القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ زهير العمراني
طالب باحث بسلك الماستر, وحدة القانون و الممارسة القضائية
تحت عدد: 378
مقدمة: من المعلوم بأن المغرب قد انظم إلى أهم

المواثيق و المعاهدات  الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان و كلها تؤكد على أن المؤسسات المحدثة  بشكل ديمقراطي و التي تتسم بالمشروعية يجب ان تخضع بهيأتها و أفرادها لأحكام القانون و أن لا تحيد عنه ضمانا للحقوق و الحريات العامة و الخاصة و هذا يتطلب و جود منظومة متكاملة تسهر على إحقاق العدل بين المواطنين و تكريس مبدأ دولة الحق و القانون من هنا برز اهتمام المؤسسة الملكية بهذا الجانب إذ أن جلالة الملك محمد السادس و منذ تقلده العرش و توليه زمام أمور المملكة المغربية جعل شغله الشاغل الارتقاء بمنظومة العدالة إلى مصاف النظم المقارنة في الدول المتقدمة و مسلسل إصلاح منظومة العدالة ليس وليد الظرفية الراهنة بل هو امتداد تاريخي انطلق بمجرد حصول المغرب على الاستقلال لكن تبقى أهم محطاته الزمنية خطاب 1999 بالدار البيضاء ثم خطاب 20 غشت 2009 بمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك و الشعب الذي يعد نقطة البداية نحو إصلاح شامل و عميق لمنظومة العدالة وفق تصور جديد و أهداف كبرى و الذي تلاه خطاب 9 مارس 2011 الذي أعلن فيه جلالة الملك محمد السادس عن التعديل الدستوري الذي يعد نقلة نوعية في المسار التاريخي للمغرب و الذي تم من خلاله الارتقاء بالقضاء إلى مستوى سلطة إلى جانب السلطتين التشريعية و التنفيذية باعتباره لبنة أساسية في منظومة العدالة كما شكل خطاب 8 ماي 2012 و الذي كان بمناسبة تنصيب أعضاء الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة الذي يعد الانطلاقة الفعلية لمسار الإصلاح وفق التصور الجديد الذي يعتمد على مقاربة تشاركية تنخرط فيها كل الجهات و الفاعلين في منظومة العدالة وإشراك هيأت المجتمع المدني تجسيدا للمفهوم الجديد لهذا الإصلاح  بالتركيز على دور المواطن باعتباره المعني الأول بهذا الأخير و يعتبر خطاب ذكرى عيد العرش المجيد لسنة 2013 امتداد للرعاية الملكية بإصلاح منظومة العدالة و لعل إعداد ميثاق إصلاح منظومة العدالة بدوره حدث تاريخي و الذي تم من خلاله تشخيص واقع المنظومة من جهة و كشف النواقص و العيوب التي تعتريها و من جهة أخرى رسم الأهداف و الخطوات التي يجب إتباعها و تنزيلها بشكل سليم حتى نصل إلى منظومة متكاملة و متناسقة فيما بينها و تكريس سلطة قضائية وفق التصور الدستوري و صولا لدولة الحق و القانون .

و من هنا تبرز أهمية الموضوع و التي تجد أساسها في كون المواطن المعني الأول بإصلاح منظومة العدالة من خلال حماية حقوقه و إحداث سلطة تسهر على صون هده الحقوق من الضياع.

فما مدى نجاح ميثاق إصلاح منظومة العدالة في الأخذ بمعايير الحكامة التي تكرس مفهوما جديدا يجعل المواطن في قلب الحدث  ؟

يمكن القول على أن ميثاق إصلاح منظومة العدالة جاء بمجموعة من الأهداف الرئيسية و أخرى فرعية من شأن تفعيلها و فق تصور سليم يستند على  معايير الحكامة أن يكرس مفهوما جديدا لمنظومة محورها الأساسي تقريب العدالة من المواطن.

ولبسط هذه الفرضية سنعتمد التصميم التالي:

المحورالأول: الرفع من مستوى البنية التحتية و إقامة محكمة رقمية

المحور الثاني:انفتاح الإدارة على المواطن و تبسيط الإجراءات :

المبحث الأول: تحديث الإدارة القضائية و تقريبها من المواطن

سنتناول في هذا المبحث تعزيز البنية التحتية بهدف تقريب الإدارة القضائية من المواطن و كذا إقامة محكمة رقمية ( المطلب الأول ) ثم تبسيط المساطر القضائية ( المطلب الثاني)

المطلب الأول : الرفع من مستوى البنية التحتية و إقامة محاكم رقمية

إن اختيار المغرب للمنهج الديمقراطي و الانفتاح على المجتمع، لا يمكن الجزم بنجاحه إلا إذا قيس ذلك بمدى قدرة العدالة على مواكبة هذا النهج الذي رسمته الدولة، الأمر الذي فرض على وزارة العدل الانخراط في سلسلة الإصلاحات الجذرية من أجل تحديث و عصرنة جهاز القضاء، ليواكب التطورات التي يشهدها المجتمع[1]، و يعد إعداد البنية التحتية  و إقامة محاكم رقمية من أهم الإصلاحات التي تجعل المواطن أقرب ما يكون للإدارة القضائية و أكثر إحساسا بمادية الإصلاح المنشود.

إن عصرنة و تحديث الإدارة القضائية رهين بمدى توفر هذه الأخيرة على بنيات جيدة تحقق الأهداف المرسومة و المهام الموكولة إليها، فأمام ما يعرفه المجتمع من تطور و تشعب العلاقات،و اختلاف أنواع القضايا المعروضة على العدالة و تعقدها، زيادة على ارتفاع معدل السكان و ما ينجم عنه من تزايد الطلب على خدمات العدالة،لذلك كان لابد من إحداث بنايات جديدة نظرا لهشاشة بناية المحاكم القائمة و قدمها، مما لا يتناسب و قيمة القضاء و دوره، فلا بد أن تكون كل بناية بشكل هندسي مميز يجعل مرتديها يشعرون و هيبتها[2] ، فبالإضافة إلى الزيادة في عدد المحاكم و إدخال إصلاحات عليها استجابة لمطلب الجودة في الأداء و الخدمة اللذان يعتبران الغاية الأساسية لجميع فئات المجتمع ،فإن هذا الإصلاح هو كذلك استجابة لسياسة تقريب القضاء من المتقاضين ، و عدم تمركزه في مناطق محددة .

و المتتبع لمسار وزارة العدل في مجال البنية التحتية يلاحظ أنها حاولت تجاوز الخطوات الصعبة[3] ، إذ لم تقتصر فقط على الزيادة في عدد المحاكم و إنما واكبتها بإحداث محاكم متخصصة ، إدارية،تجارية،أقسام قضاء الأسرة، كما هو الشأن بالنسبة لفرنسا التي زاوجت في إحداث المحاكم  بين النوع و الكم.

غير أن الملاحظ هو أن الطريقة التي يتم بها إحداث المحاكم و الزيادة في عددها، دون إعداد البنايات التي ستحتضنها، يبرهن على أن هناك قصور في تصور دور البناية و هندستها و علاقته بالمردودية ، فحالة أمكن العمل قد تكون وراء تعطيله، كما يساهم شكلها أو عدم ملائمتها للعمل القضائي الذي تحتاجه إلى هدوء النفس و راحة الفكر في ضعف المردودية و الإنتاج[4]. فلا يكفي المنظر الخارجي و إنما يتعين تقسيمها و تنظيمها بشكل جيد ييسر أمر الولوج إليها فهندستها تحدد بشكل كبير القدرة على تنظيم المصالح و المكاتب و تباعدها أو تقاربها ، لذلك يجب ن يراعى في البناية العديد من الشروط من بينها التوفر على الولوجيات[5] بالنسبة  للأشخاص المعاقين و الشيوخ و النساء الحوامل و بناء مصاعد مريحة في حالة التوفر على طابق علوي، و يتعين أيضا عدم الشبابيك في مكاتب الموظفين لكونها أصبحت مصدر تباعد و بالتالي عدم تحقيق الشفافية.

و يعد تحسين عملية الإستقبال يشكل إحدى الدعائم الأساسية لبروز إدارة منفتحة في وجه مرتفقيها، فعلاقة المواطنين بالإدارة كانت و لازالت محط عناية فقهية و قانونيىة كبيرة و ذلك على مختلف الأصعدة لكون أهم سمات الإدارة الحديثة هي العمل على تقريب الإدارة من المواطنين[6]، فكلما تدرجت الإدارة نحو عموم المواطنين زادت قدرتها على معرفة متطلباتهم و الإستجابة لها، و تيسرت سبل تنفيذ مقرراتها، و زادت إمكانات التأطير الإداري، و لعل أول مرحلة تربط بين الإدارة و المواطن، هي مرحلة الإسنتقبال التي تمثل أهم حلقات التواصل، فهذه المرحلة كافية لأخذ فكرة عن الإدارة تبقى مسجلة بذاكرته طيلة فترات تعامله معها [7] ، فالموطن ليس في حاجة إلى خطابات ووعودو دراسات تقنية، بقدر ما هو في حاجة إلى إدارة فعالة، شفافة، و إنسانية قيل كل شيء.

و ما دمنا نتحدث عن تقريب الإدارة من المتقاضين فإن استعمال التكنولوجيا المعلوماتية بالإدارة القضائية " معلوميات التسيير القضائي" تعتبر الية جديدة لمعالجة التسيير بالمحاكم، عن طريق تبسيط الإجراءات لتحسين سير العمل القضائي و محاولة التخفيف من الأعباء على كل العاملين و المرتفقين داخل المحاكم، و ذلك كله من أجل الرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين و تمكينهم من الحصول على حقوقهم في أقرب الاجال[8].

فإحداث محاكم رقمية سيساهم ل محالة في توحيد العمل بين مختلف المحاكم الأمر الذي سيكون له تأثير إيجابي على الإدارة القضائية و المتقاضين و مساعدي القضاء، و لعل أهم ميزة للمحكم الرقمية و التي تخص المواطن بصفة مباشرة هو متابعة القضايا و ضبطها و معرفة الأطوار التي قطعتها القضايا.

إذن الإدارة الإلكترونية بصفة عامة و المحكمة الرقمية بصفة خاصة يساهم بشكل مباشر في دعم شفافية عمل الإدارة، و تطوير ما يعرف بمبدأ الحكامة الجيدة، و هذا ما سيمنح الموطن سواء كان شخصا ذاتيا أو معنويا خدمة ذات جودة عالية من حيث التكلفة و الآجال و القرب. 

المطلب الثاني: تبسيط المساطر القضائية خدمة للمواطن.

يعتبر تحديث و إصلاح الإدارة القضائية أهم المحاور الهامة التي شملت إصلاح منظومة العدالة، وذلك لكون إصلاح الإدارة القضائية ورش قائم بذاته يتعين إنجازه بكامل الفعالية.

وتبسيط المساطر القضائية لما لها من دور فعال في تحديث و إصلاح الإدارة القضائية يشكل خطوة هامة نحو إصلاح العدالة وحعل المواطن في قلب الإصلاح.

فنتيجة للملفات الضخمة والعدد الكبير لها، فإن المحاكم المغربية تظطر للمعاناة من طول المساطر وتعقيدها، وهذا ما يجعل المواطن يفقد الثقة ، هذه الأخيرة التي تشكل بؤرة التواصل بين المواطن والإدارة القضائية.

ومما لا شك فيه أن المواطن عند لجوئه إلى القضاء غرضه الحصول على نتائج سريعة، وهذا لن يتحقق إلا في نطاق تبسيط المساطر وتحسين مشارب العمل والتخفيف من حدة الشكليات الإدارية. ولعل أهم المساطر التي تثير العديد من الإشكاليات التبليغ و التنفيذ لما لها من تأثير على فعالية و جودة جذمات العدالة مما يستوجب العمل على تبسيطها.

والتبليغ هو إيصال أمر أو واقعة ثابتة إلى شخص معين على يد أعوان كتابة الضبط أو الأعوان القضائيين أو الطريقة الإدارية أو عن طريق البريد برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل ( الفصل 37 من ق م م ).

وتكمن أهمية التبليغ في عدم جواز احتجاج المبلغ بجهله لما تم تبليغه به حتى أن بعض الفقه اعتبر حجية التبليغ كحجية نشر التشريع بالجريدة الرسمية.[9]

ولعل السبب الرئيسي في بطء تصفية القضايا أمام المحاكم يعود لأسباب منها مشاكل التبليغ منها المتعلقة بشكليات التبليغ، حيث أن المشرع لم يرتب جزاء على إغفال الاسم العائلي والشخصي بورقة التبليغ، أيضا من الاشكالات التي تثار في مرحلة التبليغ الحالة التي يمتنع فيها المتسلم إليه أو الشخص الموجود بموطنه عن التسليم والإدلاء بهويته و أن عدم ترتيب الأثر القانوني على هذه التبليغات يخدم مصلحة المتقاضين بسوء نية الذين يسعون بشتى الوسائل إلى عرقلة العدالة. هذه بعض الإشكالات التي تثار في مرحلة التبليغ.

أما عن مرحلة التنفيذ، فالإشكالات المطروحة في هذه المرحلة تعيق السير الطبيعي للمحاكم، فهو مشكل مطروح بشدة في الساحة الوطنية لكونه يساهم في بطء وطول المساطر مما يولد ضعف الثقة بين الإدارة القضائية والمواطن. و من أهم الإشكالات التي تثار في مرحلة التنفيذ الصعوبة القانونية حيث أصبحت تثار أمام القضاء بصورة مستمرة ولو تعلق الأمر بأحكام مشمولة بالنفاذ المعجل، إضافة إلى المشاكل الميدانية التي يتسبب فيها المحكوم عليه من خلال إعطاء أسماء وعناوين وهمية في المقالات، إضافة إلى الأحكام القاضية بالتعويض الصادرة في مواجهة شركات التأمين فتنفيذ هذه الأحكام يعد من أصعب صور التنفيذ.

انطلاقا من كل هذه الإشكالات كيف يمكن للإدارة القضائية التقليل منها حتى تكتمل الثقة بين الإدارة القضائية والمواطن؟

إن قانون المسطرة المدنية الصادر في بتاريخ 74/09/28 قد حان الوقت لكي يتدخل المشرع من أجل سد ثغراته، مع الاستفادة من التشريعات المقارنة الحديثة والقواعد التي رسخها الاجتهاد القضائي، ومن الثغرات التي تستدعي تدخل المشرع إحداث نظام الغرامة المدنية، كجزاء للقضاء على التحايل والغش أو الإهمال في التبليغ وكذلك التنفيذ على جميع الأطراف المدنية، وذلك لسد الطريق أمام المتقاضين ذوي سوء النية لاستغلال هذه الدعوى لعرقلة البت في القضايا والتملص من تنفيذ الأحكام وكما يجب الرفع من مستوى المكلفين بالتبليغ ماديا و معنويا و إحداث نظام محكم لمراقبة عملهم تسند مهمته إلى أطر كتابة الضبط.

كما من الأجدر أن يسمح المشرع في حالة العجز عن التوقيع، بالتوقيع بالبصمة وألا تعاد الشهادة إلى كتابة الضبط، والسند في ذلك هو التقليل من حدة طول الإجراءات التي عادة ما تعزي تطبيق قواعد المسطرة. و أيضا التعامل مع مساطر تنفيذ الأحكام والمقررات القضائية بفعالية ونجاعة أكثر[10] حتى تكون هناك ثقة بين الإدارة القضائية  والمواطن.


·         [1]مشروع ميدا للتحديث

·         [2] عبد الرحيم مومن: الإعلاميات دورها في الإسراع في التدبير الجيد للملفات، مقال منشور بالموقع الإلكتروني www.startimes.com تم الإطلاع عليه بتاريخ 01ـ01ـ2016 على الساعة 21h20

·         [3] بهذا الخصوص أنظر : " البوابة القانونية و القضائية لوزارة العدل المغربي " بالموقع الإلكتروني www.adala.justice.gov.ma

·         [4] كريمة مصلي : " المحاكم الأدارية و التجارية نموذجان لفشل تقريب القضاء من المتقاضين" مقال منشور بجيدة الصباح ، العدد 2814 بتاريخ 28أبريل 2009 ص9

·         [5] قانون رقم 10ـ03 متعلق بالولوجيات الصادر في 12 ماي 2003

·         [6] محمد الزاوي: " الإدارة المغربية و استراتيجية جديدة للإصلاح " بحث لتيل دبلوم السلك العادي للمدرسة الوطنية للإدارة، برسم السنة الدراسية 1995ـ1996  ص15

·         [7] أحمد مخشاني:"الإصلاح الإداري بالمغرب على ضوء ميثاق حسن التدبير" رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، تخصص تسيير السلطات العمومية، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية ، السويسي الرباط السنة الجامعية 2000ـ2001 ص 57

·         [8] عبد الكريم غالي:" المعلوميت و دورها في التأهيل القضائي" مرجع سابق، ص 166

·         [9] عبد الكريم الطالب " الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية" طبعة أكتوبر 2012 ص 173.

·         [10]بنسالم أوديجا " إدماج الوساطة في النظامين القانوني والقضائي بالمغرب السياق العام، الاشكاليات المطروحة أي دور للمحامي في التجربة الندوة الجهوية الحادية عشر 2007 بعنوان " الصلح والتحكيم والوسائل البديلة لحل النزعات من خلال اجتهادات المجلس الأعلى. " ص 373.

بقلم ذ زهير العمراني
طالب باحث بسلك الماستر, وحدة القانون و الممارسة القضائية
 


أعلى الصفحة