاطع للتقادم اتخذ قبل صدور القانون الجديد ، وتعمل الأثر القانوني المترتب عليه . وهو بدء سريان أجل جديد للتقادم ابتداء من تاريخ هذا الإجراء الأخير القاطع لأمد التقادم , وهذا الأجل تكون مدته مساوية للمدة المحددة في المادة 5 من القانون الجديد ,

     ولكن الملاحظ على هذا الاتجاه أنه بالرغم مما له من فوائد عملية تتجلى على وجه الخصوص في أنها توفر حماية ناجعة وفعالة للمتضررين المشتكين وخاصة منهم المتضررين من أفعال اختلاس مبالغ مالية مهمة أو من جرائم إصدار شيكات بدون رصيد ذات قيمة مرتفعة ، وتحول دون إفلات المجرمين من العقاب لمجرد أنهم لا ذوا بالفرار أو أنهم تواروا عن الأنظار طيلة أمد التقادم . وهو ما يتنافى مع قواعد العدالة والإنصاف التي تقوم على أساس المحاسبة وتوقيع الجزاء على الجناة وإنصاف المتضررين من جرائمهم ، إلا أنه – كما سبق البيان – يتنافى مع عبارات النص الصريحة في أنها إنما تتعلق بإجراءات المتابعة والتحقيق كما جاء يوضحها ويفسرها التعديل الجديد ولا تتعلق بغيرها من الآبحاث السابقة عليها . وحبذا لو أن المشرع تدارك ذلك ، وأتى بتعديل يتضمن النص صراحة إدراج إجراءات البحث التمهيدي و الأوامر التي تصدرها النيابة العامة باعتبارها كذلك من مكونات السلطة القضائية بمناسبتها إجراءات قاطعة للتقادم . ما دامت إجراءات المتابعة والتحقيق كما عرفها النص الجديد لا توفر الحماية للمتضررين وتفتح الباب على مصراعيه أمام بعض المجرمين للإفلات من العقاب لمجرد أنهم تواروا عن أنظار العدالة خلال أمد التقادم ليتجنبوا محاكمتهم عما اقترفوه من أفعال وما أتوه من جرائم .    

 

      ثانيا : وجهة نظر بخصوص مقتضيات المادة 250 من المدونة العامة للضرائب

 

     جاءت هذه المادة من المدونة العامة للضرائب تنص بشكل صريح سواء في نصها العربي أو في نصها الفرنسي على إعفاء عدد من العقود والوثائق والمحررات من واجبات التمبر، استثناء من المبدإ العام الذي يخضع أصول جميع العقود والمحررات والدفاتر والسجلات اوالفهارس المنشأة لتكون سندا أو لإثبات حق أو التزام أو إبراء وبصفة عامة لإثبات واقعة أو علاقة قانونية مثلما يخضع الوثائق المنسوخة والنسخ وجميع المستخرجات الأخرى بواسطة التصوير المنشأة لتكون نسخا رسمية أو مستخرجات أو نسخ . وهكذا ورد بهذه المادة ما يأتي : تعفى من واجبات التمبر العقود والوثائق المعفاة من واجبات التسجيل بمقتضى المادة 129 من هذه المدونة بافضافة إلى العقود والوثائق والمحررات التالية : وذكر من بينها في الفقرة IV منها العقود والمحررات القضائية وغير القضائية التي أوضح واضعها أنه يعني بها :

1 - محررات وقرارات الشرطة العامة وكذا الأحكام الزجرية ؛

2 – المقالات والمذكرات وأصول الأحكام القضائية (les minutes des décisions de justice                                                     ) ونسخها التنفيذية (leurs grosses  ) ونسخها الرسمية ( Expéditions ) والعقود القضائية وغير القضائية الصادرة عن كتابة الضبط التي لا تخضع وجوبا للتسجيل والإجراءات المسطرية المقامة من لدن كتاب الضبط أو المفوضين القضائيين وكذا السجلات المميسوكة بمختلف أقسام المحكمة .

ذ – قرارات ومحررات المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات المحدثة بالقانون رقم 62.99 المنظم للمحاكم المالية ومقررات الخازن العام للمملكة وكذا النسخ المصدقة والنسخ الرسمية التي يسلمها المجلس الأعلى للحسابات أو الخازن العام  .

4 -  المحررات المنجزة طبقا لأحكام الكتاب الخامس من القانون رقم 15.95 المنظم للقانون التجاري المتعلق بصعوبات المقاولة .

     وواضح من مقتضيات هذه المادة أن جميع الأحكام الصادرة عن القضاء بجميع أنواعها سواء منها أصول الأحكام ونسخها التنفيذية ونسخها العادية وهي ما يصطلح عليها قانونا بالنسخة الرسمية أو النظامية ويقابلها في النص الفرنسي Expéditions ، تماما كما هو العمل جار بها بالنسبة لعقود الموثقين التي يخضعها قانون التوثيق العصري إلى نفس التقسيم . الواضح من ذلك أن هذه الأحكام أصبحت معفاة من واجبات التمبر ابتداء من تاريخ البدء في سريان قانون المالية لسنة 2011 . لا بل إن هنالك من كان يعتبر - وهو في نظرنا حق في ذلك – أن هذا الإعفاء كانت تستفيد منه هذه الأحكام حتى قبل صدور قانون المالية لسنة 2011 ,ان هذا القانون جاء فقط ليكرس ويؤكد على هذا الإعفاء الذي كانت تتضمنه وتشير إليه مقتضيات الفصل 6 من الملحق رقم 1 بقانون المالية لسنة 1984 المتضمن أحكاما تطبق على المصاريف القضائية في القضايا المدنية والتجارية والإدارية وعلى الإجراءات القضائية وغير القضائية والعقود التي يحررها الموثقون التي جاءت تنص صراحة على ما يلي : " لا يلزم الأطراف بعد أداء الرسم القضائي ومع الاحتفاظ بتطبيق أحكام الجزء الثاني من هذا الملحق بأداء أي مبلغ عن رسوم التسجيل والتنبر ولا أي مبلغ آخر عن القيام بالإجراءات المطلوبة وتحرير العقود القضائية أو غير القضائية ومتابعة الإجراءات أو الدعاوى ومصاريف البريد مهما كان مقدارها .. "

كما أنه لا يخفى الطابع الاجتماعي الذي راعاه المشرع عند إعفاء المتقاضي من واجب التمبر عن نسخ هذه الأحكام . والذي يهدف منه التيسير عليه في اقتضاء حقه باقل النفقات وأيسر السبل واسرعها . وهو ما يتسق مع مبدإ سواسية الناس أمام القضاء وحسن توزيع العدالة بينهم التي لا يمكن أن تتحقق إلا عندما يسود مبدأ مجانية القضاء . الذي يمنع من أن تكون العدالة من نصيب الطبة الميسورة دون غيرها من الطبقات الأخرى المستضعفة التي قد يحول بينها وبين اقتضاء حقها عسرها وقلة ذات يدها . وذلك حتى مع تطبيق نظام المساعدة القضائية الذي لا يستفيد منه إلا النزر القليل من المتقاضين وبعد سلسلة من الإجراءات يلجأون إليها من أجل الحصول عليها . وقد تكلفهم في الكثير من الأحيان أكثر من رسوم التسجيل والتمبر التي تتطلبها إجراءات الدعوى . 

     ولكن الملاحظ – للأسف - أن أغلب المحاكم بمختلف درجاتها وأصنافها ما تزال مع ذلك تمتنع من تسليم نسخ الأحكام العادية إلى من له الحق فيها إلا إذا أدلى لها بتنبر من فئة خمسة دراهم عن كل صفحة من صفحاتها . رغم وضوح شمولها بالإعفاء من واجبات التنبر من ناحية . وبالرغم كذلك ما هو مقرر قانونا من أن واجبات التمبر تندرج ضمن الضرائب المفروضة على بعض الخدمات . ولا ضريبة إلا بنص من ناحية أخرى . لا بل رغم ان الفصل 244 من القانون الجنائي اعتبر كل موظف عمومي يأمر بتحصيل ما يعلم أنه غير مستحق أو أنه يتجاوز المستحق سواء للادارة العامة أو للأفراد  الذين يحصل لحسابهم أو لنفسه خاصة يعاقب بالعقوبات المقررة في الفصل السابق الذي جرم فعل الغدر وعاقب عليه بالحبس من سنتين إلى  خمس وبغرامة من خمسة ىلاف درهم على مائة ألف درهم . وضاعف هذه العقوبة إذا كان المبلغ يفوق مائة ألف درهم "  .

 

     وبعد ، فهذه بعض إشكاليات عرضنا لها . وحرصنا ألا نطيل الكلام قيها . وذلك لتكون فقط مجرد أرضية لنقاش هادف نتمنى ألا يخلو من خصوبة ومتعة . وسيكون لنا - إن شاء الله - مواعيد أخرى مع إشكالات عملية أخرى في المقبل من المقالات .

بقلم ذ محمد فجار
نقيب سابق لهيأة المحامين بالجديدة
 


أعلى الصفحة