قانون الأسرة

بقلم ذ الحسن الكرٌمً

تحت عدد: 720
إن رغبة الإنسان فًي الإنجاب والحصول على الولد من أنبل مقاصد الزواج وأسماها، لأن الأبناء

زٌينة الحٌياة الدنٌيا، فقد قال الله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) 1 إلا أن هذه الرغبة قد لا تتحقق أحٌيانا، فالذرٌية هبة من الله تعالى، وقد اقتضت مشٌيئته سبحانه أن ٌيجعل بعض الأزواج عقٌيما، مصداقا لقوله عز وجل (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أويزوجهم ذكورا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما )2
غٌير أن الإنسان قد نظر إلى العقم على أنه مرض من الأمراض بوسعه التغلب علٌيه، فسعى إلى ذلك سعٌيا حثٌيثا منذ القدم، موقنا بأن ما من داء إلا وله دواء ، فحاول جاهدا علاجه بشتى الوسائل، بدءا 3 بالعقاقٌير والأدوٌية ثم بالعملٌيات الجراحٌية، أملا فًي إحداث الإنجاب بشكل طبٌيعًي، إلى أن توصل فًي العصر الحدٌيث إلى تحقٌيق الإنجاب بغٌير طرٌيقته المعهودة، بل بما ٌيعرف الٌيوم بالتلقٌيح الصناعًي الذي صار علاجا لحالات عدٌيدة من العقم لدى الرجال والنساء على حد سواء

لقد بعثت هذه التقنٌية الأمل فًي نفوس الٌيائسٌين من الإنجاب، وأدخلت البهجة على العدٌيد منهم لما تحقيق مقصدهم من الزواج
المحور الأول: مفهوم التلقٌيح الصناعًي وأنواعه
الفقرة الأولى: معنى التلقٌيح الصناعًي
التلقٌيح لغة: مشتق من لقح، ٌيقال: لقحت الناقة: قبلت ماء الفحل، فهًي لاقح، والجمع لُقح ولواقح؛ واللقاح اسم ماء الفحل من الإبل والخٌيل؛ وٌيقال لقحت النخلة ولق الزع، وألقح الفحل الناقة: أحبلها؛ وٌيقال ألقحت الرٌياح السحابة: خالطتها ببرودتها فأمطرت، وفًي التنزٌيل العزٌيز: (وأرسلنا الرياح لواقح) 4

؛ وٌيقال ألقحت الرٌياح الشجر والنبات: نقلت اللقاح من عضو التذكٌير إلى عضو التأنٌيث.5
والصناعي:ً هو ما ٌيستفاد بالتعلم من أرباب الصناعات، وهو ما لٌيس بطبٌيعًي.6
وبالجمع بٌين المعنى اللغوي للكلمتٌين، فإن التلقٌيح الصناعًي ٌيطلق على عملٌية التزاوج بٌين نطفتًي الذكر والأنثى، بطرٌيقة صناعٌية، أي مخالفة للطرٌيقة الطبٌيعٌية الفطرٌية
ولهذا جاء فًي تعرٌيف التلقٌيح الصناعًي اصطلاحا: "هو إجراء عملٌية التلقٌيح بٌين حٌيوان الرجل المنوي وبوٌيضة المرأة، عن غٌير الطرٌيق المعهود"7
فالتلقٌيح الصناعًي ٌيقصد به الإنجاب من غٌير تلاق بٌين الزوجٌين، فهو عبارة عن عملٌية أو وسٌيلة تقنٌية تساعد الزوجٌين على تحقٌيق رغبتهما فًي الإنجاب دون حصول أي اتصال جنسًي بٌينهما؛ وٌييتحقق ذلك عن طرٌيق نقل الحٌيوانات المنوٌية من الزوج إلى العضو التناسلًي للزوجة أو رحمها، كما قد ٌيتحقق ذلك أٌيضا بزرع بوٌيضة ملقحة فًي رحمها

وعموما، فالتلقٌيح الصناعًي هو كل طرٌيقة أو صورة ٌيتم فٌيها التلقٌيح والإنجاب بغٌير الاتصال الجنسًي الطبٌيعًي بٌين رجل وامرأة
الفقرة الثانٌية: أنواع التلقٌيح الصناعًي
يقسم التلقٌيح الصناعًي إلى قسمٌين: داخلًي وخارجًي
أ – التلقٌيح الصناعًي الداخلًي
وهو عبارة عن عملٌية طبٌية ٌيتم فٌيها الحصول على المنًي من الرجل وحقنه فًي فرج المرأة لٌيصل إلى البوٌيضة فًي قناة الرحم وٌيعمل على تلقٌيحها، ثم بعد ذلك تكمل البوٌيضة الملقحة مراحلها بشكل طبٌيعًي نحو تكوٌين الجنٌين

وٌيتم اللجوء إلى عملٌية التلقٌيح الداخلًي قصد علاج حالة العقم عند الرجل على وجه الخصوص، والعقم عند المرأة أحٌيانا، ومن أهم الأسباب التًي ٌيلجأ فٌيها إلى التلقٌيح الصناعًي الداخلي:ً
- انسداد القنوات التناسلٌية للذكر
عدم تكوٌين الحٌيوانات المنوٌية أو قلة عددها أو نقص حٌيونها أو كونها غٌير طبٌيعٌية.
- الضعف الجنسًي أو عدم القدرة على الجماع أو سرعة القذف.
- إصابة المرأة ببعض أمراض الجهاز التناسلًي التًي تنتج عنها إفرازات مهبلٌية أو رحمٌية تؤدي إلى
القضاء على الحٌيوانات المنوٌية.
- عٌيوب خلقٌية فًي الجهاز التناسلًي لأحد الزوجٌين أو لهما معا8

ب – التلقٌيح الصناعًي الخارجًي
وٌيقصد به الحالة التًي ٌيتم فٌيها التلقٌيح بٌين منًي الرجل وبوٌيضة المرأة فًي وسط خارج الرحم، كأنبوب اختبار أو أي وعاء مخبري، وبعد أن ٌيحدث الانقسام المناسب باجتماع الحٌيوان المنوي بالبوٌيضة، والتأكد من نجاح عملٌية التلقٌيح تعاد البوٌيضة الملقحة إلى رحم المرأة لتنمو بعد ذلك وتصبح جنٌينا، ٌيسمى عند ولادته بطفل الأنبوب لأن التلقٌيح تم فًي أنبوب أو وعاء مخبري.9

وقد ُيشرع فًي تداول هذا النوع من التلقٌيح ابتداء من الربع الأخٌير من القرن العشرٌن.
وٌيمكن إٌيجاز الأسباب الداعٌية إلى إجراء هذا النوع من التلقٌيح فٌيما ٌيلًي :
انسداد القنوات الرحمٌية انسداداً مطلقا لا ٌينفع معه إجراء عملٌية لفتحها.
- صعوبة انتقال الحٌيوانات المنوٌية داخل الجهاز التناسلًي للمرأة بسبب إفرازات الرحم المعادٌية للحٌيوانات المنوٌية.
- زٌيادة شدة الحموضة المهبلٌية عند المرأة مما ٌيمنع الحمل الطبٌيعًي أو الحمل بواسطة التلقٌيح الصناعًي
الداخلي.ً
- عدم تمكن أنابٌيب الرحم من القٌيام بوظائفها كاملة
أسباب غامضة ومجهولة.10
المحور الثاني:ً حكم التلقٌيح الصناعًي
الفقرة الأولى: حكم التلقٌيح الصناعًي فًي الشرع الإسلامًي
يٌجوز التلقٌيح الصناعًي بٌين الزوج والزوجة أو بٌين منٌيه وبوٌيضتها، فهو محل اتفاق، بل محل إجماع الفقهاء والباحثٌين فًي الشؤون الفقهٌية، باستثناء عدد قلٌيل منهم ذهبوا إلى حرمة التلقٌيح الصناعًي وإن كان بٌين الزوجٌين، وهذا الاستثناء لا ٌيؤثر على الاتفاق العام، وقد أفتى الفقهاء المتقدمون بجواز إدخال الزوجة منًي زوجها فًي فرجها، وهو نفسه ٌيعتبر تلقٌيحا صناعٌيا11.

ولقد أجاز المجمع الفقهًي الإسلامًي التابع لرابطة العالم الإسلامًي فًي دورته الثامنة التًي انعقدت بمقر :الرابطة بمكة المكرمة فًي الفترة ما بٌين : 4ربٌيع الثانًي و 9جمادى الأولى، سنة 1405هـ، الموافق ل: يناٌير 1985هذه الصورة وأصدر بخصوص ذلك مايلًي 19-28

أولا: إن حاجة المرأة المتزوجة التًي لا تحمل، وحاجة زوجها إلى الولد تعتبر غرضا مشروعا ٌيبٌيح معالجتها بالطرٌيقة المباحة من طرق التلقٌيح الصناعي.ً
ثانٌيا: إن الأسلوب الأول ( الذي تؤخذ فٌيه النطفة الذكرٌية من الزوج، ثم تحقن فًي رحم زوجته نفسها فًي طرٌيقة التلقٌيح الصناعًي الداخلي)ً هو أسلوب جائز شرعا بالشروط العامة الآنفة الذكر، وذلك بعد أن تثبت حاجة المرأة إلى هذه العملٌية لأجل الحمل

ثالثا: إن الأسلوب الثالث (الذي تؤخذ فٌيه البذرتان الذكرٌية والأنثوٌية من رجل وامرأة زوجٌين أحدهما للآخر، وٌيتم تلقٌيحهما خارجٌياً فًي أنبوب اختبار، ثم تزرع اللقٌيحة فًي رحم الزوجة نفسها صاحبة البوٌيضة) هو أسلوب مقبول مبدئٌياً فًي ذاته بالنظر الشرعً، لكنه غٌير سلٌيم تماما من موجبات الشك فٌيما ٌستلزمه وٌيحٌيط به من ملابسات، فٌينبغًي ألا ٌيلجأ إلٌيه إلا فًي حالات الضرورة القصوى، وبعد أن تتوافر الشرائط العامة الآنفة الذكر". 12

وبهذا أفتى جل الفقهاء المعاصرٌين، "فإذا أرٌيد أخذ النطفة من الزوج نفسه وإدخالها إلى رحم زوجته لتسهٌيل عملٌية الحمل التًي لا تحصل بالجماع الطبٌيعًي بٌينهما لسبب من جهته هو أو من جهتها هًي، فهذا قد ٌيمكن القول بجوازه شرعا إذا دعت إلٌيه الحاجة"13
فالتلقٌيح الصناعًي، "إن كان بماء الرجل لزوجته، جاز شرعا، إذ لا محذور فٌيه، بل ٌيندب إذا كان هناك مانع شرعًي من الاتصال الجنسًي"14.
الفقرة الثانٌية: حكم التلقٌيح الصناعًي فًي القانون المغربًي
أما عن موقف القانون المغربًي من عملٌيات التلقٌيح الصناعي،ً فٌيمكن القول بأنها تجرى منذ عدة سنٌين.
وكان أول إنجاب عن طرٌيق التلقٌيح الصناعًي الخارجًي (طفل الأنبوب) فًي المغرب عام ;:; 3فًي إحدى المصحات بالدار البٌيضاء، أي بعد أحد عشر عاما من نجاح أول عملٌية من هذا النوع على مستوى العالم.15
وقد ظل التلقٌح الصناعً بنوعٌه، الداخلً والخارجً، ٌمارس فً مراكز ومصحات خاصة .16 تتواجد فًي مختلف المدن الكبرى بالمغرب، وذلك فًي غٌياب قانون خاص ٌينظمه، مما دفع بالمقنن المغربًي إلى سد هذا الفراغ القانونًي أسوة بالعدٌيد من البلدان العربٌية الأخرى17.

فقد أعدت وزارة الصحة مشروع القانون رقم 69.36الذي ٌيتعلق بالمساعدة الطبٌية على الإنجاب،18 وصادق علٌيه مجلس الحكومة بتارٌيخ 29أبرٌيل ،4238لٌيحال بعد ذلك على البرلمان لمناقشته قصد المصادقة النهائٌية

وبموجب مشروع هذا القانون، فإنه ٌيجوز اللجوء إلى عملٌيات الإنجاب الصناعًي بٌين نطف الزوجٌين عند قٌيام العلاقة الزوجٌية، شرط التعبٌير عن موافقتهما القانونٌية، وهو ما نصت علٌيه المادة 12من مشروع القانون ،47.14التًي جاء فٌيها 19

لا ٌيجوز القٌيام بالمساعدة الطبٌية على الإنجاب إلا لفائدة امرأة ورجل متزوجٌين وعلى قٌيد الحٌياة وبواسطة أمشاج متأتٌية منهما وحدهما دون غٌيرهما.
لا ٌيمكن اللجوء إلى المساعدة الطبٌية على الإنجاب إلا بناء على طلب مكتوب من الزوجٌين موقع علٌيه بصفة قانونٌية من طرفهما ومرفق بنسخة من عقد الزواج مصادق على مطابقتها للأصل. ٌيحدد نموذج الطلب المذكور بنص تنظٌيمي"ً

وقد عبر المقنن المغربًي عن التلقٌيح الصناعًي بالمساعدة الطبٌية على الإنجاب، وٌيقصد بها كل تقنٌية مستحدثة من شأنها أن تؤدي إلى الإنجاب، وتقوم مقام الطرٌيقة الطبٌيعٌية، وهو ما ورد بٌانه فًي المادة الثانٌية من المشروع، حٌيث جاء فٌيه

ٌ"راد فًي مدلول هذا القانون بما ٌيلًي:
المساعدة الطبٌية على الإنجاب: كل تقنٌية سرٌيرٌية أو بٌيولوجٌية تمكن من الإخصاب الأنبوبًي أو حفظ الأمشاج واللواقح أو التلقٌيح المنوي أو نقل اللواقح وكذا كل تقنٌية أخرى تمكن من الإنجاب خارج السٌياق الطبٌيعي"...ً
فالقانون المغربًي ٌيسمح بإجراء عملٌيات التلقٌيح الصناعًي بنوعٌيه الداخلًي والخارجًي، وفق الشروط المنصوص علٌيها، إلا أنه ٌيمنع مشاركة طرف ثالث إلى جانب الزوجٌين فًي هذه العملٌات، فهو ٌيمنع ما ٌعرف بالأم البدٌلية أو تأجٌير الأرحام أوالحمل لحساب الغٌير، كما ٌيمنع من استعمال الأمشاج واللقٌحات فًي أغراض تجارٌية أو صناعٌية أو إخضاعها للتجارب أو التبرع بها؛ فقد نصت المادة الخامسة من مشروع القانون السالف الذكر على ما ٌيلًي

لا ٌيمكن استغلال المهام التناسلٌية البشرٌية لحساب شخص آخر أو أغراض تجارٌية ولهذه الغاٌية، ٌيمنع التبرع بالأمشاج واللواقح أو بٌيعها وكذا الحمل من أجل الغٌير"
وبحسب الفقرة الأولى من المادة السابعة، ٌيمنع إجراء أي بحث على اللواقح أو الأجنة البشرٌية.
وبهذا ٌيكون المقنن المغربًي قد أخذ بالفتاوى التًي أجمع علٌيها فقهاء العصر، وما قررته المجامع الفقهٌية والمؤتمرات والندوات التًي عقدت لهذه الغاٌية، من جواز التلقٌيح الصناعًي بٌين الزوجٌين وفق ضوابط وشروط معٌينة

خاتمة
مما سبق ٌيتضح أن التلقٌيح الصناعًي بنوعٌيه، الداخلًي والخارجًي، جائز شرعا وقانونا، إلا أن ما ٌينتج عن هذا التلقٌيح من قضاٌيا مستجدة ٌيطرح عدة إشكالات وجب أن تتضافر بشأنها جهود أهل الاختصاص فًي كل من الفقه والقانون و الطب لتحدٌيد موقف واضح منها، ومن أبرز هذه القضاٌيا: تأجٌير الأرحام، وتحدٌيد جنس الجنٌين، وبنوك الأجنة وإجراء التجارب والأبحاث العلمٌية علٌيها

بقلم ذ الحسن الكرٌمً

 


أعلى الصفحة