قانون الأسرة

بقلم ذ محمد فجار
نقيب سابق لهيأة المحامين بالجديدة
تحت عدد: 38
إدلاء المشتكيات بنسخ تنفيذية من الأحكام التي امتنع المشتكى بهم عن تنفيذها غير لازمة قانونا
.أحيانا تعترض صاحبة شكاية جنحية بإهمال أسرة ضد زوجها أو مفارقها الذي صدر لفائدتها حكم عليه قابل للتنفيذ بأداء النفقة لها ولأولادها منه، أو في مواجهة مفارقها الذي صدر لفائدتها حكم عليه بأداء النفقة لهؤلاء الأولاد

أحيانا تعترض صاحبة شكاية جنحية بإهمال أسرة ضد زوجها أو مفارقها الذي صدر لفائدتها حكم عليه قابل للتنفيذ بأداء النفقة لها ولأولادها منه، أو في مواجهة مفارقها الذي صدر لفائدتها حكم عليه بأداء النفقة لهؤلاء الأولاد، وامتنع من أدائها رغم تنفيذ هذا الحكم عليه بواسطة أحد مأموري الإجراء أو أحد المفوضين القضائيين، وحرر محضر من قبلهم بهذا الامتناع من التنفيذ مع محضر بعدم وجود ما يحجز لديه للوفاء بمضمن هذا الحكم . تعترضها أمام النيابة العامة لدى بعض المحاكم المغربية  بعض الصعوبات منها مطالبتها بأن ترفق هذه الشكاية بنسخة تنفيذية من الحكم الذي تباشر تنفيذه على الزوج أو المفارق. فهل هذا الإجراء الذي يشترطه بعض السادة وكلاء الملك أو بعض نوابهم يجد له سندا صحيحا في  القانون ؟

 

نحن نرى أن هذا الشرط لا يجد له مرتكزا صحيحا من القانون. كما أنه من الممكن إذا صار عملا جاريا به لدى كل المحاكم، أن تترتب عنه عدة أضرار جسيمة للغاية بالمشتكيات ضد الأزواج أو المفارقين من أجل إهمال الأسرة:                                       

 

-    فهو لا يجد له سندا في القانون : وذلك لأن الفصل 480 من القانون الجنائي الذي تبنى عليه المشتكيات شكاياتهن لا يشترط أن ترفق الشكاية بنسخة من الحكم ممهورة بالصيغة التنفيذية ( وهي النسخة التنفيذية )، وإنما يشترط فقط أن يكون الحكم الذي امتنع المشتكي من تنفيذه حكما نهائيا، أي غير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن العادية، أو قابلا للتنفيذ المؤقت، أي مشمولا بالنفاذ المعجل. أو بعبارة أخرى فإن الذي يشترط الفصل 480 إرفاق الشكاية به هو حكم حائز للقوة التنفيذية، وليس حكما ممهورا بالصيغة التنفيذية. وغني عن البيان، أن الأحكام التي تصدر عن القضاء، عندما تبت في مسألة موضوعية وتصير بذلك قطعية، فإنها تكتسب ما يعرف بحجية الأمر المقضي به، فتصبح قرينة قانونية على ما بتت فيه طبقا لمقتضى الفصل 451 من قانون الالتزامات والعقود. ولكنها مع ذلك لا تكون، مبدئيا،  قابلة لتنفيذها على من صدرت ضده إلا بعد أن تكتسب القوة التنفيذية . فهذه القوة، هي التي تحولها من مجرد وسيلة إثبات فحسب، أي باعتبارها فقط مجرد حجة في مواجهة من كان طرفا فيها أو خلفه الخاص أو العام، إلى سند تنفيذي، أي إلى وسيلة من الوسائل التي يعتمد عليها المحكوم لهن من أجل التنفيذ على المحكوم عليهم، ولو بواسطة استعمال الوسائل الجبرية من حجوز تنفيذية وحجوز عقارية وغيرها أو وسائل الإكراه المالي أو البدني عليهم، وهذه القوة التنفيذية لا تكتسبها الأحكام بصفة مبدئية إلا في حالتين اثنتين:

 

الحالة الأولى : وهي الأصل .

 وهي الحالة التي تصير فيها نهائية . وتستـثنى منها الحالات الثلاث المنصوص عليها في الفصل 361 من قانون المسطرة المدنية، التي لا تكتسب فيها الأحكام النهائية القوة التنفيذية حتى مع اكتسابها الصبغة النهائية .. وهذه الحالات هي : قضايا الأحوال الشخصية وقضايا الزور الفرعي وقضايا التحفيظ العقاري . ويضيف إليها بعض القضاء الفقه الأحكام الصادرة باليمين الحاسمة. 


والحالة الثانية : وهي استثناء من ذلك الأصل .

 وهي الحالة التي تكتـسب فيـهـا الأحكام الصبغة التنفيذية قبل إبانها، أي قبل اكتسابها الصبغة النهائية. وهي ما تعرف بالأحكام المشمولة بالنفاذ المعجل. وقد سميت بذلك، لأنها تكتسب القوة التنفيذية قبل الأوان، أو بالأحكام المشمولة بالنفاذ المؤقت، لأن قوتها التنفيذية يكون مصيرها مؤقتا ومعلقا على صدور قرار نهائي بتأييدها.


-
وقد تنتج عنه مشاكل عملية جسيمة بالنسبة للمشتكيات. وذلك لأن الأحكام التي يمتنع المشتكى بهم عن تنفيذها، وخاصة منها تلك التي صدرت في ظل مدونة الأسرة الجديدة، لا تقضي لهن فقط بالواجبات المستحقة لهن عن مدة محددة في الزمن تبتدئ وتنتهي في تواريخ معينة، وإنما تقضي لهن بهذه الواجبات ابتداء من تاريخ معين إلى أن تصدر أحكام أخرى تحل محلها أو تسقط حقهن في النفقة طبقا للفقرة الأخيرة من المادة 191 من مدونة الأسرة. وأن من شأن الإدلاء رفقة شكاياتهن بالنسخ التنفيذية الممهورة بالصيغة التنفيذية التي لا تسلم للمعني بالأمر إلا نسخة واحدة منهـا، ولا تسلم له نسخة ثانيـة منها إلا بمقتضى قرار يصدره قاضي المستعجلات بعد استدعاء جميع ذوي المصلحة ( الفصل 435 من قانون المسطرة المدنية ). من شأن ذلك أن يحرمهن من مواصلة تنفيذ الأحكام على المحكوم عليهم بالنسبة للواجبات التي تراكمت عليهم بعد التاريخ الذي امتنعوا فيه من التنفيذ وأنجزت بالنسبة إليهم محاضر بالامتناع من هذا التنفيذ، خاصة إذا طالت مسطرة إهمال الأسرة التي قد تستغرق مراحل البحث والمحاكمة فيها مدة طويلة من الزمن تمر خلالها من مراحل المحاكمة الثلاث ( مرحلة البداية ومرحلة الاستئناف ومرحلة النقض ). وقد يحصل لهن من ذلك عنت كبير، بل وحرمان حتى من اللجوء إلى وسائل التنفيذ الأخرى من حجوز جبرية مباشرة أو حجوز لدى الغير التي تتطلب مباشرتها الإدلاء بالنسخة التنفيذية التي قد تبقى محتجزة بالمسطرة الجنحية كوسيلة من وسائل الاقتناع إلى حين اكتساب الحكم الصادر في قضية إهمال الأسرة قوة الشيء المقضي به التي تجعله حكما باتا  لا معقب عليه وغير قابل للطعن فيه بأي وسيلة من الوسائل.   

     وهكذا يتجلى، إذن، أن إدلاء المشتكيات رفقة شكاياتهن الجنحية بإهمال الأسرة بنسخ تنفيذية من الأحكام التي امتنع المشتكى بهم عن تنفيذها غير لازمة قانونا، وفي اشتراط الاستظهار بها إعنات للمشتكيات يضر بهن وبأولادهن خاصة أن الأمر يتعلق بحكم بنفقة وهو ذو طبيعة مستعجلة وحيوية لتعلق ما بت فيه بالقوت اليومي لطالب النفقة. وهذا ما يقتضي من تلك الجهات التي تشترط ذلك، التراجع عن هذا الشرط احتراما للقانون من جهة، وللتيسير على المشتكيات من جهة أخرى.

بقلم ذ محمد فجار
نقيب سابق لهيأة المحامين بالجديدة
 


أعلى الصفحة