القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ مصطفى يرتاوي
وكــيــل الــملـك لــدى المـحـكمــة الابتـدائـيـة بــالــرمــاني
تحت عدد: 121
لتحقيق في جرائم التعذيب يرتكز أساسا على تدخل الطبيب، أن الاتفاقيات الدولية قد حرصت أيما حرص على ضمان مجموعة من الحقوق لضحايا الجريمة المذكورة لعل أهمها ترسيخ حقهم في إجراء تحقيق سريع و نزيه كلما وجدت أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملا من أعمال التعذيب قد ارتكب.

و لعل في مقدمة الضحايا المشار إليهم، الأشخاص المحرومين من حريتهم في إطار مسطرة الوضع تحت الحراسة النظرية. وجدير بالذكر أن التحقيق في جرائم التعذيب والكشف عن الحقيقة يرتكز بشكل أساس على تدخل الطبيب باعتباره مؤهلا من الناحية العلمية لتحديد وجود تعذيب من عدمه و أثار تلك الأعمال على صحة الضحية


ولا مراء في أن القضاء الدولي ممثلا على الخصوص في قضاء المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان و قضاء محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان لعب دور رياديا في ترسيخ المبادئ الأساسية التي تكفل حماية فعالة للأفراد من التعذيب و إساءة المعاملة.


-
فما هي أبرز الاتفاقيات الدولية التي تناولت حق الأشخاص المحرومين من حريتهم في إطار الحراسة النظرية في الخضوع لفحص طبي كأهم حق من حقوق الإنسان ؟

- وإلى أي حد تأثر التشريع الوطني بتلك الاتفاقيات ؟

-وكيف ساهم القضاء الدولي في تفعيل ما تبنته تلك الاتفاقيات ؟

-وهل يكفي وجود نصوص قانونية ذات الصلة الموضوع أم أنه يجب أن يوازي وجود نصوص قانونية تكوين و تأهيل العنصر البشري المكلف بتفيذ القانون باعتباره الفاعل الأساسي في مجال حقوق الإنسان؟

للإجابة عن كل هذه التساؤلات نرى تقسيم الموضوع إلى محورين.

-المحور الأول : التدخل الطبي لفائدة الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية بين المواثيق الدولية والتشريع الوطني.

في إطار استجلاء الإطار القانوني لتدخل الطبيب لفائدة الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية اخترنا التعرض في البداية لموقف بعض الاتفاقيات الدولية وبرتوكول اسطنبول ( أولا)  على أن نتناول بالتحليل موقف التشريع المغربي  في النقطة الثانية ( ثانيا).

أولا : التدخل الطبي لفائدة الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية من خلال الاتفاقيات الدولية وبرتوكول اسطنبول

1.    الاتفاقيات الدولية :

كثيرة هي الاتفاقيات الدولية التي شغلها موضوع التعذيب وخصصت له عددا من المواد يعكس بحق وعي المجتمع الدولي بخطورة الظاهرة.

سنحاول قدر الإمكان الحديث فقط عن بعض الاتفاقيات التي لها علاقة وثيقة بموضوع المداخلة وتحديدا في الشق المتعلق بتدخل الطبيب، باستثناء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وإن تضمن مبادئ عامة إلى أن رصدها يبقى ضروريا، باعتبار الإعلان المذكور المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الأمم والشعوب.

بيد أن أهم وثيقة دولية يتعين الوقوف عندها  تتجلى أساسا في بوتوكول اسطنبول المقدم إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بمثابة دليل للتقصي والتوثيق الفعالين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة

أ‌- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

اقتصر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على التنصيص على المبدأ العام القاضي بعدم جواز تعريض أي إنسان للتعذيب أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الماسة بالكرامة في المادة 5 من الإعلان، علما أن المقتضى نفسه نصت عليه المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ب- اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملات أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المعتمدة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 دجنبر 1984.

نصت المادة 12 من الاتفاقية على ضمان كل دولة طرف قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه، كلما وجدت أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملا من أعمال التعذيب قد ارتكب في أي من الأقاليم الخاضعة لولايتها القضائية.

والأكيد أن فتح تحقيق في أعمال التعذيب يقتضي لا محالة اللجوء إلى فحوصات طبية للتأكد من وجود تعذيب من عدمه وأثاره على الصحة البدنية والنفسية للضحية.

ومعلوم أن المملكة المغربية صادقت على الاتفاقية المذكورة وتم  نشرها بالجريدة الرسمية رقم 4440  بتاريخ 19 دجنبر 1996.


ج - الميثاق  العربي لحقوق الإنسان

نصت المادة 8 من القانون المذكور في الفقرة الثانية على ما يلي : «تحمي كل دولة طرف كل شخص خاضع لولايتها من هذه الممارسات -المقصود التعذيب- وتتخذ التدبير الفعالة لمنع ذلك».
ونصت المادة 14 من الميثاق نفسه في الفقرة الرابعة على أن : « لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الطلب في العرض على الفحص الطبي و يجب إبلاغه بذلك».


- 2
بوتوكول اسطنبول بمثابة دليل للتقصي والتوثيق الفعالين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة


يعتبر برتوكول اسطنبول بمثابة دليل للممارسات الطبية الفضلى المقررة لفائدة الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية، الذين يشتبه في تعرضهم لأعمال تعذيب، إذ نص البرتوكول المذكور أن على جميع الخبراء الطبيين المشاركين في التحقيق في أعمال التعذيب وإساءة المعاملة، أن يتصرفوا في جميع الأوقات طبقا لأرفع المعايير الأخلاقية، وأن يحصلوا على موافقة صادرة عن علم قبل إجراء أي فحص، ويجب إجراء الفحص طبقا للمعايير المستقرة في مجال الممارسة الطبية ويجب على وجه الخصوص أن يتم إجراء الفحوص على انفراد وتحت إشراف الخبير الطبي ودون حضور موظفي الأمن أو غيرهم من الموظفين الحكوميين.

وينبغي أن ينجز الخبير الطبي على الفور تقريرا كتابيا دقيقا متضمنا على الأقل ما يلي :

-
ظروف المقابلة، اسم الشخص و أسماء أو انتماءات الحاضرين وقت الفحص، والوقت والتاريخ وموقع المؤسسة التي جرى فيها الفحص وطبيعتها وعنوانها وأية ملابسات ذات صلة عند الفحص (مثلا طبيعة أي تكبيل عند الوصول وحضور أفراد من قوات الأمن أثناء الفحص وتصرف الأشخاص المرافقين للمعتقل  ومدى صدور أي عبارات تهديد للقائم بالفحص ...)

-
سرد مفصل للوقائع  كما رواها خلال المقابلة الشخص المعني.

- الفحص البدني والنفسي وعند الاستطاعة أخذ صور فوتوغرافية ملونة لجميع الإصابات.

-
تفسير الحالة من حيث العلاقة السببية التي يحتمل وجودها بين نتائج الفحوص البدنية والنفسية وبين إمكانية وقوع تعذيب أو سوء معاملة وينبغي أيضا إيراد توصية بشأن لزوم أي علاج طبي أو نفسي أو فحص آخر.

-بيان هوية القائمين بالفحص بوضوح، وأن يكون موقعا عليه.

- ينبغي أن يكون التقرير سريا وأن يبلغ إلى الشخص أو إلى ممثله المعين، مع طلب آراء الشخص أو ممثله بشأن عملية الفحص وتسجيل هذه الآراء في التقرير.

كما ينبغي أن يقدم التقرير كتابة عند الاقتضاء إلى السلطة المسؤولة عن التحقيق في ادعاءات التعذيب أو إساءة المعاملة. وتقع على الدولة مسؤولية ضمان تسليم التقرير إلى هؤلاء الأشخاص بطريقة مؤتمنة ولا يجوز إتاحة الاطلاع على التقرير لأي شخص إلا بموافقة الشخص المعني أو بناء على إذن السلطة القضائية المكلفة بالتحقيق .

بقلم ذ مصطفى يرتاوي
وكــيــل الــملـك لــدى المـحـكمــة الابتـدائـيـة بــالــرمــاني
 


أعلى الصفحة