قانون الأسرة

بقلم ذ إلياس الهواري احبابو
طالب باحث في صف الدكتوراة بكلية الحقوق بطنجة
تحت عدد: 538
تمهيد
نوقشت يوم السبت 28 يوليوز 2017 من داخل

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص في موضوع "وضعية المرأة المغربية على ضوء منهاج عمل بيجين". وهو موضوع بكر لم تعبده أقلام الباحثين. حضر هذا اللقاء القانوني/الحقوقي نخبة من رجال القانون داخل المغرب من دكاترة وأساتذة ومسؤولین قضائیین وقیادات بارزة في نادي قضاة المغرب والمحامین وطلبة وممارسين وباحثین وفاعلین من المجتمع المدني والإعلام المهتمين بالشأن القانوني والحقوقي، إضافة إلى اللجنة العلمية التي ناقشت الرسالة والمكونة من الدكتور عبد الخالق أحمدون أستاذ التعليم العالي نائب عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة رئيسا ومشرفا، الدكتور محمد الكشبور أستاذ التعلیم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البیضاء وأحد أقطاب قانون الأسرة والقانون المدني بالمغرب، والدكاترة: دة/ وداد العيدوني أستاذة التعلیم العالي بكلیة الحقوق بطنجة، وعضوة في المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ، د/ الدكتور عبد الله أشركي أستاذ التعلیم العالي رئيس شعبة القانون الخاص بكلیة الحقوق بطنجة، د/ أحمد الجباري الأستاذ المؤھل بنفس الكلیة أعضاء.

حصل الباحث أنس سعدون بعد المناقشة التي استمرت زهاء أربع ساعات على درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع تنويه خاص بالأطروحة. وقد علقت الدكتورة وداد العيدوني على الأطروحة بهذه العبارات التي تثمن مجهود الباحث. قالت مخاطبة الباحث أنس سعدون: " لقد توسمت فيك القدرة على التحمل وكسبت الرهان"، كما قال عنه الدكتور عبد الخالق أحمدون بمناسبة ترأسه للجنة : "أنس سعدون نموذج للباحث العصامي الجاد الذي ينحت طريقه في صخر. فقد أشرفت على بحثه وأدرك الصعاب التي سلكها، ولكني كنت دائما أثق في قدراته.".

ومما لاشك فيه أن هذه الدراسة الأكاديمية في مجال السياسة الحقوقية بالمغرب عموما والسياسات الوطنية المرصودة للنهوض بوضعية حقوق النساء على وجه الخصوص في الجامعة ستعزز الحقل القانوني عموماً والذي كان في أمس الحاجة إلى مثل هذا العمل القيم الجاد، لا لأنه لم تنجز دراسات وبحوث في هذا المجال، لأننا نعلم أن هناك دراسات قيمة سابقة[1]، وإنما باعتبار هذه الأطروحة، التي نحن بصدد قراءتها، إضافة نوعية لها من الأهمية والقيمة والجدوى ما لا يخفى على الأساتذة والطلبة الباحثين والمختصين.. فما حظ هذه الورقات من تلك الدراسات الرائدة واللاحقة في مضمار الاستثمار في قدرات المرأة وتمكينها والإسهام في مواجهة مشكلاتها.

يجيبنا الدكتور أنس سعدون قائلا: " إضافة إلى اتساع مجال البحث، وكثرة المواضيع والإشكالات المتعددة والمختلفة التي يطرحها حرصت على أن يكون لهذه الموضوع نوع من التميّز الموضوعي، إذ أن جانبا مهما من الدراسات التي تناولت الموضوع يخضع لتأثيرات سياسية وإيديولوجية متنوعة، دون محاولة تحليل إعلان ومنهاج العمل الذي تبناه، أو إخضاعه للدراسة العلمية الدقيقة المجردة من أي خلفيات أو أفكار جاهزة مسبقة"[2].

الأستاذ / الدكتور أنس سعدون

مزداد بمدينة القصر الكبير بتاريخ 06 أبريل 1983، استنشق أول أريج التعليم بابتدائية واد المخازن (1989)، ثم الثانوية الإعدادية بالقصر الكبير (1995)،  فالثانوية التأهيلية بمدرسة المحمدية بالقصر الكبير (1998)، بعد ذلك حلق به البحث العلمي إلى مدينة طنجة ليكمل دراسته الجامعية، حيث حصل على الإجازة في القانون الخاص (2005)  ثم دبلوم الدراسات العليا المعمقة في قانون الأسرة المغربي والمقارن (2007)، ليتوج رحلته العلمية بشهادة الدكتوراه بوحدة التكوين والبحث في قانون الأسرة المغربي والمقارن (2017).

ويعتبر من بين القضاة البارزين في نادي قضاة المغرب، والمؤسسين للمرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية. وقد لفت إليه الانتباه في الآونة الأخيرة بفضل عدد من كتاباته ومساهماته العلمية التي تتناول موضوع إصلاح القضاء، والتي تم نشرها بعدة منابر إعلامية وطنية ودولية.

من أهم ماقدم الأستاذ والقاضي الدكتور أنس سعدون للساحة القانونية:

"قراءة في النسخة الجديدة من مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء"، "قراءة أولية في قانون مكافحة الاتجار بالبشر"، تقرير عن "ندوة دولية مقاربات مكافحة الظاهرة الارهابية"، "قراءة في أسباب احتجاج نادي قضاة المغرب"، "الجمعيات العامة للمحاكم بالمغرب الواقع والآفاق: تغييب المقاربة التشاركية واستئثار المسؤول القضائي وبعض المقربين منه بجدولة الجمعية العامة.. "استقلال النيابة العامة الآن" "المجلس الأعلى للسلطة القضائية"...

وبكل الاعتزاز والفخر، يسعدني أن أقدم للباحثين والمهتمين بالشأن القانوني والحقوقي تقريرا موجزا عن رسالة الدكتوراه التي قدمها الباحث أنس سعدون أمام لجنة المناقشة.

تشمل الدراسة، التي تقع في 592 صفحة على مجموعة من الموضوعات، ويبدو من خلال هيكلها العام أنها مؤطرة في بابين كبيرين، كل باب يضم فصول ومباحث وفقرات طويلة استهلها المؤلف بمقدمة قصيرة رسم فيها الأهداف العامة للبحث.

 

أولا: التقرير

ومن المؤكد أنه مهما حاولنا في هذا العرض المبسط الإلمام بمختلف مباحث هذه الدراسة الواسعة فلن نستطيع ذلك نظراً لغزارة المادة والكم الهائل من القضايا والإشكالات المعالجة، الأمر الذي يجعلنا نقف عند بعضها دون البعض الآخر.

مقدمة:

قد لا نجد قضية أسالت الكثير من المداد عبر التاريخ الحديث والمعاصر، وشغلت عقول  الفلاسفة والعلماء والمفكرين والباحثين مثل قضية المرأة ، لكونها نصف المجتمع تقريبا من الناحية العددية ، ولخطورة دورها الذي تلعبه في النواحي التربوية والسلوكية والمجتمعية، لذلك نجد الكتابات في هذا الموضوع اتخذت أبعادا دلالية عدة وأنساقا فكرية شتى ، كل قلم بحسب منطلقاته وأهدافه يسعى إلى أن يجد له موقعا ضمن خارطة البحث والدراسة.

ولقد لعبت منظمة الأمم المتحدة دورا كبيرا وفعالا في التعريف بقضايا المرأة ومشاكلها، والدفاع عن مصالحها وحقوقها؛ خصوصا بعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أكد في ديباجتها على تساوي الرجال والنساء في الحقوق، ونبذ جميع أشكال التمييز القائمة على أساس الجنس.[3]

كما صدرت العديد من الاتفاقيات الدولية التي تؤكد على نفس المقتضيات، وفي المقابل اهتمت منظمة الأمم المتحدة بتنظيم مجموعة من المؤتمرات الدولية، بغية الدفاع عن ضرورة احترام حقوق المرأة، وتسليط الضوء على أوجه عدم مساواة النساء أمام القانون، وضعف استفادتهن من قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والشغل.

وبدأت سلسلة المؤتمرات الخاصة بالمرأة سنة 1975، وهو تاريخ انعقاد مؤتمر مكسيكو الذي أعلن الفترة العشرية الممتدة ما بين سنتي 1976 و 1985 عقدا أمميا للمرأة، وفي سنة 1980 انعقد مؤتمر كوبنهاجن تحت شعار "عقد الأمم المتحدة للمرأة العالمية، المساواة، والتنمية، والسلم" كما انعقد سنة 1985 مؤتمر نيروبي الذي أصدر وثيقة "استراتيجية العمل الاستشرافية لنيروبي بشأن النهوض بالمرأة حتى عام 2000". حيث بات التركيز على قضايا المرأة جزءا أساسيا من خطاب التنمية في الدول المتقدمة[4] والدول النامية على السواء، ولقد عبرت في هذا الصدد عديد من المؤتمرات الدولية، مثل مؤتمر القاهرة، ومؤتمر بيجين حول المرأة، وبيجين +5، وبكين +10 عن دعمها لقضايا المرأة في جميع المجالات، وبذل الجهود لإقرار المساواة في جميع السياسات والبرامج، بما ينسجم ومقررات الأمم المتحدة، وتوسيع نطاق مشاركة المرأة بشكل يراعي الفوارق بين الجنسين في السياسات والبرامج. ويضمن فرصا متساوية للمرأة في الحصول على التعليم والتدريب، ودعم الجهود الوطنية المبذولة من أجل النهوض بالمرأة في البلدان النامية، وبخاصة في أفريقيا وفي البلدان الأقل نموا.

ولقد عرف المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات أساسية مست مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بحيث أصبح الوضع المتجدد للنساء داخل المجتمع يؤهلهن للقيام بأدوار إيجابية وفعالة فيه ويبين قدراتهن العالية وإمكانياتهن الخلاقة[5]. ومعها أصبحت المعرفة بهذه القضية مطلبا أكثر إلحاحا من ذي قبل ، خاصة أن هذه القضية لا تقتصر على مسألة الحقوق  والواجبات  فحسب، إنما هي أعمق بكثير من ذلك ، إذ أن الفهم لهذه القضية يمكن أن ينسحب على النظرة إلى العالم وحركة التاريخ والأفكار والجغرافيا. وكل الأسس المعرفية المكونة للمحيط البيوثقافي للمرأة.

وبعد توطئته لموضوع الأطروحة، عمد الباحث إلى ذكر أهمية الموضوع وأهدافه وتحري الإشكالات التي يطرحها بطريقة منظمة وأسلوب متعارف عليه بالاعتماد على منهج البحث العلمي في التقصي والاستقراء واستنباط النتائج. وهو ما ينعكس على البحث في إبداعه، ومحاولة الإحاطة بكل جوانبه، وتميزه في نتائجه وتوصياته.


الباب الأول: حصيلة الملاءمة مع منهاج عمل بيجين

ينتقل قارئ البحث إلى القسم الأول المخصص لحصيلة الملاءمة مع منهاج عمل بيجين وأهميته التي تتمثل في كونه "يشكل إلى جانب اتفاقية السيداو الشرعة العامة لحقوق النساء في العالم، حيث أصبح رهان الحكومات ينصب على بحث سبل ملاءمة التشريعات والاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بالمرأة مع المعايير الخاصة بهذا المجال ولاسيما تلك المتعلقة بمنهاج عمل بيجين واتفاقية السيداو، فالملاءمة في مفهومها العام تهدف إلى الربط بين الإجراءات المتخذة لتحقيق توافق بين السياسة والقانون الوطنيين ومضامين التشريعات الدولية المصادق عليها، وجعل التشريعات الوطنية مواكبة لمستجدات التحولات العالمية في مجال الحقوق والحريات الأساسية. وفي هذا الإطار، فإن المغرب باعتباره عضوا نشيطا في المنظمات الدولية دأب على بذل مختلف الجهود من أجل ملاءمة تشريعاته مع الاتفاقيات الدولية عامة والاتفاقيات المتعلقة بحقوق المرأة على وجه الخصوص، ومن بينها اتفاقية السيداو ومنهاج عمل بيجين."[6] ثم إنه " يطرح عدة إشكاليات حول حصيلة الجهود الوطنية المبذولة من أجل الوصول إلى ملاءمة الوضع الحقوقي للمرأة المغربية مع المعايير الدولية ذات الصلة."[7]

ومن ضمن المباحث المهمّة في هذا القسم المبحث المتعلق بواقع الحماية الأسرية للمرأة المغربية حيث أكد الباحث في هذا السياق إلى أن نصوص مدونة الأسرة التي تتكون من 400 مادة "جاءت لتعيد التوازن داخل الأسرة المغربية وتضع حدا للحيف الذي كان يمس وضعية المرأة على مدى عقود، مع تعزيز الحفاظ على مصلحة الطفل الفضلى، وتكريس قيم المساواة بين الزوجين على مستوى المسؤولية العائلية، وعلى مستوى الحقوق والواجبات، فضلا عن الموازنة بين المرجعيات المتعددة التي تؤطر الأسرة المغربية من خلال الوفاء لروح ومبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء، والانفتاح أيضا على المرجعية الدولية التي تتأسس على المعايير الدولية التي تعتمد أساسا على مبدأ المساواة وعدم التمييز".[8]

ولقد بات من المؤكد أن المرأة تشغل مكانة محورية في بناء الأسرة والمجتمع، فهي التي تشكل أساسها القاعدي، وهي التي تتولى الحفاظ على الأسرة وأحيانا إعاشتها، إضافة إلى أنه يقع على عاتقها عبء القيام بالتنشئة الاجتماعية، ومن ثم الحفاظ من خلالها على تراث الأمة، ونقله من خلال هذه العملية من الجيل إلى الجيل الذي يليه. إلى جانب أن مكانتها من نوع المكانات الكثيفة الأدوار، فهي الأم والزوجة، وهي التي ترعى نوعية حياة أسرتها من كل الجوانب؛ كرمتها الأديان والدين الإسلامي بخاصة حينما أكد تارة من خلال التذكير بأنها "السكن" وتارة أخرى من خلال التأكيد على أن "الجنة تحت أقدامها"، بحيث نجد أن القراءة الواعية تراثنا الديني –الذي شكل قاعدة ثقافة مجتمعاتنا- في مواثيقه الأساسية وفي تفسيراته، سوف تدفعنا إلى إدراك المكانة العالية التي منحها تراثنا للمرأة، وهي المكانة التي عجزت أكثر الحضارات أو الثقافات العالمية تقدما عن أن توفر مضامينها المنصفة.

غير أننا نلاحظ على الساحة الاجتماعية في الوقت الحاضر جدل دائر حول قضايا تتعلق بالمرأة، تقدم أطرافه وجهات نظر تنطلق من أطر حضارية وثقافية متباينة، سواء فيما يتعلق بالحقوق التي ينبغي أن تتمتع بها المرأة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أو فيما يتعلق بالشروط التي تيسر للمرأة القيام بأدوارها كاملة في المجتمع، أو فيما يتصل بالمواطنة الكاملة التي ينبغي أن تتبع بها المرأة، أو ما يشير إلى أهمية المساواة بين الرجل والمرأة في مختلف الأصعدة والمستويات.[9]

فالمساواة بين الجنسين في الفرص والمعاملة هي حجر الأساس لكل مجتمع ديموقراطي يؤمن بحقوق الإنسان ويتوق إلى العدل الاجتماعي، وهي تفيد منح فرص متكافئة للجميع، والمساواة في حد ذاتها هدف ووسيلة يمنح بموجبها للطرفين نفس الفرص والمعاملة في ظل القانون، وذلك للتمتع بحقوقهما وتنمية مواهبهما ومهاراتهما ليتمكنوا من المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستفادة من نتائجها[10].

ولقد أدت المكتسبات التي حققتها المرأة على المستور التعليمي والثقافي إلى تحقيق مكتسبات أخرى، وذلك بتنامي حضورها ومشاركتها في الحياة الاقتصادية والعامة سواء على المستوى الحضري أو القروي.

إن إقرار هذه الحقوق- يقول الباحث- لم يأت بشكل فجائي أو في ظرف وجيز، وإنما جاء نتاج تراكم نضالات ومجهودات سنوات عديدة بالمطالبة بحقوقها من منظور إنسانيتها –كونها إنسانا- شأنها شأن الرجل، ومن كونها تساهم في إدارة شؤون مجتمعاتها مثلها مثل الرجل، ومن كون مواثيق حقوق الإنسان تتناول عددا كبيرا من الحقوق تتعلق بالمرأة بشكل خاص وبالأسرة وبالطفل، فضلا عن كون العديد من النساء قد حظين بتعليم مماثل ومتفوق في بعض الأحيان للتعليم الذي حصل عليه الرجل. وإذا كانت المرأة قد نجحت في العديد من دول العالم في نيل قسط من حقوقها من منظور حقوق الإنسان، إلا أنها ما لبثت أن أدركت أن تفعيل هذه الحقوق على أرض الواقع لا يتوقف على منح الحق فقط، وإنما يرتبط بشكل وثيق ببرمجة تلك الحقوق وإحداث تحول في الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدولة بما يسمح بإعمال هذه الحقوق التي تعنى بتمكين المرأة ومناهضة كافة أشكال التمييز التي قد تستهدفها.[11]

وعليه، فالمرأة المغربية تشارك في الحياة العامة وفى طريقها لأن تصبح مشاركة مؤثرة. وبتزايد دخول المرأة مجال العمل والجامعة في المغرب يزداد فهمها لحقوقها كمواطنة مغربية وإسهامها في مجتمعها سياسيا واقتصاديًا واجتماعيا. فالمرأة المتعلمة مرشدة للمرأة الشابة في بلادها. وسعيها لتحقيق المساواة في الثقافة التقليدية يعطي الأمل لأجيال المستقبل بأن أحلامهن يمكن أن تتحقق.

ولقد حققت المرأة مجموعة من المكتسبات القانونية، لعل أبرزها تعزيز مظاهر الحماية بإصدار تشريعات جديدة على رأسها قانون الأسرة، إضافة إلى قانون الجنسية، وفي نفس الوقت عرفت مجموعة من الفصول تعديلات في القانون الجنائي ومدونة التجارة، وظهير الالتزامات والعقود إضافة إلى مدونة الشغل وقانون المسطرة المدنية... وتهدف هذه الإصلاحات إلى إلغاء المقتضيات القانونية التمييزية ضد المرأة[12].

كما استهدفت هذه المجهودات مجموعة من السياسات العمومية ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بوضع المرأة المغربية ومن بينها السياسات المتعلقة بقطاع الصحة والتعليم والشغل والاقتصاد والإعلام، لأن النهوض الحقيقي بأوضاع المرأة لن يتحقق إذا تم الاقتصار على مراجعة التشريعات المتصلة بالحقوق المدنية والسياسية وإنما لابد من الاهتمام أيضا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهو الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز مكانتها بشكل أكبر عموما. ويثير الإشكال المتعلق بحقوق الإنسان عامة في علاقته بين المعطى الكوني والخصوصيات المحلية خصوصا. أي الخيار بين المطابقة المطلقة بين النموذج الدولي الذي تضعه المؤتمرات الدولية التي تناولت موضوع المرأة، والمطابقة المقيدة المستندة على مبادئ الشريعة الإسلامية التي تمثل مظهرا من مظاهر النظام العام بالمغرب وأحد أبرز مكوناته.[13]

 


الباب الثاني : حدود وآفاق الملاءمة مع منهاج عمل بيجين

أما الباب الثاني من هذه الدراسة فعنونه صاحبها ب"حدود وآفاق الملاءمة مع منهاج عمل بيجين". والذي تطرق فيه إلى أهم الإشكالات التي يثيرها موضوع حقوق الإنسان عامة وعلى رأسها تلك المتعلقة بكيفية تنزيل المقتضيات الدولية المحددة للوضع الحقوقي للمرأة على صعيد التشريعات والسياسات الوطنية. إذ أنه رغم أن منهاج عمل بيجين أقر عددا من الإجراءات والتوصيات الكفيلة بتمكين المرأة فإن تنزيلها على أرض الواقع يطرح إشكالا عميقا يتعلق بأي نموذج تنموي نرتضيه لتمكين المرأة على المستوى الوطني. الأمر الذي دفع الباحث إلى الإجابة عن هذا الإشكال في فصلين اثنين؛

تحدث في الفصل الأول عن حدود الملاءمة مع منهاج عمل بيجين، حيث لا يزال هذا الأخير –على أرض الواقع المغربي- يواجه بعدد من المعوقات التي تتعلق بالأساس في الفضاءات التي تنشأ فيها العلاقات بين الجنسين من جانب، وموقع المرأة من السياسات العمومية خاصة في القطاعات الأكثر حساسية من منظور الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية، وبالأخص قطاعات التعليم والصحة والإعلام والاقتصاد.

أما في الفصل الثاني فقد تحدث عن آفاق الملاءمة مع منهاج عمل بيجين ودور الآليات العمومية والاستراتيجية في تشخيص المعوقات، و تحقيق تلك الغايات داخل آجال محددة وتقييم حصيلة المنجزات والإكراهات المسجلة بهذا الصدد، وعن دور الآليات المؤسساتية(المبحث الأول) في إلغاء كل مظاهر التمييز ضد المرأة وتحقيق المناصفة بينها وبين الرجل، والتشريعية (المبحث الثاني) في النهوض بوضعية المرأة من خلال مراجعة التشريعات وتطويرها بشكل يكفل تحقيق ملاءمة الوضع الحقوقي للمرأة المغربية مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعرفها المغرب ومع التزاماته الدولية، خاصة بالنظر إلى التيار المدافع عن فكرة كونية حقوق المرأة باعتبارها جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان، وهو التيار الذي استفاد من النقلة النوعية التي تحققت بفضل المصادقة على دستور 2011 بكل حمولته الحقوقية الكبيرة المنفتحة بشكل ملحوظ على المرجعيات الدولية.

وفي هذا الإطار – يقول الباحث- "كشفت حصيلة التراكمات التي حققها المغرب في سبيل إعمال منهاج عمل بيجين عن وجود عدة معوقات تحول دون التطبيق الأكمل للوثيقة الدولية، وهو ما يبدو من خلال الحدود التي وقفت عندها عملية الملاءمة، وهي حدود تختلف بين تلك الحدود المرتبطة بالسياسات العمومية والتي لا تزاتل تحتاج إلى بذل جهود مضاعفة للنهوض بوضعية المرأة المغربية، وتتمثل في الإشكاليات التي تواجه وضع النساء الصحي والتعليمي ومكانتها في وسائل الإعلام المختلفة وفرص مشاركتها في الوصول إلى مراكز صنع القرار الاقتصادي والسياسي، إلى جانب حدود أخرى تتعلق بطبيعة الوثيقة الدولية التي تعكس في بعض جوانبها رؤية معينة لحقوق الإنسان وحقوق المرأة، وهي نظرة لا تقيم اعتبارا للدين والقيم كمجالات ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان. وهنا يطرح الإشكال العميق المتعلق بالملاءمة، ففتح المجال على مصراعيه للعلاقات الجنسية الحرة دون اعتبار قداسة عقد الزواج كعقد نظمته كل الشرائع السماوية، والدعوة إلى إباحة الإجهاض بشكل يغتال حق الجنين في الحياة، والدعوة أيضا إلى المساواة الميكانيكية المطلقة بين المرأة والرجل بشكل قد يؤدي إلى اغتيال أنوثة المرأة، هي عراقيل بنيوية تحول دون الإعمال الكامل للمواثيق الدولية ومن بينها تلك المعايير المنصوص عليها في منهاج عمل بيجين التي شكلت محط تحفظ من طرف المغرب وأغلب البلدان العربية والإسلامية".[14]


ثانيا: خلاصات ونتائج

تضمنت خلاصة الأطروحة عددا من التوصیات أھمھا: [15]

v               على مستوى القضاء : إنشاء محكمة الأسرة مستقلة عوض الاكتفاء بأقسام تابعة للمحكمة الابتدائیة من أجل تمكین الأسر المغربیة من الضمانات التي یخولھا القضاء المتخصص، مع الاھتمام بالبنیات التحتیة وتأھیل الموارد البشریة وتوفیرھا بشكل یجعلھا تتلاءم مع متطلبات القضایا المعروضة وتفادي البطء، ودعم التكوین المستمر للقضاة وكافة المتدخلین في المجال، وتوفیر برامج إلزامیة في مجال حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي؛

-                    تقویة آلیة مؤسسة الصلح وإدماج الوساطة :

-                   تقویة دور النیابة العامة في قضایا الأسرة :

-                   إحداث مكاتب الارشاد والتوجیه داخل محاكم الأسرة ومراكز للإرشاد القانوني والقضائي خارج فضاءات المحاكم:

v                على مستوى قانون الأسرة: مراجعة قانون الأسرة وإدخال تعدیلات تستھدف تقویة القواعد الحمائیة للمرأة والطفل ؛

v               على مستوى القانون الجنائي: التعجیل بإصدار قانون جنائي جدید یستجیب للتحولات التي طرأت على المجتمع المغربي والتي ھمت وضع المرأة والأسرة على حد سواء والتعجیل بإصدار قانون إطار لمناھضة العنف ضد المرأة .

v               على مستوى قانون الشغل: إصدار المراسیم التطبیقیة لقانون العمال المنزلیین الذي نشر مؤخرا في الجریدة الرسمیة مع إلغاء الاستثناء الذي یسمح بتشغیل الأطفال كعمال منزلیین خلال فترة انتقالیة؛

v               على مستوى الإعلام: مراعاة النوع الاجتماعي في إصلاح قانون الصحافة وعلى الخصوص حرصه على تحسین وضعیات النساء في المؤسسات الإعلامیة وتوفیر إمكانیات تعزیز قدرات النساء الصحافیات بما یضمن وصولھن إلى مراكز القرار داخل فضاء الإعلام، ومحاربة الصورة النمطیة السلبیة للمرأة في المشھد الإعلامي.

 

ثالثا: الآفاق التي يفتحها البحث

 لسنا ندعي أن بحثنا/ قيد القراءة قد استنفد جميع الإشكالات التي تثيرها وضعية المرأة المغربية على ضوء منهاج عمل بيجين، فالنتائج التي انتهت إليها هذه الدراسة يمكن أن تكون منطلقات لأبحاث أخرى تتولى وصف وتفسير هذه الوضعية من زوايا مختلفة. ذلك أننا نسلم بأن النھوض بأوضاع المرأة المغربیة لن یتحقق بمجرد إقرار مساواة میكانیكیة بینھا وبین الرجل، فتحویل المرأة من كائن تابع مستلب لمنظومة فكریة ومؤسسة ذكوریة تحاصره قیم مزدوجة المعاییر إلى إنسان حر مستقل لن یتم دون إعادة النظر في المفاھیم السائدة، والوقوف عند العراقیل الإیدیولوجیة والمنھجیة التي تحول دون الاعتراف بدور المرأة لیس فقط داخل المجتمع المغربي بل داخل المجتمعات العربیة والإسلامية.[16]

ولقد حاول هذا البحث أن يختبر مدى نجاح آليات ومرتكزات وضمانات الممارسة العملية لملاءمة وضع المرأة المغربية مع الاتفاقيات الدولية خاصة تلك المرتبطة بتطبيق منهاج عمل بيجين بوصفه خطة عمل عام وشمولي للارتقاء بوضعية النساء في المغرب. ونعتقد أن هذا الإشكال أجاب عنه الباحث من خلال إبرازه حصيلة كفاح المرأة المغربية من أجل إقرار مبدأ المساواة بينها وبين زميلها الرجل، ووجوب تعزيز النصوص الحمائية لها، وتمكينها اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وإعلاميا.. وفي ميادين الحياة كلها.

كما أن النھوض بأوضاع المرأة یتطلب الانتقال من مجرد الاكتفاء بتحدید الأھداف إلى وضع الوسائل الكفیلة بتمكین المرأة وتنمیة قدراتھا وبالأساس الاشتغال على نفس الوسائل التي لطالما استغلت لترسیخ دونیة المرأة واستلابھا وعلى رأسھا النظام التعلیمي الذي لا یزال ورغم كل الجھود المبذولة یسھم في إنتاج نفس القیم والأنماط السلوكیة المنتقدة، بل ویؤدي إلى ذات الظواھر السلبیة التي لطالما أسھمت في دونیة المرأة وعلى رأسھا استفحال ظاھرة العنف القائم على النوع الاجتماعي وتزویج القاصرات.[17]

وبذلك ينتهي صلب هذه الرسالة العلمية القيّمة والتي ذيلها المؤلف بقائمة مطولة للائحة المصادر والمراجع مما يجعله من أهم مصادر البحث في مجال تنسيق التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال النهوض بالحقوق الأساسية للنساء مع الحفاظ على الهوية والقيم السائدة في البلد. 

قائمة المراجع المعتمدة

 

-        إدريس الفاخوري: المركز القانوني للمرأة المغربية، مطبعة الجسور وجدة (بدون ذكر الطبعة) 2002.

-        أنس سعدون: وضعية المرأة المغربية على ضوء منهاج عمل بيجين، ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة الجامعية: 2016-2017.

-        سوق الشغل والنوع، المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي بباريس، قضايا اللامساواة بين الرجل والمرأة، مكانة المرأة في المجتمع، 2005.

-        محمد مهداوي: الأمم المتحدة ودعم حقوق المرأة في المغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الخامس، أكدال، الرباط، 2001-2002.

-        المحمودي فريدة، إشكالية ممارسة الحق في الشغل على ضوء قانون الشغل المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، جامعة محمد الخامس، أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2000-2001.

-        نجلاء أحمدون: الاستراتيجية الوطنية للتنمية الأسرية على ضوء الأهداف الإنمائية للألفية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة الجامعية: 2014-2015.


صورة لواجهة الكتاب




[1] - على سبيل المثال لا الحصر نذكر:

- نجلاء أحمدون: الاستراتيجية الوطنية للتنمية الأسرية على ضوء الأهداف الإنمائية للألفية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة الجامعية: 2014-2015.

- محمد مهداوي: الأمم المتحدة ودعم حقوق المرأة في المغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الخامس، أكدال، الرباط، 2001-2002.

[2] - أنس سعدون: وضعية المرأة المغربية على ضوء منهاج عمل بيجين، ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة الجامعية: 2016-2017  ص 6.

[3] - محمد مهداوي: مرجع سابق، ص 82.

[4] - سوق الشغل والنوع، المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي بباريس، قضايا اللامساواة بين الرجل والمرأة، مكانة المرأة في المجتمع، 2005، ص52.

[5] - إدريس الفاخوري: المركز القانوني للمرأة المغربية، مطبعة الجسور وجدة (بدون ذكر الطبعة) 2002، ص: 3.

[6] - أنس سعدون: ص 8.

[7] - أنس سعدون: ص 8.

[8] - أنس سعدون: ص 110-111.

[9] - نجلاء أحمدون: مرجع سابق، ص617.

[10] -المحمودي فريدة، إشكالية ممارسة الحق في الشغل على ضوء قانون الشغل المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، جامعة محمد الخامس، أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2000-2001، ص: 158.

[11] - أنس سعدون: ص 263.

[12]- نفسه.

[13] - نفسه

[14] - أنس سعدون: ص 528.

[15] - أنس سعدون: ص 532 وما بعدها.

[16] - أنس سعدون: ص 532.

[17] - نفسه.

بقلم ذ إلياس الهواري احبابو
طالب باحث في صف الدكتوراة بكلية الحقوق بطنجة
 


أعلى الصفحة