القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ حسوني قدور بن موسى
محام بهيأة وجدة
تحت عدد: 120
تمتلئ الصحف المغربية ووسائل الإعلام الإلكترونية كل يوم بالعديد من أخبار الجرائم الخطيرة والبشعة التي لا تكاد تخلو منها مدينة أو قرية، نذكر منها جرائم الاعتداء والعنف الجسدي والضرب والجرح وتكوين عصابات إجرامية والنهب والسرقة العادية والموصوفة واغتصاب الأطفال القاصرين والقتل والمخدرات والسكر والدعارة والانتحار...،

وهناك من يرجع  سبب ارتفاع معدل الجريمة، إلى فشل السياسة الجنائية التي تعتبر امتدادا لفشل إصلاح القضاء وإلى إخفاق  سياسة الوقاية من الجريمة ، ذلك أن الوقاية من الجريمة أصبحت في الدول المتقدمة هدفا قوميا تكرس له الجهود وترصد له ميزانية ضخمة، لأن انتشار الجرائم في الدولة يفقد المواطنين أمنهم وسلامتهم، وبالتالي  يعرقل مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 يعرف الفقهاء الجريمة بأنها كل فعل يحرمه القانون ويؤدي إلى انتهاك الأخلاق والعادات والتقاليد والذي  يضر بالمجتمع ومصالحه ويعاقب صاحبه من قبل الدولة، ولقد عرف بعض الفقهاء الجريمة بأنها انتهاك للمعايير الاجتماعية. ومن أهم الانتقادات الموجهة إلى هذا التعريف هو أن المعايير الاجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر، وبالتالي فما هو ممنوع في بلد معين هو مباح في بلد آخر،  والأمثلة كثيرة على ذلك منها على سبيل المثال» تعدد الزوجات  Lapolygamie» الذي يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي الفرنسي (المادة 433 – 20  ) التي تنص على : «أنه الفعل الذي بموجبه يبرم شخص عقدا بالزواج مع امرأة ثانية دون فسخ العقد الأول ويعاقب بسنة حبسا مع غرامة قدرها 45000 أورو كما يعاقب بالعقوبة نفسها الموظف الذي أبرم هذا الزواج وكان على علم  بالزواج الأول»، في حين يعتبر فهل تعدد الزوجات غير معاقب عليه في القانون المغربي. وكذلك «الخيانة الزوجية» «adultère «هو فعل غير معاقب عليه في القانون الجنائي الفرنسي في حين يعتبر جريمة معاقب عليها في القانون الجنائي المغربي (المواد 490 – 491 – 493 )، ولعل هذا هو الذي دفع بعض العلماء إلى تصنيف الجرائم إلى جرائم طبيعية وجرائم مصطنعة، فالجريمة الطبيعية هي تلك التي لا يختلف شعور الناس تجاهها  في كل زمان ومكان، ومهما اختلفت جنسياتهم  ومجتمعاتهم، فهم يعتبرونها جريمة تستحق العقاب مثل جريمة القتل والاعتداء الجسدي والاعتداء على الأموال والممتلكات. أما الجريمة المصطنعة فهي الأفعال المنتهكة لمكونات ثقافية مصطنعة أو ما يسمى العواطف غير الثابتة مثل العادات والتقاليد المتعلقة بالتطور والتقدم الحضاري لكل مجتمع والأمثلة على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال «الشذوذ الجنسي» الذي أصبح ظاهرة معتادة ومباحة في المجتمعات الغربية غير معاقب عليها، و هكذا يمكن القول إن خطورة الأفعال الإجرامية تختلف باختلاف المجتمعات، وأن علم الإجرام والعقاب علم واسع ومعقد تدخل في تراكيب وتفاعلات مفاهيمه كل مكونات المعرفة الإنسانية، وهناك من يربط بين السلوك الإجرامي والمرض على أساس أن السلوك الإجرامي هو سلوك شخص مريض وليس سلوكا  صحيا مستقيما، وهذا ما يؤدي بنا إلى البحث عن  «ميكروب» أو «فيروس»  الجريمة الذي ينتشر في جسد المجتمع بسرعة كما يبحث الطبيب عن جرثومة المرض. إلا أن هناك من يعتقد أنه من العبث البحث عن هذه الجرثومة لأن المجرم هو في النهاية صناعة المجتمع الذي يعيش فيه، وأرجع كثير من العلماء أسباب الجريمة إلى  ظاهرة الفقر والاضطرابات النفسية وسوء الحالة الأسرية و التفكك العائلي والقدوة السيئة والإعلام السيئ وانعدام التربية الحسنة الخ ... هذه العوامل  يتولد عنها السلوك الإجرامي وجميعها باءت بالفشل في بلادنا ولهذا فإن فلسفة العقوبة لم تعد في كثير من الدول تتجه نحو إنزال العقاب والأذى بالمجرم كما كان في الماضي، بل أخذت تبحث عن الأسباب الدافعة للجريمة واختيار الوسيلة الملائمة لتفادي تلك الأسباب، وبدأ تقييم دور العقوبة في هذا الشأن بمعنى هل العقوبة وسيلة ناجعة في الحد من الجريمة؟ وهل الزجر والردع وما يتطلبانه  من  صفة الإيلام في العقوبة سيكون له تأثير في إزالة أسباب الجريمة؟ وأصبحت فلسفة العقوبة تتجه نحو التدابير الوقائية أو الاحترازية التي تهدف إلى عزل المجرم عن المجتمع لحمايته منه وفي الوقت نفسه تهدف إلى علاجه من هذا المرض وتهذيبه لإزالة  أسباب الإجرام  لديه. ولقد اقتحمت مبادئ حقوق الإنسان هذه الفلسفة العقابية وفرضت عدة معايير يجب توافرها في المؤسسات العقابية ومنها على سبيل المثال التعليم و الرعاية الصحية و الاتساع في السكن والإضاءة والاستحمام والملابس التي تحفظ كرامة و آدمية  السجناء وتحول في الوقت ذاته دون تحقيق أضرار تعرقل وظيفة العقوبة في التأهيل الاجتماعي وضرورة فصل السجناء الذين يحتمل أن يكون لهم تأثير سيئ على زملائهم بسبب ماضيهم الإجرامي وخطورتهم الاجتماعية والإجرامية. 
لكن السؤال المطروح هل توفير جميع الشروط الإنسانية والحقوقية للمجرمين في المؤسسات العقابية  بما في ذلك تحسين السجون  بجعلها فنادق من صنف خمسة نجوم يعتبر عاملا يساعد على الحد من الجرائم في المغرب ؟ للجواب على هذا السؤال  فانه  لا بد من التفرقة بين علم الإجرام والسياسة الجنائية، فعلم الإجرام هو تجميع لأبحاث العلوم الأخرى حول المجرم والجريمة تجميعا قد يكون متعلقا بنتائج غير متجانسة، و تأسيسا على ذلك فقد نادى أصحاب هذا الرأي بوجوب إهدار القيمة العلمية لعلم الإجرام و استبداله باصطلاح « دراسات حول شخصية المجرم « هذا العلم نظرا لحداثته لم يضع الحلول الكاملة والشافية لمشاكل الجريمة و المجرم، أما السياسة الجنائية فموضوعها يختلف عن موضوع علم الإجرام، فإذا كان علم الإجرام  يتخذ موضوعا له المجرم و الجريمة فان علم السياسة الجنائية يتخذ موضوعا له القاعدة القانونية ذاتها ومدى فاعليتها وقدرتها على تحقيق الغرض المقصود منها و هو منع وقوع الجريمة. حقا إن السياسة الجنائية لا بد أن تستعين بالنتائج التي يقدمها لها علم الإجرام،  إلا أن هذا ليس مبررا لإدماجهما معا، وعلى هذا الأساس فإن القائمين على السياسة الجنائية  وعلى رأسهم وزارة العدل والوكلاء العامون للملك ... يرتكزون في عملهم على مدى فعالية القاعدة القانونية في الحد من الجريمة، كما أن علم الإجرام  وعلم العقاب من العلوم المساعدة في رسم السياسة الجنائية، فالقانون الجنائي يهدف إلى حماية المصالح الجوهرية العامة والخاصة بتجريم كل سلوك إنساني يمس بالمصلحة العامة وتحديد العقوبة والتدابير التي توقع على مرتكب تلك الأفعال الإجرامية حتى يتمكن القاضي من النطق بالحكم الذي يراه ملائما محققا بذلك الأهداف القانونية التي تتمثل في تحقيق استقرار المراكز القانونية و تحقيق العدالة في المجتمع، وتحقيق الردع العام أو الخاص لضمان استقرار الأمن في المجتمع. إن السياسة الجنائية  مرتبطة بسيادة الدولة، وهي تعد من مظاهر سيادة الدولة، إذ بواسطتها تحافظ الدولة على أمن الأفراد والجماعات والممتلكات، وبالتالي المحافظة على كيان المجتمع حتى ولو تعرضت حقوق الإنسان للانتهاك والمثال على ذلك التصدي لظاهرة الإرهاب بجميع الوسائل المتاحة من أجل مكافحة  هذه الجريمة. وفي الحالة التي يكون فيها كيان الدولة معرضا للخطر فإنها لا تخضع التمتع بالحقوق التي تضمنها طبقا لهذا العهد إلا للحدود المقررة في القانون ( المادة 4  من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية لسنة1996).
 
لقد حلت فكرة التهذيب و الإصلاح محل فكرة الزجر والردع و تجاوزت رسالة السجن عن حد وقاية المجتمع من الخارجين عن نظمه، إلى المساهمة ايجابيا في تقدم المجتمع بتخريج أكبر عدد ممكن من نزلائه إلى الحياة الاجتماعية مهيئين مهنيا  وثقافيا واجتماعيا وصالحين جسمانيا و عقليا لاستعادة أماكنهم في عملية الإنتاج في المجتمع. لكن هل واقع السجون في بلادنا يستجيب لهذه الحاجيات ويتماشى مع المعايير الدولية التي تهدف إلى احترام آدمية السجناء وأنسنة ظروف السجن ؟

بقلم ذ حسوني قدور بن موسى
محام بهيأة وجدة
 


أعلى الصفحة