قانون الأسرة

بقلم ذ إسماعيل عادل
طالب باحث في ماستر التقنيات البديلة لحل المنازعات بالمحمدية
تحت عدد: 762
إن التطور الذي أصبحت تعرفه الحياة من مختلف جوانبها، سواء من الجانب الاجتماعي أو الاقتصادي ، تجعل العلاقات بين أفراد المجتمع تزداد تشعبا وتعقيدا،

وبما أن الإنسان كائن إجتماعي بطبعه، فهو يصر دائما إلى الدخول في علاقات، أي أنه لا يستطيع العيش بمفرده وبمعزل عن الأخر، وكلما إزدادت هذه العلاقات اتساعا وتداخلا، إزدادت معه إمكانية اصطدام مصالح الأفراد، نظرا للطابع الأناني الذي هو فطرة في البشرية، والفقه والقانون يرصدان بإستمرار هذا التطور والتغيير، حريصان على عدم وقوع هذا الإصطدام ومع كل هذا فقد يحدث أن يتعدى البعض على حقوق البعض الآخر ظلما وعدوانا بدون وجه حق، وبهذا فكل من أعتدي على حقه تستقبله القاعدة الفقية المنصوص عليها في قانون الإلتزامات والعقود في فصله 399 والتي مفادها أن البينة على المدعي، وقبلها نص عليها الشرع الحكيم بإعتبار الأصل هو براءة الذمة وعلى من يدعي العكس إثبات ذلك، لهذا كان على من يدعي حقا أن يثبته، ومن بين الوسائل التي تثبت بها الحقوق الكتابة، التي اعتنى بها الفقهاء وأدى الاهتمام بها إلى ظهور علم التوثيق العدلي الذي لعب دورا كبيرا في حفظ الحقوق وإثبات المعاملات، سواء كانت مالية تتعلق بالتجارة والكسب، مثل البيع والشراء، أو كانت قربة لله تعالى مثل الهبة والصدقة والوقف، أو تتعلق بالأسرة مثل الزواج والطلاق وغيرها كثير.

وأمام تعدد في المعاملات والتشعب في العلاقات وتنازع في المصالح أصبحنا معه في حاجة ماسة إلى إطار قانوني السليم ووجيه وأناس وأطر مخول لهم قانونا ضبط تصرفات، وضمان حقوق الناس، ولاشك أن مؤسسة التوثيق العدلي هي المؤهلة للعب هذا الدور في المجتمع،الذي يعتبر دعامة أساسية للقضاء العادل والنزيه، وخطة العدالة تشكل أحد المحاور الأساسية في منظومة العدالة باعتبارها مهنة تهدف إلى توثيق الحقوق والمعاملات والحفاظ على الأعراض والأنساب والتمكين من وسائل الإثبات التي بفضلها يتأتى للقضاء فض النزاعات وفصل الخصومات، ناهيكم عن مساهمتها في التنمية العقارية والاقتصادية والاجتماعية، كما لا يخفى عليكم أيضا، أن هذه الخطة تعتبر موروثا ثقافيا وحضاريا استمر التعامل في إطارها لعدة قرون وشكلت على الدوام واحدة من خصائص المملكة المغربية التي تتميز عن باقي الدول الإسلامية من حيث تنظيمها وضبطها وفاعلية أدائها.

ورغم ما يميز هذه المهنة من أصالة وعراقة، فإن المشرع المغربي لم يفته عبر مراحل متعددة التدخل من أجل تقنينها وتأطيرها قانونيا، بتحديد مجال إعمالها وأساليب ممارستها وشروط ولوجها، وهو ما تم عبر إصدار عدد من الظهائر الشريفة:
-ظهير 07 يوليوز 1914- ظهير 23 يونيو 1938- ظهير 07 فبراير 1944
- ظهير 06 ماي 1982
-وأخيرا ظهير 14 فبراير 2006 بتنفيذ القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة المطبق حاليا. والذي جاء بأهم
مستجد عبر عنه القانون في إلغاء شرط الذكورة لولوج خطة العدالة لكون ، توثيق عقود الزواج والطلاق وغيرها، كلها أمور كانت تتم من طرف "العدول"، قبل أن يُزف الخبر إلى النساء بإمكانية ممارسة مهنة "عدولة" بناء على قرار ملكي، بعد أن ولجن إلى مجموعة من المهن التي ظلت حكرا على الرجال.
ولعل إعطاء الضوء الأخضر للنساء وفتح الباب على مصارعه أمامهن لولوج مهنة العدول، خلق الكثير من الجدل بين مؤيد ورافض ولم يخل الأمر من بروز آراء من الممكن أن تخلق أكثر من علامات استفهام سواء على المستوى القانوني وكذا على المستوى الشرعي
وهو ما سوف نحاول مقاربته من خلال إبراز أهم الأراء الرافضة وكذا المؤيدة لهذا المستجد القاضي بالسماح للمرأة لولوج مهنة خطة العدالة
المحور الأول: الأساس القانوني لولوج المرأة لخطة العدالة :
إنه باستقراء القانون المنظم لخطة العدالة (16.03) يتبين أنه لا وجود لأي مقتضى ينص صراحة على قصر مهنة العدالة على الذكور فقط دون الإناث، أو جعل الذكورة شرطا لولوج هذه المهنة، حيث إن الصيغة التي جاءت بها المادة 04 من القانون المذكور هي الصيغة المعهودة في قوانين المهن القضائية الأخرى كقانون مهنة المحاماة أو مهنة المفوضين القضائيين أو قانون مهنة التوثيق، والتي يقبل فيها ترشيح المرأة.
حيت أتت المادة 4 من قانون (16.03)
يشترط في المرشح لممارسة خطة العدالة :
1 أن يكون مسلما مغربيا مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية المغربية.
2 أن يكون بالغا من العمر خمسا وعشرين سنة، وألا يزيد على خمس وأربعين سنة بالنسبة لغير المعفين من المباراة والتمرين، وذلك حسب التقويم الميلادي.
3 أن يكون متوفرا على القدرة البدنية المطلوبة لممارسة المهنة.
4 أن يكون في وضعية صحيحة تجاه القوانين المتعلقة بالتجنيد العسكري.
5 ألا ليكون قد حكم عليه من أجل جناية مطلقا، أوبحبس منفذ أو موقوف التنفيذ من أجل جنحة باستثناء الجنح غير العمدية، أو بغرامة ولو موقوفة التنفيذ من أجل جنحة تتعلق بالأموال.
6 ألا يكون مشطبا عليه بقرار تأديبي بسبب يمس شرف المهنة، أو الوظيفة المشطب عليه منها.
7 ألا يكون قد حكم عليه بإحدى العقوبات المالية المنصوص عليها في قانون التجارة في حق مسيري المقاولة أو سقوط الأهلية التجارية ما لم يرد اعتباره.
8 أن ينجح في مباراة تنظم لولوج الخطة ما لم يعفه القانون منها.
فبالقراءة المتأنية للشروط القانونية التي أتى بها قانون 16.03 بإعتباره القانون المنظم لخطة العدالة لا يستشف معه أدنى عبارة تفيد شرط الذكورة، وما هذا إلى تجسيد للمقتضيات الدستورية المبنية على المساواة وكذا إحترام الإتفاقيات والمواثيق الدولية التي تأخد للمساواة شعارا لها، لإعتبار المكانة التي أعطاها الدستور للإتفاقيات الدولية في الفقرة ما قبل الأخيرة من دباجته ، إلى أن الإشكال وقع عندما تقدمنا النساء لإجتياز مباراة العدالة سنة 2010 إلى أنهم صدمن بعدم قبول طلاباتهم الأولية لإجتياز مباراة خطة العدالة، أي حصول تعارض بين ماهو منصوص عليه قانونيا وبين الواقع العملي إلا وأنه وتزامنا مع الإستمرار المتلاحق في إطار الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، فقد حظي موضوع إصلاح مهنة خطة العدالة بعناية خاصة من قبل لجنة الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، حيث أوصى الميثاق في توصيته رقم 169 بوجوب الارتقاء بهذه المهنة بما يسهم في تحديثها، وفتح المجال أمام المرأة لممارستها، انسجاما مع المبدأ الدستوري المنصوص عليه في الفصل 19، والمتمثل في تحقيق المساواة بين المرأة والرجل والسعي نحو المناصفة، وانسجاما أيضا مع الالتزامات الدولية للمملكة ومصادقتها على الاتفاقيات الدولية الأساسية في مجال حقوق الإنسان، وخاصة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
وتنزيلا لهذه المبادئ والمقتضيات، اقتضى النظر السديد لجلالة الملك نصره الله وأيده، تكليف وزيره في العدل بالانكباب على دراسة مسألة ممارسة المرأة لخطة العدالة.
إلا أن هذا القرار الملكي خلق جدلا واسعا تجادبته أراء بين مأيد ومعارض بين جانب الديني والقانوني، وهو ماسوف نوضحه من خلال هذه المقاربة العلمية التي سوف نخصص لها محورين مهمين محور أول يتعلق بالإتجاه المؤيد لولوج المرأة لخذة العدالة والإتجاه المعارض لهذا الولوج.

الإتجاه المؤيد لولوج المرأة لخطة لعدالة :
من بين الآراء التي أيدت هذا المستجد رأي الفقيه أحمد الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي فاجأ الجميع.
وتجلى عنصر المفاجأة من خلال قوله في إحدى خرجاته: "إن التوثيق العدلي" بشروطه وضوابطه المعمول بها اليوم، لا يحتاج إلا إلى عدل واحد، رجلا كان أو امرأة".
ولم يكن رأيه الذي أشعل فتيل التساؤلات خاليا من استدلال، بل جاء فيه أن الإشهاد لا يحتاج إلى عدلين لعدة اعتبارات، من بينها أن التوثيق العدلي يمر بمجموعة من المراحل ويعتمد على وثائق محددة سلفا لا تخرج في مجملها عن وثائق رسمية وثبوتية لطرفي العقد، فضلا عن التدوين الكتابي لفحوى العقد، قبل أن يقوم قاضي التوثيق بالمصادقة عليه.
ووقف الريسوني إلى جانب المرأة في ممارسة مهنة "عدولة" وحجته في ذلك التطور الحاصل والاختلاف الذي أضحت عليه مهنة التوثيق العدلي، قبل أن يضع مقارنة بين هذه المهنة حاليا، ليقر بوجود اختلاف واضح بينها وبين الإشهاد الذي تطرق إليه القرآن والسنة والفقه بشكل عام.
ومن بين الشروط التي شدّد على توفرها في مهنة التوثيق العدلي، شرطي العدل والأمانة وهو أمر كاف، حسب رأيه ولا يستدعي توفر شهادة عدلين اثنين.
إلى جانبه كذلك من المؤيدين نذكر رأي محمد عبد الوهاب رفيقي "الباحث في الفقه الاسلامي" والذي أكد على أن المبادرة تعد فتحا وتقدما فقهيا محمودا،إذ هي في نظره نوعا من المساواة في وظيفة مبنية على قدرات عقلية لا مبرر من حرمان المرأة من الناحية الدينية.
الإتجاه المعارض لولوج المرأة لخطة لعدالة :
إلى جانب هذه الآراء التي كانت في صف المراة في الولوج لمهنة خطة العدالة برز رأي أخر يمكن نعته بالمحافظ تمسك بهذا المنع وأسنده للجانب الديني، و إستدل على أن شهادة إمرأتين تعادل شهادة رجل واحد، فقد ذكر الله سبحانه ذلك في سورة البقرة مصداقا لقوله (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)
وهذا حسب هذا الرأي ليس تقليل من المرأة كما حاول الكثيرون أن يفسروا، فالله هو الذي خلق البشر رجالا ونساءا، ويعرف ماخلق.
فإلى جانب هذه الآراء نستفسر عن رأي الهيئة الوطنية للعدول في هذا المستجد الذي عرفته خطة العدالة المتمثل في تكريس مبدأ مقاربة النوع من خلال إعطاء الضوء الأخضر للنساء لولوج هذه المهنة، رأي الهيئة الوطنية للعدول في ولوج المرأة لخطة العدالة :
أجابت الهيئة الوطنية للعدول على لسان رئيسها الأستاذ بوشعيب الفضلاوي في حوار مع "أصوات مغاربية" على مجموعة من التساؤلات وجهت لها بهذا الخصوص، حيث أكد الأستاذ بوشعيب الفضلاوي، بقوله أنه بالنسبة لولوج المرأة إلى خطة العدالة، لم يكن لدينا تحفظ بشكل عام، لكن التحفظ كان فقط على مستوى الكتب والإشهاد في مسائل الزواج والطلاق (عقود الأحوال الشخصية).وكون الجهة التي يجب أن تطرح عليها هذه أمور هي المجلس العلمي الأعلى.
هذا الأخير الذي أكد أنه لا مانع يمنع المرأة من ممارسة هذه المهنة، على المستوى الشرعي، فإن فقهاء الشريعة ومنهم المالكية الذين تطرقوا في كتاباتهم إلى شروط الكاتب بالعدل أو الموثق بصفة عامة، فقد نصوا على شروط متعددة، ليس من ضمنها شرط الذكورة، وأكدوا على إجازة مزاولة المرأة لخطة العدالة وتلقي الشهادة وتوثيقها عن الشهود بشروطها المقررة في كل باب من أبواب العقود المختلفة، وذلك مع مراعاة شروط أهلية تولي هذه المهمة مثلما تشترط في الرجل من بلوغ وعقل وضبط وعدالة ونفي تهمة، استنادا إلى أدلة شرعية ونصوص فقهية منها الإطلاق في قوله تعالى "وليكتب بينكم كاتب بالعدل".
لكن التساؤل الذي سوف يطرح هل عبد الطريق السليم لمزاولة المرأة لهذه المهنة، فنأخذ على سبيل المثال مسألة "اللفيف العدلي" و هو مجموعة شهود( 12 شاهدا) يعتمد عليهم في إثبات وقائع أو حقوق لا يملك أصحابها في الغالب وسائل إثبات خاصة، مثل زواج قديم، أو بيع غير موثق، وحتى في قضايا النسب أو الإرث. حيث في المغرب مازال لا يقبل أن تكون بين الشهود شهادة إمراة، والذي بصدده سوف نسقط في تناقض فكيف يمكن أن ترفض المرأة العدلة شهادة إمرأة في إطار اللفيف وهي تمارس مهنة التوثيق والإشهاد.
فولوج المرأة لخطة العدالة في حاجة ماسة لمجموعة من التحينات وعلى راسها التحينات القانونية وبهذا نقول أن المرأة العدل سوف تكون في منصبها الجديد في المغرب أمام تحدي الفقه والممارسة على أرض الواقع.

بقلم ذ إسماعيل عادل
طالب باحث في ماستر التقنيات البديلة لحل المنازعات بالمحمدية