القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ سعيد بـجـو
كاتب عام بجماعة ترابي باحث في الشأن العام المحلي
تحت عدد: 315
تمهيد
لا جدال في أن هناك عددا

من العوامل والشروط الذاتية والموضوعية الممهدة والمؤطرة لانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، مثل الظروف العامة التي تمر فيها العملية الانتخابية والوسائل المادية واللوجستيكية والبشرية المعبأة لهذا الغرض والبرامج الانتخابية، وكذا نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي وأهلية الترشح وموانعه، وعدد من المقتضيات القانونية ذات الصلة بمدونة الانتخابات، ، هي التي تلعب الدور الأساسي في تشكيل الخريطة السياسية، وإفراز النخبة التي سيناط بها اختيارمن سيعمل على تسيير دواليب الادارة الترابية، مادام أن انتخاب جميع مكاتب مجالس الجماعات الترابية وأجهزتها المساعدة يتم بطريقة غير مباشرة، أي بواسطة ما يسمى بالناخبين الكبار. وبالتالي، فإن كل خلل أو عيب قد يشوب تلك العوامل والشروط الأولية سينعكس سلبا على عملية إفراز نوع الكوادر التي سيوكل اليها السهر على تدبير الشأن العام المحلي على المستويات الترابية الثلاث.      

المبحث الاول: في شروط الترشح لعضوية المجالس المنتخبة ومكاتبها المسيرة

من المعروف أن اختيار نمط معين للاقتراع ليس عملية تقنية فحسب، بل عملية ذات وازع سياسي بالأساس تستهدف السعي للتحكم المسبق في الخريطة السياسية عبر استباق نتائج الانتخابات بشكل لا يترك مجالا لأية مفاجأة كبيرة، وذلك بالتساوق مع اعتماد تقنية أخرى جد مهمة تتمثل في التقطيع الانتخابي. فتوزيع الدوائر الانتخابية يخضع لمعايير دقيقة تنبني على دراسة مسبقة لمكونات الجسم الانتخابي بكامل التراب الوطني لمعرفة اتجاهات التصويت، حتى يتسنى هندسة خريطة الدوائر الانتخابية وتوزيع المقاعد الانتخابية وفق هذه المعطيات.

وإذا كان اعتماد نمط الاقتراع يندرج في إطار التشريع العادي مما يسمح للأحزاب السياسية مناقشته والتوافق حوله والتصويت عليه بقبة البرلمان، فإن التقطيع الانتخابي يبقى مجالا محفوظا للسلطة التنظيمية ونتاجا للهندسة السياسية لوزارة الداخلية بالتحديد. ومنذ ستينيات القرن الماضي اختار المغرب اسلوب الاقتراع الفردي لإجراء انتخاباته المحلية والبرلمانية، الى حين مجيء حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمان اليوسفي، حيث تم تعويضه بنمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي على قاعدة أكبر بقية ودون استعمال مزج الأصوات والتصويت التفاضلي، سواء في الانتخابات المباشرة أوغير المباشرة. غيران نمط الاقتراع الفردي لم يتم الاستغناء عنه بصفة نهائية ، بل مازال معمولا به في الانتخابات الجماعية الخاصة بالجماعات التي يقل عدد سكانها عن 35000 نسمة، حيث تقوم على الاقتراع بالأغلبية النسبية في دورة واحدة، على أن لا تشارك في توزيع المقاعد سوى اللوائح التي حصلت على 6% أو أكثر من الأصوات المعبر عنها. غير أن هذا التعديل الاساسي لم ينتج عنه عقلنة للخريطة السياسية واصطفاف واضح وراء قطبية سياسية اعتمادا على برامج انتخابية واضحة، بل ظلت البلقنة سيدة الموقف، وهو ما أثر بدوره على طريقة تشكيل الحكومات المتعاقبة بعد كل انتخابات برلمانية، وكذا تشكيل مكاتب الجماعات الترابية المنبثقة عن الاستحقاقات الانتخابية المحلية، إذ لا تجد الاحزاب الفائزة في الانتخابات من خيار سوى التحالف فيما بينها لتشكيل الهيئات المسيرة.            

بعد صدور دستور فاتح يوليو 2011 جرت الكثير من المياه تحت جسر الحقل السياسي لما أحدثه هذا الأخير من أوراش إصلاحية مهدت الطريق لعقلنة هذا المشهد، خاصة بعد صدور القانون التنظيمي للأحزاب السياسية والقانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية الصادر في 21 نونبر 2011.  ولقد نص هذا القانون الأخير على مجموعة من الاحكام الخاصة بأهلية وموانع الترشيح لعضوية مجالس الجهات والعمالات والاقاليم والجماعات تروم، أولا وقبل كل شيء، اعتماد منتخبين تتوفر فيهم ما أمكن الشروط والمقومات التي تتواءم وأخلاقية المرفق العمومي المحلي ، وتساعد    على إرساء قواعد متينة لتحقيق قدر من الحكامة الادارية والسياسية ومراعاة النوع الاجتماعي لتولي المهام الانتدابية.

وهكذا، وفي إطار الحكامة الادارية، حرص المشرع على تحديد الحالات التي يمكن أن تتنافى ومقومات هذه القاعدة العامة، والحيلولة دون حصول استغلال للنفوذ، وتداخل للمصالح، والتأثير في إرادة الناخب. واستلهاما مما جاء به دستور2011، عمل المشرع، كذلك،  من خلال القانون التنظيمي رقم 59.11  المشار اليه أعلاه على سن موانع جديدة للترشح لعضوية مجالس الجهات والعمالات والاقاليم والجماعات تقطع الطريق على مفسدي الانتخابات وعلى من ثبت في حقهم ارتكاب تجاوزات خلال ولاياتهم السابقة، بحيث ينص البند 2 من المادة السادسة على منع الترشح لمدة ولاية انتدابية كاملة، ابتداء من التاريخ الذي اصبح فيه قرار العزل نهائيا، لكل شخص صدر في حقه قرار العزل من مسؤولية انتدابية ، ولمدة عشر سنوات بالنسبة للأشخاص الذين اختل فيهم نهائيا شرط من الشروط المطلوبة ليكونوا ناخبين ( البند 3 من المادة 6).

وفي إطار الحكامة السياسية، وفي أفق المناصفة المنصوص عليها دستوريا، أقر المشرع مقتضيات جديدة تعزز المشاركة السياسية للمرأة المغربية، بحيث أقر  نسبا مهمة من المقاعد خاصة بالنساء تصل الى الثلث بالنسبة لانتخاب أعضاء المجالس الجهوية دون أن يعني ذلك حرمانهن من الترشح برسم المقاعد الأخرى الى جانب الرجل، وحصة الثلث كذلك من عدد نواب الرئيس بالنسبة لمكاتب جميع الجماعات الترابية. موازاة مع هذا، وبغية عقلنة المشهد الحزبي الذي يعتبر حجز الزاوية في كل عملية سياسية عمل القانون التنظيمي للأحزاب السياسية على وضع قواعد جديدة لإنشاء الأحزاب السياسية، وتسيير هياكلها وشروط تلقي الدعم العمومي ومحاربة الترحال السياسي، انسجاما مع نص عليه الدستور الجديد.

كانت هذه ،إذن، الملامح العامة للأرضية السياسية والتنظيمية التي تجرى على أساسها الانتخابات المؤدية لعضوية مجالس الجماعات الترابية والتي يؤطرها دستور 2011 ، ولاسيما مقتضيات الباب التاسع منه، وكذا مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية والقانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية. وهي من الآليات المهمة التي تتحكم ، كما سبق القول، في رسم الكثير من معالم الخريطة السياسية، بما فيها حتمية اللجوء الى التحالفات الحزبية لتشكيل مكاتب الجماعات الترابية. لكن يبقى أن طريقة تشكيل هذه الأخيرة تؤطرها فقط القوانين التنظيمية الثلاث الخاصة بالجهات والعمالات والاقاليم والجماعات الصادرة في 7 يوليو 2015 ، والتي جاءت بعدد من المستجدات فيما يخص شروط الترشح لعضوية مكاتب المجالس وكيفيات انتخاب هذه المكاتب، حيث سنحاول الاقتصار على  تسليط الضوء، في هذه المناسبة، على المقتضيات الجديدة التي تعتريها بعض المثالب مع بيان انعكاساتها السلبية على أكثر من صعيد.

المطلب الأول : إلغاء شرط المستوى التعليمي للترشح لرئاسة المجالس المنتخبة    

خلافا لما كان عليه الامر سابقا من خلال مقتضيات المادة 28 من الميثاق الجماعي، والمادة 29 من القانون المنظم للعمالات والاقاليم لسنة 2002، من اشتراط مستوى نهاية الدروس الابتدائية لتولي مهمة رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلسي العمالة أوالاقليم، لم يشترط المشرع المغربي من خلال القوانين التنظيمية الثلاث الخاصة بالجماعات الترابية الصادرة في 07 يوليو 2015 أي مستوى ثقافي أو تعليمي للترشح، سواء لعضوية أو لرئاسة مجالس الجماعات الترابية. ويرجع سبب التراجع، حسب وزارة الداخلية التي أعدت مشاريع هذه القوانين، الى ضرورة احترام المقتضيات الدستورية، ولاسيما ما نص عليه الفصل 30 (الفقرة الاولى):« لكل مواطنة ومواطن الحق في التصويت، وفي الترشح للانتخابات، شرط بلوغ سن الرشد القانونية والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية. وينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية.» وذلك خلافا لما كان ينص عليه الدستور المراجع لسنة 1996  الذي اقتصر من خلال فصله الثامن (الفقرة الاخيرة)، على  التنصيص على حق كل مواطن ذكرا أو أنثى في أن يكون ناخبا.

إن أول ملاحظة يمكن إثارتها، بادئ ذي بدء، هي أنه اذا كانت الوظائف السياسية للمنتخب قد لا تطرح في، حالات معينة ومحدودة جدا، أي مشكل اذا كان المنتخب لا يتوفر على أي مستوى تعليمي أو ثقافي، فإن التدبير الاداري للشؤون العامة المحلية أو الوطنية يتطلب، لامحالة، التوفر على رصيد مهم من المعارف العامة التقنية والقانونية بالإضافة الى التأهيل السياسي. لذلك، وعلى ضوء ما سبق ذكره، كيف يمكن الارتقاء بالجماعات الترابية من وضعية التسيير الى وضعية التدبير وتحقيق حكامة سياسية وإدارية كما شددت على ذلك القوانين التنظيمية الثلاث المشار إليها أعلاه وأملته المادة 146 من دستور 2011، إذا كان رئيس الجماعة لا يتوفر على أي مستوى تعليمي؟ هذا مع العلم بأن رؤساء الجماعات الترابية يتحملون لوحدهم كافة المسؤوليات التنفيذية المنوطة بوحداتهم الترابية ويجمعون بين التقرير والتدبير، حيث تبقى الادارة، لاسيما بالجماعات، ذات وجود هلامي فحسب، ولا تتوفر بعد على أي هيكل تنظيمي أو اختصاصات واضحة وأصيلة. في حين تظل المهام التي يمكن أن ينهض بها نواب الرئيس تمارس فقط إذا جاد عليهم هذا الأخير بتفويض توقيعه أو تفويض بعض صلاحياته والتي يستثنى منها التسيير الاداري والمالي. كيف يمكن أن توكل للمنتخب المحلي مسؤولية التدبير في ظل غياب شرط المستوى التعليمي وفي وقت لم يصل الحقل السياسي بعد الى مستوى التأهيل ؟. فالدستور الحالي، كما القانون التنظيمي للأحزاب، ينصان على ضرورة التأهيل السياسي للأحزاب ويجعل تقديم أي دعم لها رهين بتحقيق هذا الشرط، لاسيما ما يرتبط بتحقيق الديموقراطية داخل هياكلها وضمان التداول على المسؤوليات الحزبية، شأنها في ذلك شأن النقابات والمنظمات المهنية وتمثيليات المجتمع المدني، كما يتضح ذلك من خلال الفصلين 7 و8 من الدستور، والمادتين 25 و26، على وجه الخصوص، من القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية.  

المطلب الثاني : شرط تزكية الأحزاب السياسية

تطرح المواد 24 و 23 و13 الواردة، على التوالي، من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات،   والقانون التنظيمي المتعلق بالعمالات والاقاليم ، والقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات، والمواد 54 و53 و51 الواردة بالقوانين، على التوالي، إشكالييتن، تتعلق الأولى بمدى انسجام مقتضيات المواد 24 و23 و13 مع روح الفصلين 11 و30 من الدستور، كما يذهب الى ذلك، مثلا الأستاذ عبد اللطيف وهبي، وتتعلق الاشكالية الثانية بمسألة التمييز بين الانتداب الشعبي والانتداب الحزبي وحدود الالتقاء والانفصال بينهما.

وهكذا، تنص المواد الأولى المشار اليها أعلاه(24 و23 و13) على أنه: «  إذا انقطع نائب أو عدة نواب عن مزاولة مهامهم لسبب من الأسباب المشار إليها في البنود من 1 إلى 6 من و البند 8 من المادة 22 أعلاه، يرتقي النواب الذين يوجدون في المراتب الدنيا حسب ترتيبهم مباشرة إلى المنصب الأعلى الذي أصبح شاغرا، ويقوم الرئيس في هذه الحالة بدعوة المجلس لانتخاب النائب أو النواب الذين سيشغلون المناصب التي أصبحت شاغرة بالمكتب، وفق الكيفيات والشروط المنصوص عليها في هذا القانون التنظيمي.» (الفقرة الاولى من المادة 24 من القانون التنظيمي للجهات، وهو نفس المقتضى، وبنفس الصيغة، الوارد في القانونين التنظيميين المتعلقين بالعمالات والاقاليم والجماعات).

فالارتقاء التلقائي للنواب من المراتب الدنيا الى المرات العليا دون تصويت انتخابي شيء لا يتماشى، الى حد ما، والمقتضيات الدستورية المنصوص عليها في الفصلين المذكورين أعلاه، واللتان تنصان على أن الانتخابات هي أساس التمثيل الديموقراطي، وبأن التصويت حق شخصي وواجب وطني لا يمكن تفويضه.

  أما المواد الموالية 54 و53 و51 المومأ اليها أعلاه فهي تنص على ما يلي: « طبقا لأحكام المادة  20 من القانون التنظيمي رقم  29.11  المتعلق بالأحزاب السياسية، يجرد العضو المنتخب ...  الذي تخلى خلال مدة الانتداب عن الانتماء السياسي للحزب الذي ترشح باسمه من صفة العضوية في المجلس.

 يقدم طلب التجريد لدى كتابة الضبط بالمحكمة الإدارية من قبل رئيس المجلس أو الحزب السياسي الذي ترشح المعني بالأمر باسمه، و تبت المحكمة الإدارية في الطلب داخل أجل شهر من تاريخ تسجيل طلب التجريد لدى كتابة الضبط بها.»

  فمقتضيات هذه المواد الثلاث وإن كانت تتماشى والمادة 20 مع القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، وتهدف بالأساس الى احترام استقرار مكاتب الجماعات الترابية، فإن الصيغة التي أتت بها الفقرة الأولى التي تتحدث عن تخلي العضو عن الانتماء للحزب الذي ترشح باسمه للانتخابات قد تحد كثيرا من حرية الرأي وتحكيم الضمير في التعبير عن مواقف العضو في مختلف الحالات والمواقف وهو يؤدي دوره داخل الجماعة الترابية، لاسيما إذا كان مفهوم هذا التخلي عن الحزب يشمل كذلك الحالة التي يقال فيها هذا العضو من طرف حزبه السياسي لأسباب حزبية داخلية. فإذا كان المترشح للانتخابات المحلية بعد فوزه بعضوية المجلس، ولاسيما المجلسين الجماعي والجهوي، يصبح ممثلا للسكان في جماعته أو ممثلا للأمة جهويا، إن صح التعبير؛ فإنه قبل فوزه في الانتخابات كان يمثل الحزب الذي ينتمي اليه أولا قبل كل شيء. غير أنه يبدو أن اجتهاد المجلس الدستوري قد انتصر للتفسير الايجابي لمفهوم التخلي حيث أقر، بعد أن تم الطعن لديه في عضوية برلمانيين ينتمون للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اثر انتخابات الرابع من شتنبر 2015 والذين سبق وأن تمت إقالتهم من الحزب. وهكذا أقر المجلس الدستوري تجريد البرلمانيين الذين ترشحوا في الانتخابات المحلية بحزب سياسي غير الحزب الذي ترشحوا باسمه ونالوا العضوية البرلمانية، بينما رفض الطعن المتعلق بتجريد السيدين عبد العالي دومو ومحمد حماني من هذه العضوية لكونهما قد تم طردهما ولم يقدما استقالة طوعية. لذلك، يبقى الأمل معقودا على المحاكم الادارية أن تنحو نحو النهج الذي سار عليه المجلس الدستوري إذا عرضت عليه مثل هذه الحالات من الترحال السياسي عندما يتعلق بأعضاء الجماعات الترابية.

  

المبحث الثاني: كيفيات انتخاب مكاتب مجالس الجماعات الترابية

 ما يلاحظ على القوانين التي صدرت منذ بداية الحكومة الحالية هو حرصها على تحري الانسجام والتناغم، سواء على مستوى الشكلي أو الجوهري، كلما تعلق الأمر بتأطير الحالات المتشابهة، مثلما هو الحال بالنسبة للقانون التنظيمي لمجلس النواب، والقانون التنظيمي لمجلس المستشارين، وللقانون التنظيمي المتعلق بانتخاب كأعضاء مجالس الجماعات الترابية. وهو ما ينطبق كذلك على القوانين التنظيمية الثلاث المتعلقة بالجماعات الترابية حيث نجد تشابها كبيرا، سواء على مستوى توزيع أقسام وابواب ومواد كل قانون على حدة، أو على مستوى مضمون عدد من مقتضيات هذه القوانين.

   وهكذا، فإن طريقة انتخاب مكاتب مجالس الجماعات الترابية لا تخرج بدورها عن هذه القاعدة المذكورة إلا لماما، سواء تعلق الأمر بطريقة الانتخاب، أو بالآجال المرعية ، أو بطريقة تسيير الجلسات.  

المطلب الأول : تسيير جلسة انتخاب مكاتب المجالس الجماعات الترابية ومكتب مجموعة    

                  الجماعات الترابية

1-   انتخاب الرئيس ونوابه بين جلسة فريدة وجلستين متتابعين

    تقر القوانين التنظيمية الثلاث المتعلقة ، على التوالي، بالجهات والعمالات والاقاليم، والجماعات بأنه تخصص جلسة واحدة لانتخاب رئيس المجلس ونوابه، بحيث إذا أخذنا مثلا  المادة 12 من القانون التنظيمي  رقم 111.14 المتعلق بالجهات نجد أنها تنص على ما يلي: « يجرى انتخاب الرئيس ونوابه في جلسة واحدة مخصصة لهذه الغاية خلال الخمسة عشر(15) يوما الموالية لانتخاب اعضاء المجلس»، فصيغة هذه المادة واضحة ولا تحتمل أي لبس أو تأويل. غير ان المادة 19 من القانون نفسه تنص في فقرتها الأولى على ما يلي: « تنعقد، مباشرة بعد جلسة انتخاب الرئيس و تحت رئاسته جلسة مخصصة لانتخاب نواب الرئيس. يحضر هذه الجلسة  والي الجهة أو من ينوب عنه.»

وتتطابق صيغة هذه الفقرة مع ما جاء في النسخة الفرنسية للقانون المذكور والتي لم تصدر إلا بتاريخ 18/02/2016، وهي كما يلي:

          « Immédiatement après la séance de l’élection du président est tenue sous la présidence de ce dernier une séance consacrée à l’élection des vice- présidents. Le wali de la région ou son intérimaire assiste à cette séance.»

 والطريقة المتبعة في انتخاب رئيس الجهة ونوابه، كما سبق القول، هي نفسها المنصوص عليها لانتخاب رؤساء مجالس العمالات والاقاليم ومجالس الجماعات ونوابهم، كما ان الصياغة اللغوية للفصول القانونية المتعلقة بها والمؤطرة لعملية الانتخاب متشابهة تماما.  غير أن ما يلاحظ على هذه الصيغة الموحدة التي بسطناها أعلاه باللغتين العربية والفرنسية هو الغموض الذي يمكن أن ينشأ عن وجود فرق دقيق nuance  نستشفه عند المقارنة بين مقتضيات المادة 12 ومدلول الفقرة الأولى من المادة 19 المشار اليهما أعلاه، حيث أنه حسب المادة 12 هناك اقرار واضح بان انتخاب الرئيس ونوابه يتم في جلسة واحدة، غير أن الفقرة الاولى من المادة 19 تتحدث عن جلسة جديدة بعد جلسة انتخاب الرئيس، أي أننا في الواقع أمام جلستين. وهو الأمر الذي كان يتعين تلافيه تجنبا لسوء الفهم، ولأي طعن يمكن أن يستتبع ذلك لأنه من المفروض أن لكل جلسة جدول أعمال خاص بها، في حين أن الاستداعاءات التي توجه لأعضاء مجلس الجماعات الترابية تتحدث عن حضور الأعضاء لجلسة انتخاب الرئيس ونوابه، أي أعضاء المكتب، وهو أمر شكلي لكن قد يؤثر على الجوهر، ويتخذه من له مصلحة سببا للطعن في عملية انتخاب المكتب برمته أمام المحكمة الادارية.

  1-أ- انتخاب مكتب مجموعة الجماعات الترابية

معلوم أن مجلس مجموعة الجماعات الترابية، أي ما كان يسمى من قبل «مجموعة الجماعات المحلية»، يتكون من مندوبي الجماعات الترابية. لذلك، فمن الوارد حتما أن تجد بأن غالبية هذه المجموعات تضم جماعات تعتمد في انتخاب أعضائها على أسلوب الاقتراع الأحادي الاسمي، وبالتالي يفتح باب الترشيح لرئاسة الجماعة في وجه جميع أعضائها، عكس الجماعات التي تعتمد في انتخابات أعضاء المجلس على الاقتراع باللائحة، حيث يتعين أن« يترشح لمنصب الرئيس الأعضاء والعضوات المرتبون على رأس لوانح الترشيح التي فازت بمقاعد داخل المجلس.....» (المادة 11 من القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات)، ولا يفتح الترشح في هذه الحالة الا لفائدة اللوائد التي تحتل المراتب الخمس الأولى.

 والحالة هذه، فان هناك مثلبا واضحا يحف طريقة انتخاب مكاتب مجموعات الجماعات الترابية كما نصت عليها مقتضيات المادة 144 من القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات في فقرتها الاولى على أنه « ينتخب مجلس مجموعة الجماعات الترابية من بين أعضائه رئيسا ونائبين اثنين على الأقل وأربعة نواب على الأكثر يشكلون مكتب المجموعة طبقا لشروط الاقتراع والتصويت المنصوص عليها بالنسبة لانتخاب اعضاء مكاتب مجالس الجماعات.» فما هو إذن اسلوب الاقتراع الذي يتعين اعتماده في هذه الحالة، علما بأن هناك جماعات اعتمدت الاقتراع الفردي وجماعات اعتمدت الاقتراع باللائحة ؟

 

2-   إشكالية رئاسة جلسة انتخاب الرئيس من طرف العضو الأكبر سنا

دأب المشرع المغربي في جميع القوانين الصادرة منذ سنة 1963 بشأن المجالس المنتخبة على أن يوكل مهمة رئاسة الجلسات الاولى المتعلقة بانتخاب الرئيس الى العضو الأكبر سنا، على أن يتولى العضو الأصغر سنا مهمة كاتب الجلسة وتحرير محضرها. وينطبق هذا ليس على المجالس المحلية والغرف المهنية فحسب ، بل كذلك على البرلمان بغرفتيه. وقد لاحظنا غير ما مرة على شاشة التلفاز "عمي عبد السلام " الرجل الهرم وهو يترأس جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب، وقد ضعفت حواسه الخمس تماما، ولاسيما حاسة السمع بحيث لا يسمع مجالسيه إلا إذا صرخ في أذنه بملء فيه. وإذا بحثنا عن الحكمة من وراء ذلك فهي تتمثل ولاشك، في كون العضو الأكبر سنا هو الذي يمتلك عادة التجربة والخبرة اللازمتين لتسيير مثل هذه الجلسات التي تعد من أصعب الجلسات التي تعقدها المجالس المنتخبة، كما أن الأكبر سنا عادة ما يكون محط تقدير واحترام من لدن الآخرين. أما العلة وراء تعيين العضو الأصغر سنا كاتبا للجلسة فلربما لكون الأصغر سنا عادة ما يكون ملما بالقراءة والكتابة وليس أميا، وفي كامل قواه العقلية والحسية لكي يبقى متيقظا طوال الجلسة لإحصاء حركاتها وسكناتها. وهي علة يصعب تبريرها والدفاع عنها، إذ أن ما يقع في الواقع العملي هو ان محاضر الجلسات المذكورة يتم تحريرها من طرف موظفين ليقوم بعد ذلك كاتب ورئيس الجلسة بتوقيعها. فلماذا لا يوكل مثلا تسيير الجلسة للعضو الذي يتوفر على أعلى شهادة تعليمية ونفس الشيء بالنسبة لكاتب الجلسة؟ لكن الأهم الذي أود أن أشير اليه في هذا المضمار، ومن خلال مجريات عدد من الجلسات التي إما حضرتها شخصيا، أو قرأت عنها في الصحف الوطنية، هو حصول عدد من الوقائع التي تعرقل سير هذه الجلسات والتي عادة ما يكون سببها رئيس الجلسة الذي يستغل الفراغ القانوني لحاجة في نفس يعقوب. فالعضو الأكبر سنا، رئيس الجلسة، لاسيما إذا كان خارج الأغلبية التي افرزتها نتائج الانتخابات، غالبا ما يطرق جميع السبل لخلق البلبلة والاضطراب بالجلسة، واستغلال الأجواء المشحونة من أجل رفع الجلسة نهائيا وتأجيل تاريخ انتخاب المكتب الى أجل مسمى ليتسنى لفريقه تفكيك الأغلبية التي عادة ما تتشكل من ائتلاف حزبي، وهي ثغرة تداركتها القوانين التنظيمية الجديدة الثلاث المتعلقة بالجماعات الترابية وإن ابقت الباب مشرعا لرئيس الجلسة لعرقلة أعمال الجلسة المتعلقة بانتخاب رئيس المجلس مثل الحق في رفع الجلسة مؤقتا وما قد ينجم عن ذلك من مماطلة وتأخير، لاسيما وأن المشرع لم يضع لها تعريفا محددا ويحدد مداها الزمني. علاوة على هذا، واقع الممارسة الفعلية يبقى دائما حبلى بالمفاجآت التي لا يؤطرها القانون، كما حدث مثلا لعضو تم تكليفه برئاسة الجلسة فاعتذر عن ذلك، وهي حالة لم يتطرق اليها القانون، وعضو آخر في جماعة أخرى ترأس الجلسة فأحدث جلبة وانسحب خارج القاعة دون استئذان أو إخبار الحضور، ولما تم تكليف عضو آخر لاستكمال الجلسة عاد لتوه ليدلي بصوته مع باقي الحضور..وقائع كثيرة لامجال لذكرها كان على المشرع أن يعمل قدر الامكان قصد الاحاطة بها وتأطيرها.

3- في الآجال المرعية لعقد جلسات انتخاب مكاتب الجماعات الترابية

ينص القانون التنظيمي المتعلق بالجهات والقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات على أن انتخاب مكتب المجلس يتم في جلسة واحدة خلال الخمسة عشر يوما الموالية لتاريخ انتخاب أعضاء المجلس، وعشرة أيام فقط بالنسبة لانتخاب مكتب مجلس العمالة أو الاقليم كما هو واضح من خلال المادة 11 من القانون التنظيمي رقم 14.112 المتعلق بالعمالات والاقاليم.

تبدو هذه المدة كافية لكن الواقع يبقى عنيدا في حالات كثيرة، علما بأنه لايمكن أن ينتخب رئيس المجلس في الدور الأول للاقتراع إلآ بالأغلبية المطلقة للأعضاء المزاولين مهامهم، وهو الأمر الذي قد يدفع الفريق الذي لايتوفرعلى الأغلبية المطلقة  للفوز بالرئاسة الى عدم الحضور الا بعد عدة استدعاءات خاصة إذا علمنا أن عدم الاستجابة لهذه الاستدعاءات لا تترتب عنه أية تدابير زجرية.   

وهذا ما حصل مثلا في انتخابات الرابع من شتنبر الأخيرة لمجلس مدينة وجدة حيث مرت أزيد من 15 يوما دون أن يتمكن المجلس من الالتئام لانتخاب الرئيس. وهو ما طرح مشكلا حقيقيا على اعتبار أن أجل الخمسة عشر يوما إلزامي ولا يمكن تخطيه، الشيء الذي جعل فريق حزب العدالة والتنمية يتقدم بطعن في الموضوع لدى المحكمة الادارية.إذ أن الفراغ القانوني واضح هنا تماما، ولا يمكن مثلا سد الثغرة باعتماد الطريقة  المتبعة في عقد دورات المجلس المنصوص عليها في المادة 42.( انظر مقال الأستاذ الباحث بن يونس المرزوقي بعنوان « مجلس وجدة أصبح خارج القا نون» المنشور بالمجلة الالكترونية "هسبريس" بتاريخ 22/09/2016)

4- في تمثيلية النساء داخل مكتب المجلس

  باقرار القوانين التنظيمية الثلاث الخاصة بالجماعات الترابية لأول مرة، تماشيا مع مقتضيات الفصل 19 من دستور المملكة، بأنه يتعين أثناء جلسة انتخاب نواب الرئيس تخصيص عدد من المقاعد للنساء لا يقل عن ثلث عدد نواب الرئيس، تم فتح الباب على مصراعيه لجدل واسع حول إلزامية هذا المقتضى من عدمه، إذ أن فريقا يرى في عدم تخصيص ثلث المقاعد للنساء يعد خرقا جوهريا لطريقة الانتخاب يقع تحت طائلة الطعن بدعوى الالغاء، فيما فريق آخر يدافع عن حرية الترشيح لأن فيه تكليف.

وفعلا توصلت المحاكم الادارية بالمملكة بالعديد من الطعون المرتبطة بهذه الإشكالية،  حيث جاءت الأحكام متناقضة بين المحاكم الادارية ويتوزعها التوجهان المتناقضان المشار اليهما أعلاه.  ومن هذه الأحكام أذكر الحكم رقم : 4295 ، بتاريخ : 01/10/2015 ،ملف رقم 362/7107/15، الصادر عن المحكمة الادارية بالرباط يقضي بإلغاء نتيجة عملية انتخاب نواب رئيس المجلس الجماعي لمدينة الرباط لعدم احترام التمثيلية النسائية في التشكيلة. وقد استندت، فيما استندت اليه، في إصدار حكمها على ما تنص عليه المادة 19 من الدستور، وكذا الصيغة التي جاءت بها الفقرة ماقبل الأخيرة من المادة 17 من القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات، والتي تفيد الالزام: « يتعين العمل على أن تتضمن كل لائحة ترشيحات نواب الرئيس عددا من المترشحات لا يقل عن ثلث النواب.» . وقد قضت نفس المحكمة بنفس الشيء ولنفس الاسباب في حكمها الصادر في 29 شتنبر 2015 تحت رقم: 4193 المتعلق بانتخاب نواب رئيس المجلس الجماعي لجماعة أولاد علي منصور، قيادة بني حسان، دائرة تطوان، مشيرة الى أنه مادامت الجماعة تتوفر على عضوات بالعدد الكافي فان ترشحهن يبقى إلزاميا لهن وللمجلس كذلك، ما لم يتم الإدلاء بمبرر موضوعي يحول دون ذلك. وكانت جميع جماعات دائرة تفراوت قد سقطت في نفس المطب الذي جاءت به المادة 17 من القانون المذكور. غير ان محاكم ادارية أخرى ذهبت عكس ذلك، وقررت رفض الطعون المماثلة رغم عدم تخصيص ثلث المقاعد للنساء، وسايرتها في ذلك محكمة الاستئناف الادارية بالرباط أيضا.   

 ولاشك أن الطعون المقدمة لدى المحاكم الادارية بالمملكة أصبحت تطرح تساؤلات مشروعة بعد صدور القوانين المنظمة للجماعات الترابية في شكل قوانين تنظيمية لها من السمو لا يربوه الا النص الدستوري. ونظرا لكون هذه القوانين قد أعطت دورا كبيرا واختصاصا واسعا في مراقبة تسيير المجالس المحلية المنتخبة للقاضي الاداري، فإن عرض بعض القضايا على المحاكم الادارية يبقى غير مستساغ لدى بعض ذوي الاختصاص في الانتخابات وفي القانون الاداري عموما، نظرا للتضارب الذي يحصل عادة بين أحكامها حول نفس القضية، وهو ما يتطلب عرضها، بدلا من ذلك، على الغرفة الادارية بالمجلس الأعلى حتى يكون الاجتهاد موحدا.
                                                          تاونات في، 3 مارس 2016
بقلم ذ سعيد بـجـو
كاتب عام بجماعة ترابي باحث في الشأن العام المحلي
 


أعلى الصفحة