القانون التجاري

بقلم ذ زكرياء زنايدي
مستشار قانوني
تحت عدد: 376
فإلى متى سيبقى المستهلك هو الطرف الضعيف في العقد؟ ثم إلى متى ستظل العقود الإذعانية حبلا يشنق المواطن؟

حسب منطوق المادة 19 من القانون 08-31 المتعلق بتدابير حماية المستهلك فأنه يعتبر باطلا ولاغيا الشرط التعسفي الوارد في العقد المبرم بين المورد والمستهلك.

وأن المادة 15 من ذات القانون تنص على أنه: "يعتبر شرطا تعسفيا في العقود المبرمة بين المورد والمستهلك كل شرط يكون منه أو يترتب عنه اختلال كبير بين حقوق وواجبات طرفي العقد على حساب المستهلك".

وأن الشرط العقدي إذا وجدت فيه المعايير المحددة في المادة 15، 16 أو 18 من نفس القانون فانه يعتبر شرطا تعسفيا وبالتالي وجب ابطاله والغاءه مع إمكانية استمرار العقد.

فبالرغم من أن القانون المتعلق بتدابير حماية المستهلك ينظم العلاقة بين المورد والمستهلك وأنه يقيد مبدأ سلطان الارادة (الذي يخول للطرف القوي أن يدرج في عقوده ما يشاء من شروط شريطة ألا تتعارض مع النظام العام)، الا انه يلاحظ بأن هناك من المهنيين من لا يؤمن الا بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين (الفصل 230 من ق.ل.ع) ولا يأبه بالأحكام المنظمة للعلاقة التعاقدية بين المورد والمستهلك ولازال يضمن عقده النموذجي شروطا تعسفية تخدم مصالحه وتضر بالمقابل بحقوق المستهلك الذي يذعن لها ويسلم بها تحت ضغط ولهفة حاجته الملحة.

فبعد دخول القانون المتعلق بتحديد التدابير لحماية المستهلك بتاريخ 17ابريل 2011، الا أنه يوجد من لازال يقرأ مقتضيات القانون الاستهلاك بعقلية قانون الالتزامات والعقود بعيدا عن المنطق القانوني السليم، ويتعامل معها بمفهومها الضيق دون استحضار روحها وقصد وإرادة المشرع. الأكثر والأخطر من ذلك، هناك من يتجاهل الطابع الإلزامي لمقتضيات القانون رقم 08-31، ومن هنا يطرح التساؤل التالي: ما دور النصوص القانونية إذا افرغت من محتواها وتم جعلها مجرد حبر على ورق؟

نحن في أمس الحاجة لوعي قانوني بخصائص ومهمة القاعدة القانونية التي تهتم بتنظيم سلوك الأفراد والمؤسسات في المجتمع، وتضع لهم القواعد التي يجب أن يكون عليها سلوكهم بشكل يحقق الانسجام، والتوافق بين مصالح الأفراد والمؤسسات المتعارضة.

كذلك، نحن بحاجة لوعي غير الوعي التقليدي والكلاسيكي الذي لا يعتمد على البحث عن الاساس من وضع القاعدة القانونية، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالقوانين ذات الصبغة الاجتماعية والاقتصادية، فالحاجة ملحة لمواكبة معرفية وتعليمية لتلك النصوص القانونية الجديدة وعلى رأسها قانون حماية المستهلك.

أما بخصوص العقود النموذجية التي تعتبر مجالا رحبا للشروط التعسفية، فللأسف الشديد، هناك من لا زال يعتقد أن مفهوم عقد الاذعان يقتصر فقط على المورد الذي يحتكر الشيء المبيع كشركات توزيع الماء والكهرباء على سبيل المثال، اما العقود الاخرى فَلَا يصح وصفها بالإذعان لان الزبون له الخيار بين قبولها او شراء نفس الشيء من عند مورد اخر.

ومن جهة أخرى، هناك من يصم سمعه ويغشي بصره عن القواعد القانونية الملزمة، ويضمن عقوده شروطا يتم اعدادها سلفا من طرف خبرائه القانونيين، الاقتصاديين والمعلوماتيين، وأنه على المستهلك أن يسلم بها، رغم أنها تحقق للمورد منافع أو مزايا مفرطة على حسابه كطرف ضعيف.

هناك من الموردين من لا زال وسيظل يتمتع بهالة وان بشكل ضمني ونفسي عند مناقشة قانون حماية المستهلك، ذلك ان المراكز القانونية لكل من المورد والمستهلك غير متساوية، وان هذا الاخير يبقى طرفا ضعيفا مقارنة بمركز المورد المهني الذي يوفر الحاجات للأفراد والذي ينعم بالقوة الاقتصادية والتقنية والفنية، مما يجعل علاقتهما غير متكافئة وغير متوازنة.

وباعتبار ان القاعدة القانونية لم تشرع إلا لتحترم انسجاما مع مقتضيات الدستور، فان المورد يجب عليه التعامل الرصين والمتزن مع النصوص المنظمة لهذه العلاقة دون الانسياق وراء الربح السريع وتغليب المصلحة الفردية. 

إن قانون حماية المستهلك جاء فعلا لحماية المستهلك من الممارسات العقدية التي تضر به تعسفا والتي هي استغلال لمفهوم سلطان الإرادة، وأن الأحكام التي جاء بها هي من النظام العام وقيد على هذا المفهوم، وبالتالي لا يجوز للأطراف مخالفتها باتفاقاتهم الخاصة.

 

وتجدر الإشارة الى أن مصالح كل من المورد والمستهلك متضاربة، ذلك أن بعض الشروط التعاقدية تتسم بالتعسف وتؤدي الى اختلال كبير بين حقوق والتزامات الأطراف، و هو ما يؤدي الى نزاع بمناسبة تنفيذ أو تأويل العقد الرابط بينهما، على اثره يقوم المستهلك بالاحتجاج على سلب حقه المشروع تحت مسمى عقد الاذعان المجحف والظالم والذي لا تجسد الا إرادة الطرف القوي المنفردة، باعتبار أن لحظة ابرام العقد الأساس، لم يكن يملك إمكانية مناقشة أو مساومة شروط العقد المفروضة عليه بالرغم من كونها تتصل اتصالا وثيقا بجوانب اجتماعية واقتصادية، وذلك نتيجة حاجته الماسة والملحة لتلك الخدمة أو السلعة.

 

 وبالتالي وبعد استنفاذ جميع الوسائل الحبية وإغلاق جميع الأبواب في وجه المستهلك، يبقى الالتجاء الى القضاء هو الفيصل لمن لهم ثقافة الدفاع عن حقهم ومن يؤمنون بمبدأ "ما ضاع حق وراءه طالب" رغم أن القلة القليلة هي التي تلجأ إلى القضاء في قضايا نزاعات الاستهلاك.

الامر يتطلب جرأة وشجاعة، والامانة ملقاة على القضاء الذي يجد نفسه اليوم أمام قوانين ذات حمولة قانونية متطورة، وتحديات كبرى من أجل تفعيل مقتضيات هذا القانون، والوقوف وعلى مدى احترام إرادة المشرع التي تتجه إلى حماية المستهلك من الشروط التعسفية التي يكون ضحية لها في عقود الإذعان، وتحقيق نوع من التوازن في العلاقة العقدية، خصوصا عند استحضار ظروف العمل وكثرة القضايا وغياب التخصص وعدم جودة النص... فإلى أي حد استطاع الاجتهاد القضائي المغربي تحقيق هذا التوازن؟

بقلم ذ زكرياء زنايدي
مستشار قانوني
 


أعلى الصفحة