القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ الأمراني علوي محمد
باحث في التشريع وعمل المؤسسات الدستورية والسياسية، سلا
تحت عدد: 373
من حسنات بعض الحوادث القانونية، أنها

تجعلنا ننفض الغبار عن مقتضيات قانونية، تظل سجينة النص القانوني دون تبيئة أو تفعيل أوإخضاعها لتمرين، ولعل ما حدث في مجلس المستشارين من تعطيل للمسطرة التشريعية فيما يخص مشاريع القوانين المتعلقة بإصلاح أنظمة التقاعد، واللجوء إلى ما يسمى "ببلوكاج" هذا المشروع داخل اللجنة المختصة، يجعلنا نسائل الأسلوب المختصر للمصادقة وقبله انحصار المسطرة التشريعية.

إن الأسلوب المختصر للمصادقة، هو إجراء ليس له أي سند دستوري، وإنما مرجعه وأساسه الأنظمة الداخلية لكلا مجلسي البرلمان، يتم اللجوء إليه عند استحالة وتعثر المناقشة والتصويت على مشروع أو مقترح قانون داخل اللجان الدائمة، أو عندما يكون مشروع أو مقترح قانون لا يحتمل التأخير والتأجيل، إذ يتم القفز على مرحلة المناقشة داخل اللجنة الدائمة المختصة، وتتم برمجته مباشرة في الجلسة العامة للتصويت عليه دون مناقشة، وذلك بعد موافقة ندوة الرؤساء.

حسب الأنظمة الداخلية للمجلسين، لرئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين أو الحكومة أو رئيس اللجنة المختصة أو رئيس فريق نيابي أن يطلب خلال ندوة الرؤساء مناقشة مشروع أو مقترح قانون حسب أسلوب المختصر للمصادقة، فندوة الرؤساء هي من تمتلك حق البت في طلب اعتماد الأسلوب المختصر للمصادقة، ولا يمكن اعتماد هذا الأسلوب إلا بخصوص نص لم يدرس بعد في اللجنة، أو قدم من لدن رئيس اللجنة المختصة بعد استشارتها طبقا للفقرة الثانية من المادة 154 من النظام الداخلي لمجلس النواب، والمادة 207 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين.

لكن وإن كان الجزء الأول من هذه الفقرة لا غبار عليه، فإن الجزء الثاني من الفقرة يلفه الغموض والغبش "... أو قدم من لدن رئيس اللجنة المختصة بعد استشارتها..." فماذا يقدم رئيس اللجنة وأين يقدم، علما أن مشاريع القوانين داخل اللجن الدائمة تقدم من لدن الوزير صاحب المشروع، ومقترحات القوانين تقدم من طرف أصحابها. فماذا يقصد صائغو هذه الفقرة من خلال هذه العبارة. إن هذه العبارة تحتاج لتدقيق أكثر، والراجح عندنا هو تقديم تقرير من لدن رئيس اللجنة بعد استشارتها يبين فيه أسباب تعثر المناقشة والتصويت على النص القانوني، فلا يستقيم المنطق التشريعي بتعطيل نصوص قانونية داخل اللجان الدائمة، دون تدخل لإصلاح  العطب والعطل إما من طرف مكتب المجلس أو ندوة الرؤساء.

وإذا تمت الموافقة على الأسلوب المختصر للمصادقة من قبل ندوة الرؤساء، ودائما حسب الأنظمة الداخلية للمجلسين، "يعلن الرئيس، أي رئيس المجلس المعني، عن هذا الطلب ويأمر بنشره وتوزيعه على النواب أو المستشارين ، ويتم إشعار الحكومة به. ولا يشرع في المناقشة إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على الأقل، ابتداء من يوم الإخبار به وبعد توزيع التقرير الخاص به." (الفقرة الأولى من المادة 146 من النظام الداخلي لمجلس النواب والمادة 208 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين).

إن منطوق هذه الفقرة يهدينا إلى طرح سؤال التالي: ما التقرير الخاص بالنص القانوني ومن يعده؟ فإذا كان اعتماد الأسلوب المختصر للمصادقة بشأن نص لم يدرس بعد في اللجنة، وحسب النظام الداخلي فإن التقرير ينجز بعد تقديم ومناقشة والتصويت على النص القانوني، وبالتالي من يعد التقرير هل مكتب المجلس؟ أم رئيس اللجنة المعنية علما أن رئيس الجنة لا يرفع أي تقرير إلا في حالة انصرام أجل النظر في النصوص المعروضة عليها، أو في حالة تعثر دراسة النص القانوني. أكثر من ذلك والحالة هذه، أي حالة عدم دراسة النص القانوني داخل اللجنة، هل يطلب اعتماد الأسلوب المصادقة المختصر بعد إحالته على مكتب المجلس أو بعد إحالته على اللجنة الدائمة المختصة، أو في كلا الحالتين؟   

ويمكن حسب المادة 147 من النظام الداخلي لمجلس النواب " للحكومة ولكل نائبة أو نائب الحق في الاعتراض على اعتماد أسلوب المصادقة المختصر، وذلك ابتداء من تاريخ الإعلان إلى حدود الساعة السادسة مساء عشية يوم المناقشة على أبعد تقدير". وبموجب المادة 209 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين " يحق للحكومة ورئيس اللجنة المعروض عليها النص ورئيس فريق، الاعتراض على اعتماد الأسلوب المصادقة المختصر..."، نستشف هنا الاختلاف بين المادتين من النظام الداخلي لكلا المجلسين، إذ يمنح النظام الداخلي لمجلس النواب حق الاعتراض للحكومة ولكل نائب. لكن كيف يمنح النظام الداخلي لمجلس النواب حق الاعتراض لكل نائب، فلا معنى لهذا المقتضى خصوصا وأن ندوة الرؤساء تضم رؤساء الفرق، وأن النائب يجب أن يلتزم بقرارات رئيس الفريق والفريق برمته، فرؤى وتوجهات النائب  تعبير عن رؤى فريقه داخل المجلس.

 ويبقى هنا النظام الداخلي لمجلس المستشارين الأقرب إلى الصياغة السليمة والصحيحة، وفي هذا الصدد  نجد أن النظام الداخلي للجمعية الوطنية الفرنسية ينص على الحكومة ورئيس اللجنة المعنية ورئيس فريق.

وما يجدر لفت الانتباه إليه، أن الاعتراض على الأسلوب المختصر للمصادقة لا يؤدي إلى دراسته داخل اللجان الدائمة المختصة، بل في جميع الأحوال النص القانوني يبرمج داخل الجلسة العامة، ويخضع للتصويت مباشرة دون مناقشة، اللهم إذا كان هناك اعتراض فإن النص يخضع لمقتضيات المسطرة العادية لمناقشة النصوص التشريعية في الجلسة العامة.         

في أزمة دراسة مشاريع قوانين أنظمة التقاعد.

أحالت الحكومة طبقا للفصل 78 من الدستور بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين  ثلاثة مشاريع تهم إدخال تعديلات على القوانين المنظمة لصناديق التقاعد، وذلك في إطار إصلاح أنظمة التقاعد، بتاريخ 2016-01-19، وبعد برمجة مناقشتها داخل لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية، صاحبة الاختصاص بموجب المادة 52 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين، عمدت المعارضة  وتحديدا النقابات داخل اللجنة بعرقلة مناقشتها، من مسوغ ضرورة الاتفاق على محاور الإصلاح من خلال قناة الحوار الاجتماعي.

وفي أخير اجتماع للجنة بتاريخ 13 ماي 2016، وانسداد باب المناقشة، بفعل العرقلة، أعلن رئيس اللجنة في تصريح له لجريدة هيسبريس الالكترونية، رفع تقريرا إلى رئاسة المجلس للتداول فيه على مستوى ندوة الرؤساء، لتجاوز الأجل المتاح للمناقشة والتصويت.

إن هذه الحيثيات تجعلنا نؤكد، أن التمسك بقناة الحوار الاجتماعي من لدن النقابات، لأجل النأي عن أسلوب البلوكاج داخل اللجنة الدائمة، ممارسة تضرب في العمق العمل البرلماني والقوانين المنظمة له، فمبرر الحوار الاجتماعي خارج التغطية القانونية، وإخلالا بالمساطر الجاري بها العمل، فالمنطق القانوني يفترض أن تأجيل دراسة النصوص القانونية له ارتباط بجوهر النص من أجل تعميق الدراسة وتجويد النص، وليس من أجل نتائج حوار اجتماعي لا يعرف مصيره وأجله.

إن الحكومة لا سبيل لها لتجاوز هذه العرقلة سوى طلب الأسلوب المختصر للمصادقة، والتفاوض والتوافق مع رؤساء الفرق ورؤساء اللجان درءا للاعتراض، لأن هذا الأخير سيسفر عن خضوع هذه المشاريع إلى المسطرة العادية لمناقشة النصوص التشريعية في الجلسة العامي، وبالتالي الرجوع إلى مسلسل العرقلة، لأن مشاريع النصوص في الجلسة العامة تتطلب عرض الحكومة للمشاريع ومناقشتها والنظر في التعديلات ثم التصويت.        

                    

بقلم ذ الأمراني علوي محمد
باحث في التشريع وعمل المؤسسات الدستورية والسياسية، سلا
 


أعلى الصفحة