القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ علاء حسين علي
أستاذ القانون المدني والمعاملات المدنية المساعد جامعة الانبار-كلية القانون والعلوم السياسية
تحت عدد: 395
:مقدمة البحث
يلعب التمويل دوراً حيوياً في الحياة

 الاقتصادية المعاصرة وأصبح يؤدي وظائف أساسية من خلال عمليات تعاقدية اكتسبت وصف التمويل وصارت تسمى به تعبيرا عن الدور التمويلي الذي تؤديه بما يحقق الغايات المقصودة منها .

ويحتل تمويل العقارات من بين أنواع التمويل الأخرى أهمية بالغة نظراً لحاجة الناس الماسة لها ولاسيما السكنية منها ولما يتطلبه تمويلها من رؤوس أموال كبيرة مقارنة بتمويل المنقولات، وقد انعكست هذه الأهمية على الصيغ التعاقدية التي يتم تمويل العقارات من خلالها فأضحت هذه الصيغ تحظى لما تؤديه من وظائف تمويلية بأهمية لم تكن تحظى بها بصيغها التقليدية.  ولقد نجح الفقهاء المسلمون المعاصرون نجاحاً كبيراً في ترشيد هذه الصيغ التعاقدية التمويلية معاصرة؛ وذلك من خلال أعمال البنوك وشركات التمويل وشركات الاستثمار؛ مما جدد الإيمان بصلاحية الففقه الإسلامي على استيعاب مستجدات المعاملات المالية المعاصرة. بل ان نجاح المعاملات المالية الشرعية في ميدان الأسواق المالية دفع بالعديد من المؤسسات المالية التقليدية (الربوية) الى السير في ركاب الفقه الإسلامي والأخذ بتطبيقاته في الصيغ التمويلية المعاصرة.

ومن هذه الصيغ التمويلية المستحدثة في سوق العقارات:

1-     البيع بالتقسيط: وذلك بقيام شركة تمارس نشاط البيع بالتقسيط ببيع العقار الذي تملكه للمشتري بثمن يدفعه الأخير للبائع على شكل أقساط دورية يحدد مقدار القسط ووقت دفعه بما يتناسب مع مقدرة المشتري المالية على الدفع1.

 

2-     الإيجار التمويلي العقاري: وفي هذا العقد يقوم الممول (شركة أو مصرف) يمارس هذا النشاط بشراء العقار أو الاتفاق مع المقاولين على بناءه ومن ثم تأجيره للعميل مقابل أقساط يراعى في تحديدها إلى جانب تغطية مقابل الانتفاع استرداد الممول لثمن العقار وعند تسديد القسط الأخير يقوم الممول بتمليك العقار للمستأجر2.

3-     استصناع المباني : بان يطلب المشتري من الصانع بناء عقار معين على ارض يملكها المشتري فيقوم الصانع بذلك سواء بنفسه أو بالتعاقد مع مقاولين لهذا الغرض مع دفع تكاليف البناء على أن يرد المشتري ذلك للصانع الممول لاحقاً بأقساط دورية متفق عليها 3.

4-     عقد بيع المباني تحت الإنشاء: الذي يقوم فيه مالك مشروع البناء بالتعاقد مع المشتري أو المشترين الراغبين بالانضمام للمشروع فيلتزم بتسليمهم مبان يبنيها على ارض يملكها -خلافاً لأستصناع المباني وقد يلحق به عند بعض الباحثين-مقابل أقساط دورية تمثل ثمن العقار المبيع يدفعها المشترون بالطريقة المتفق عليها4.

5-     اتفاق التمويل او الاقراض العقاري والذي يقوم فيه الممول بإقراض المشتري (المستثمر) قيمة العقار الذي يريده من البائع أو المقاول الذي سيبنيه أو أن يدفع عنه الثمن مع حصوله على حوالة بحقوق البائع أو المقاول قِبَل المستثمر الذي يقوم بتسديد قيمة القرض وتكلفة التمويل على شكل أقساط دورية بضمان رهن العقار أو الأرض المراد تشييده عليها، او ان يكون الممول مقرضا ووكيلا عن المشتري في التعاقد مع بائع العقار او المقاول الذي يبنيه، او ان يبرم مشتري العقار عقد شراء مع الممول الذي بدوره يتعاقد مع المقاول الباني.

       هذه هي الصيغ التمويلية المتعامل بها من قبل المؤسسات العقارية بصورة عامة، منها ما وافق الضوابط الشرعية فتعاملت به المؤسسات التمويل الإسلامية، ومنها ما اخضع لهذه الضوابط وتم تشذيبه من شبهات الحرام ليأخذ الصفة الشرعية. فبالنسبة لبيع العقار بالتقسيط فهو من منظور شرعي بيع يتم فيه تسليم السلعة في الحال مقابل ثمن (تكلفة مضاف إليها ربح يغطي التكاليف الإدارية) يسدد من قبل المشتري في تاريخ محدد مستقبلا. وعليه، يعتبر بيع العقار بالتقسيط نوعا من البيوع، حيث يكون فيه المصرف الإسلامي بائعا فيقوم بتسليم العقار عند التعاقد، والعميل مشتريًا يسدد ثمن العقار كله دفعة واحدة أو على أقساط تحدد عند التعاقد. وما اتفق عليه جمهور الفقهاء هو جواز زيادة ثمن السلعة في البيع الآجل عن ثمنها في البيع الحال، ذلك أن للزمن حصة من الثمن في البيع، على عكس الزيادة التي تكون مقابل الزمن في القرض، فتعتبر من قبيل ربا النسيئة المحرم شرعا. ويتم تمويل بيع العقار بالتقسيط في المصارف الإسلامية تبعا للخطوات التالية: يتقدم العميل (المشتري) للمصرف طالبا منه عقار معين؛ يدرس المصرف طلب العميل؛ يقوم المصرف او المؤسسة التمويلية الإسلامية بامتلاك العقار، يتم توقيع عقد البيع والاتفاق على الثمن وطريقة الدفع والآجال؛ يقوم المصرف بتسليم العقار حالا، ويسلم المشتري الثمن في الآجال المحددة في العقد5. هذا ويخضع البيع بالتقسيط في القانون العراقي لأحكام عقد البيع6.

 أما عن استصناع المباني فهو عقد على بيع عين موصوفة في الذمة مطلوب صنعها، وهو عقدٌ مشروع عند عامة الفقهاء، فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اصطنع خاتماً" (رواه البخاري). وثبت أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استصنع منبراً كما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى امرأة من الأنصار: "مُري غلامَك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن"، وفي رواية عند مسلم: "انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها. فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة". وقد تعامل المسلمون بالاستصناع في مختلف العصور وما زالوا يتعاملون به من غير نكير. وقد أقرت المجامع الفقهية والهيئات العلمية الشرعية عقد الاستصناع ووضعت له ضوابط معينة، فمن ذلك ما ورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي: "بعد استماعه للمناقشات التي دارت حول عقد الاستصناع ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظراً لأن عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي، قرر ما يلي: أولاً: إن عقد الاستصناع -وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة- ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط. ثانياً: يشترط في عقد الاستصناع ما يلي: أ-بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة. ب-أن يحدد فيه الأجل. ثالثاً: يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة. رابعاً: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة"7. وقد اخضع المشرع العراقي استصناع المباني لأحكام المقاولة 8.

وبخصوص الايجار التمويلي في العقارات فإن مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، في ٢٥ جمادى الاخرة| سبتمبر ٢٠٠٠ قرر ما يلي:

(أولاً: ضابط الصور الجائزة والممنوعة ما يلي:

أ/ ضابط المنع: أن يرد عقدان مختلفان في وقت واحد على عين واحدة في زمن واحد.

ب/ ضابط الجواز:

- وجود عقدين منفصلين يستقل كل منهما عن الآخر زماناً، بحيث يكون إبرام عقد

البيع بعد عقد الإجارة، أو وجود وعد بالتمليك في نهاية مدة الإجارة، والخيار

يوازي الوعد في الأحكام.

- أن تكون الإجارة فعلية، وليست ساترة للبيع.

- أن يكون ضمان العين المؤجرة على المالك لا على المستأجر، وبذلك يتحمل

المؤجر ما يلحق العين من ضرر غير ناشئ من تعد المستأجر أو تفريطه، ولا يلزم 

المستأجر بشيء إذا فاتت المنفعة.

- إذا اشتمل العقد على تأمين العين المؤجرة فيجب أن يكون التأمين تعاونياً إسلامياً

لا تجارياً، ويتحمله المالك المؤجر وليس المستأجر.

- يجب أن تطبق على عقد الإجارة المنتهية بالتمليك أحكام الإجارة طوال مدة

الإجارة، وأحكام البيع عند تملك العين.

- تكون نفقات الصيانة غير التشغيلية على المؤجر لا على المستأجر طول مدة

الإجارة.

ثانياً: من صور العقد الممنوعة:

- عقد إجارة ينتهي بتمليك العين المؤجرة مقابل ما دفعه المستأجر من أجرة خلال

المدة المحددة دون إبرام عقد جديد، بحيث تنقلب الإجارة في نهاية المدة بيعاً

تلقائياً.

- إجارة عين لشخص بأجرة معلومة ولمدة معلومة مع عقد بيع له معلق على سداد

جميع الأجرة المتفق عليها خلال المدة المعلومة أو مضافة إلى وقت في المستقبل.

- عقد إجارة حقيقي واقترن به بيع بخيار الشرط لصالح المؤجر، ويكون مؤجلاً إلى

أجل طويل محدد هو آخر مدة عقد الإيجار.

ثالثاً: من صور العقد الجائزة:

- عقد إجارة يمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرة معلومة، في مدة

معلومة، واقترن به عقد هبة العين للمستأجر معلقاً على سداد كامل الأجرة وذلك

بعقد مستقل، أو وعد بالهبة بعد سداد كامل الأجرة.

- عقد إيجار مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر- بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط

الإيجارية المستحقة خلال المدة- في شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء المدة.

-عقد إجارة يمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرة معلومة في مدة

معلومة، واقترن به وعد ببيع العين المؤجرة للمستأجر بعد سداد كامل الأجرة بثمن

يتفق عليه الطرفان.

- عقد إيجار يمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرة معلومة في مدة

معلومة، ويعطي المؤجر للمستأجر حق الخيار في تمليك العين المؤجرة في أي وقت

يشاء، على أن يتم البيع في وقته بعقد جديد بسعر السوق أو حسب الاتفاق.

رابعاً: هناك صور من عقود التأجير المنتهي بالتمليك محل خلاف، وتحتاج إلى دراسة تعرض في دورة قادمة إن شاء الله تعالى)9.

   وبخصوص بيع المباني تحت الانشاء فقد اقره مجمع الفقه الإسلامي في قراره المتعلق بالتمويل العقاري لبناء المساكن حيث الحق بعقد الاستصناع فجاء في القرار ما يلي: "تملك المساكن عن طريق عقد الاستصناع -على أساس اعتباره لازماً-وبذلك يتم شراء المسكن قبل بنائه بحسب الوصف الدقيق المزيل للجهالة المؤدية للنزاع دون وجوب تعجيل جميع الثمن بل يجوز تأجيله بأقساط يتفق عليها مع مراعاة الشروط والأحوال المقررة لعقد الاستصناع لدى الفقهاء الذين ميزوه عن عقد السلم"10.

ويلاحظ انه قد غاب التنظيم القانوني في العراق لعقد الإيجار التمويلي ولعقد بيع المباني تحت الإنشاء رغم تنبيه الفقه العراقي إلى أهمية هاتين الصيغتين التمويليتين11.

       أما بالنسبة لاتفاق التمويل العقاري بصيغه المستحدثة فقد كانت المؤسسات التمويلية الإسلامية حذره في التعامل معه واخضعته لضوابط شرعية لإزالة ما يعتريه من شبهات الربا والغرر. وقد أصدرت فرنسا ومصر قوانين نظمت هذا التمويل متمثلة بقانون التمويل العقاري الفرنسي المرقم(579) في(16/تموز/1971) والمعدل بالقانون رقم (649) في 11/تموز/1972، وقانون التمويل العقاري المصري رقم(148) لسنة 2001اللذين اعتمدا نظامين مختلفين للتمويل العقاري رغم التقائهما في الغايات والأهداف. اما في العراق ففضلاً عن غياب التنظيم القانوني لهذا التمويل فأنه لم يبحث على صعيد الفقه رغم أهميته وما يحققه من مزايا لا تحققها الصيغ التمويلية الأخرى حتى غدا من أهم العوامل المؤثرة في ركود السوق العقاري أو نشاطه وهذا ما دفع المشرع في فرنسا ومصر إلى تنظيمه قانوناً وإيجاد منظومة واسعة تضم الأدوات القانونية والمادية اللازمة لتنفيذ هذا الاتفاق وتفعيل دوره في تحقيق الغايات التي ارتبطت به.

      ولعل السبب وراء عدم الاهتمام التشريعي والفقهي بالتمويل العقاري في العراق هو ضعف البيئة العقارية وكساد سوقها جراء التقلبات السياسية والاقتصادية التي مر بها البلد رغم حاجة المجتمع وسوق العقارات وصناعتها في العراق إلى محفزات التمويل العقاري، لذا حاولت بحث هذا الموضوع للوقوف على مدى شرعيته في الشريعة الاسلامية وتقريب صورته للمشرع العراقي تمهيداً لتنظيمه وفق ضوابطه الشرعية وبالاستفادة من تجارب المؤسسات التمويلية الإسلامية ومن التجربتين الفرنسية والمصرية. على هذا تناولنا الموضوع وفق مبحثين:

 الأول: خصص للتعريف بالتمويل العقاري من حيث تحديد المقصود به وبيان أهميته وطبيعته القانونية ومدى مشروعيته.

والثاني: لبيان نظامه القانوني من حيث تحديد أشخاص اتفاق التمويل والتزامات أطرافه والضمانات التي يوفرها.

المبحث الأول

التعريف بالتمويل العقاري

الوقوف على الإطار التنظيمي لأي نشاط اقتصادي حديث النشأة يقتضي التعريف به وذلك بتحديد المقصود بالتمويل العقاري وبيان أهميته وطبيعته القانونية ومدى شرعيته. وسنتناول في مطلب اول التمويل العقاري في القانونين الفرنسي والمصري، ثم نتناول في مطلب ثان التمويل العقاري في التعاملات الشرعية المعاصرة.

المطلب الأول

ماهية التمويل العقاري في القانونين الفرنسي والمصري

       سنتناول تعريف التمويل في هذين القانونين واهميته وطبيعته القانونية.

الفرع الأول/ تعريف التمويل

 التمويل العقاري وسيلة حديثة نسبياً لتمويل العقارات استحدثت لتحقيق هذا الغرض إلى جانب وسائل التمويل الأخرى، وفي سبيل التيسير على الأفراد في الحصول على العقارات ومنحهم تمويل انسب وضعت بعض القوانين الأدوات والوسائل القانونية اللازمة لتحقيق هذه الغايات وقد اختلفت هذه القوانين في ذلك فنظام التمويل العقاري المصري يختلف عن نظام التمويل العقاري الفرنسي، كما ان للمؤسسات المالية الإسلامية صيغها الشرعية الخاصة من التمويل العقاري، وقد انعكس هذا الاختلاف على مضمون التمويل العقاري في ذاته.

        ويلاحظ إن المشرع الفرنسي وكذا المشرع المصري لم يعرفا اتفاق التمويل العقاري ألا انه ومن خلال النظر في النصوص القانونية التي تعالج الالتزامات المرتبطة بمهنة التمويل العقاري يمكن أن نستخلص تعريفات للتمويل العقاري وكما يأتي:

أولا- تعريف التمويل العقاري بموجب قانون التمويل العقاري الفرنسي رقم(579) لسنة 1971.

        أضاف القانون رقم (579) الصادر في 16/تموز/1971 إلى القانون المدني الفرنسي باباً جديداً تحت رقم(8) مكرر (Titre VIII bis) بعنوان عقد التمويل العقاري (Du contrat de promotion immabiliere) يتضمن خمس مواد جديدة هي من المادة (1831-1 إلى 1831-5).

       وقد نصت المادة (1831-1) المضافة إلى القانون المدني الفرنسي على أن يتكفل الممول العقاري في مواجهة رب العمل بان يباشر بواسطة الغير في مقابل ثمن متفق عليه وعن طريق إبرام عقود إجارة عمل أو عقود مقاولة تحقيق مشروع تشييد بناء أو أكثر كما انه يباشر أيضا بنفسه أو بواسطة الغير ولقاء اجر متفق عليه كل أو بعض العمليات القانونية والإدارية والمالية اللازمة لذات الغرض.

وعلى هذا عرف الممول العقاري بأنه:

الوكيل الاقتصادي الذي يتولى تحقيق بناء أو أكثر كي يكسب ملكيته إلى واحد أو أكثر من الأشخاص الذين يسمون بـ (متلقي الملكية)12 .

        كما عرفه القضاء الفرنسي في ضوء ذلك بأنه ( ذلك الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يأخذ المبادرة  ويبذل العناية الرئيسية أو الأساسية  بالعملية  العقارية فيتكفل بأن يسلم او يبيع أو يورد  عقاراً مطابقاً لقواعد الفن و خالياً من العيوب ) 13.

ثانيا- تعريف التمويل العقاري بموجب قانون التمويل العقاري المصري رقم(148) لسنة 2001.

     نصت المادة (5) من قانون التمويل العقاري المصري رقم (148) لسنة        2001 على أنه (يكون الإقراض العقاري لغرض شراء مسكن خاص بموجب اتفاق بين المقرض والمقترض وبائع العقار طبقا للنموذج الذي يصدر به قرار من الوزير المختص ......)14، على أن يتضمن الاتفاق جملة من الشروط التي ذكرتها المادة. وقد نصت المادة (23) من مشروع قانون التمويل العقاري المصري المذكور على أنه (يكون التمويل لغرض تمويل عمليات التصرف بالعقارات وفقاً لأحكام هذا القانون بموجب اتفاق تمويلي ثلاثي الأطراف بين الممول والمستثمر وبائع العقار ....).

على هذا ومن خلال النظر إلى جملة الشروط التي أوجبت المادة (5) من القانون المذكور إدراجها في اتفاق التمويل العقاري وحسب نموذج هذا الاتفاق الصادر بموجب قرار وزارة الإسكان و المرافق و المجتمعات العمرانية  المصرية رقم (101) لسنة 2003  يمكن أن نعرف اتفاق التمويل العقاري بأنه ( اتفاق ثلاثي الأطراف يبرم بين الممول و بائع العقار أو المقاول الذي سيبنيه وبين المشتري الذي يعرف بالمستثمر يقوم بمقتضاه الممول بإقراض المستثمر قيمة العقار الذي يريده من البائع أو المقاول الذي سيبنيه أو أن يدفع عنه الثمن مباشرة  ويحصل على حوالة بحقوق البائع أو المقاول التي له على المستثمر ويقوم الأخير بتسديد قيمة القرض وتكلفة التمويل على شكل أقساط دورية بضمان رهن العقار او الأرض المراد تشييده عليها ) .

 موازنة واستنتاج 

 يلاحظ على موقف القانونين الفرنسي والمصري وما ينبني على هذا المواقف من تعريفات ما يلي:

1-     إن القانون الفرنسي جعل التمويل العقاري اتفاق ثنائي الأطراف يبرم بين الممول العقاري والطرف الراغب بالتمويل والذي سماه برب العمل يتعهد بمقتضاه الممول بتسليم العقار المطلوب إلى رب العمل ويقوم بكافة الأعمال القانونية والمالية والإدارية اللازمة لذلك.

وعلى هذا لا توجد علاقة مباشرة تربط بائع العقار أو المقاول الذي يبنيه مع رب العمل وأنما يرتبط الممول (متعهد البناء) بهذه العلاقة المباشرة مع بائع العقار والمقاول، خلافاً لما قرره المشرع المصري الذي جعل التمويل العقاري علاقة ثلاثية الأطراف متبادلة يرتبط فيها كل من الممول والمستثمر من جهة وبائع العقار أو المقاول مع المستثمر من جهة ثانية.

2-     في القانون المصري تتحدد علاقة الممول مع المستثمر بالمسائل المالية فقط لذا كان القرض أحد العناصر الأساسية في تعريف التمويل العقاري أما المسائل الأخرى اللازمة لبيع العقار أو بنائه فيرتبط بها المستثمر مباشرة مع البائع أو المقاول خلافاً للقانون الفرنسي حيث تكون العلاقة وحيدة في التمويل العقاري يرتبط بها الممول مع رب العمل فتشمل جميع المسائل المالية والإدارية اللازمة لتسليم العقار لرب العمل لذا تكون طبيعة هذه العلاقة العنصر الأساس في تعريف التمويل العقاري.

3-     طالما يجب أن يكون تعريف أي وضع قانوني مستخلصاً من النظام القانوني المعتمد لهذا الوضع لذا لا يمكن وضع تعريف شامل للتمويل العقاري وإنما يختلف هذا التعريف حسب هذا النظام القانوني أو ذاك، وهذا ما يؤكده تعامل المؤسسات الإسلامية مع هذا الصيغة التمويلية. بيد أن ما يمكن ملاحظته هو أن التمويل العقاري عبارة عن اتفاق يقصد به تمويل مجالات شراء أو بناء أو تحسين المساكن والوحدات الإدارية والمنشآت الخدمية ومحلات النشاط التجاري 15، وإن اختلفت آليات هذا التمويل باختلاف الأنظمة القانونية.

الفرع الثاني / أهمية التمويل العقاري

        ظهر نشاط التمويل العقاري في فرنسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية أوحت به ظروف ما بعد الحرب ليكون أداة تساهم في أعادة بناء ما دمرته الحرب 16، أما اليوم فيعد من الأدوات الاستثمارية الرائجة يساهم في تحقيق مزايا لا تحققها الوسائل الأخرى. ومما ساعد على انتشار ظاهرة التمويل العقاري كونه وسيلة لمنافع ملموسة يمكن تلخيصها بما يأتي:

1-     يساهم التمويل العقاري في معالجة الركود الحقيقي في السوق العقاري ويدفعه باتجاهات ايجابية من خلال زيادة المقدرة المالية لطالبي الوحدات العقارية وبالتالي خلق الطلب الفعال في السوق العقاري مما يزيد في نشاطه وضبط إيقاعاته.

2-     يساهم التمويل العقاري في تدبير التمويل لمحدودي الدخل للحصول على السكن فكثير من الناس لا يكون بمقدورهم دفع الثمن كاملا ومرة واحدة في مباني جاهزة فيتيح لهم هذا الاتفاق دفع الثمن تدريجياً في صورة أقساط بما يتفق وظروفهم المادية وهذا دون شك سيلعب دوراً بارزاً في معالجة أزمة السكن التي تعاني منها المجتمعات لاسيما النامية منها، مما يجعل هذا الاتفاق متلائماً وظروف المجتمع واحتياجاته 17.

3-     يساهم التمويل العقاري في تنشيط الاقتصاد الوطني وذلك عن طريق:

أ‌-      توفير السيولة النقدية لشركات بناء العقارات أو لبائعيها.

ب‌-    دعم الائتمان أو التمويل للمشتري.

جـ -تنشيط المهن المرتبطة بالسوق العقاري وخلق فرص عمل جديدة تساهم في الحد من البطالة وما ينشأ عنها من مشاكل اجتماعية بما يحقق الأمن الاجتماعي.

د – تنشيط حركة التجارة والتداول في سوق العقارات بما يدعم الاقتصاد الوطني.

 وتجب ملاحظة أنه لا مجال للتخوف من إفلاس المشترين (المستثمرين) أو ضعف قدرتهم على تسديد ما بذممهم من أقساط وتأثير ذلك على قدرات الممولين وبالتالي الحد من نشاط التمويل العقاري طالما أن القوانين المنظمة لهذا النشاط قد وفرت ضمانات عينية وغير عينية للوفاء بهذه الأقساط كما سنرى أو إنها تمنح الممولين حق التنفيذ على العقارات الممولة في حال عجز المستثمرين عن الدفع.

الفرع الثالث / الطبيعة القانونية لاتفاق التمويل العقاري

        يلاحظ من خلال التنظيم القانوني لاتفاق التمويل العقاري في القانونين الفرنسي والمصري أنه عبارة عن عملية مركبة من عدة عقود يستوعبها اتفاق التمويل العقاري لتحقيق الغايات المقصودة منه .

      فلا مناص من القول بأن اتفاق التمويل العقاري هو اتفاق مركب من العقود التي يتألف منها و التي تختلف من نظام قانوني لآخر كما سنرى، ذلك  أن محل العقد المركب هو عبارة عن تقديم عدة خدمات  تصلح كل خدمة منها لأن تكون محلاً لعقد مستقل لكنها ترتبط فيما بينها و تنطوي في عقد يعرف بأنه عقد مركب 18, وهذا الوصف ينطبق على العمليات التي يتألف منها التمويل العقاري إذ أن لكل عقد من العقود التي تدخل في إطار التمويل العقاري محل مستقل عن محل العقد الآخر بيد أن هذه العقود ترتبط مع بعضها لتحقيق الهدف من اتفاق التمويل العقاري.

 أما عن العقود المركبة التي يتكون منها اتفاق التمويل العقاري فأنها تختلف في القانون الفرنسي عن القانون المصري وكما يأتي:

أولاً : الطبيعة المركبة لاتفاق التمويل العقاري في القانون الفرنسي رقم (579) لسنة 1971

حسب نص المادة  ( 1831- 1) من القانون المدني الفرنسي المضافة بموجب القانون رقم  (579) في تموز 1971 فإن الممول العقاري يتكفل في مواجهة رب العمل بأن يباشر بواسطة الغير مقابل ثمن متفق عليه و عن طريق إبرام عقود مقاولة تشييد بناء أو أكثر و أن يباشر أيضاً بنفسه  أو بالواسطة العمليات الإدارية  و المالية اللازمة لذلك .

كما نصت المادة ( 1831- 2 ) المضافة بنفس القانون على قيام الممول العقاري بموجب وكالة خاصة بالأعمال القانونية اللازمة لمشروع البناء  وهو يقوم بها باسم رب العمل ولمصلحته .

يتضح من هذه النصوص أن عقد التمويل العقاري في القانون الفرنسي عقد مركب من مقاولة و وكالة مأجورة 19.  أما عقد الوكالة المأجورة فيطبق على  الأعمال و التصرفات القانونية التي يقوم بها الممول العقاري لحساب رب العمل و باسمه و التي تنصرف آثارها مباشرة إلى رب العمل و كأنه هو الذي أجراها بنفسه 20   ومثل هذه الأعمال شراء الأرض و مواد البناء , أما عقد المقاولة فينصب على الأعمال المادية و الإدارية التي يباشرها الممول العقاري فقد يقوم هو نفسه بالبناء أو يستعين بمقاولين آخرين , و هذا ألأمر سيجعل  الممول العقاري كما سنرى خاضعاً للنصوص القانونية التي تلزم المقاولين بضمان عيوب البناء على هذا يكون التمويل العقاري بموجب النصوص القانونية الناظمة له في فرنسا عقد مركب من مقاولة و وكالة فتنطبق أحكام عقد المقاولة و محلها الأعمال المادية و الإدارية التي يباشرها الممول العقاري على هذه الأعمال بينما تطبق أحكام الوكالة ومحلها الأعمال القانونية التي يقوم بها الممول باسم و لمصلحة رب العمل على هذه الاعمال21   , وذلك في الحالات التي لا يوجد فيها نص خاص في قانون التمويل العقاري، و من هنا تتلاءم فكرة العقد المركب الذي يضم  محلين مختلفين مع اتفاق التمويل العقاري .

ثانياً : الطبيعة المركبة لاتفاق التمويل العقاري في القانون المصري رقم (148) لسنة 2001 .

 سبقت الإشارة إلى أن التمويل العقاري في القانون المصري  أتفاق ثلاثي الأطراف يبرم بين المستثمر ( المشتري ) و بائع العقار أو مقاول البناء و بين الممول  وهذه العلاقة الثلاثية هي ذات طبيعة مركبة من عدة وجوه و الوجه الأهم هو العلاقة التي تربط الممول بالمستثمر و ذلك يعتمد على صيغة التمويل , فبموجب المادة (5) من القانون المشار إليه فإن التمويل العقاري هو اتفاق مركب من عقد قرض و عقد بيع في حالة بيع العقار للمستثمر و لا يمنع أن يكون العقد الثاني هو عقد مقاولة و ذلك أذا كان التمويل لغرض الاستثمار في بناء عقار على أرض يملكها المستثمر أو لغرض ترميم أو تحسين عقار يملكهٍ22 , و بموجب هذه المادة يطبق عقد البيع أو المقاولة على العلاقة التي تربط المستثمر بالبائع أو المقاول , أما علاقة التمويل التي تربط الممول بالمستثمر والتي بموجبها كما نصت المادة (5) يقرض الممول المستثمر قيمة العقار الذي يريد فيطبق عليها عقد القرض , غير انه وبخصوص هذه العلاقة فان نموذج اتفاق التمويل العقاري الصادر بموجب القرار الوزاري رقم (101) لسنة 2003 , قد جعل علاقة التمويل بين الممول والمستثمر والتي يرجع بموجبها الأول على الثاني تستند على حوالة حق وذلك بان يحيل البائع حقه بثمن العقار الذي بذمته المستثمر إلى الممول بمقابل معجل ويسدد المستثمر أقساط الثمن إلى الممول بموجب هذه الحوالة 23 , وهذا ما كان مشروع القانون يتضمنه بشأن علاقة الممول بالمستثمر24, وبذا يكون اتفاق التمويل العقاري مركباً من بيع أو مقاولة حسب الأحوال وحوالة حق .

وعلى هذا يبدو إن هناك تعارضاً بين موقف القانون والنموذج غير إن هذا التعارض يزول بالقانون نفسه طالما إن المادة (5) نفسها من هذا القانون قد أحالت إلى نموذج الاتفاق بنصها ( يكون الإقراض العقاري لغرض شراء مسكن خاص بموجب اتفاق بين المقرض والمقترض وبائع العقار طبقاً للنموذج الذي يصدر به قرار من الوزير المختص... ) .

        وفي نظرنا إن السبب وراء اختلاف الموقفين هو الاختلاف حول صيغة التمويل بين الممول والمستثمر فيظهر إن صيغة التمويل المعتمدة في القانون هي القرض لذلك سمت المادة (5) هذا القرض بالقرض العقاري وسمت المستثمر بالمقترض والممول بالمقرض بل إن تسمية القرض العقاري هي التسمية التي كانت معتمدة ابتداءً لاتفاق التمويل برمته بل سمي بها أيضاً قانون التمويل إذ أطلق عليه قانون الإقراض العقاري حتى استقرت تسميته بقانون التمويل العقاري لذلك جاء نص المادة (5) مركزاً على عنصر القرض كصيغة للتمويل في حين خلا مشروع القانون المذكور من مصطلح (القرض) وخلا منه نموذج الاتفاق الذي صدر وفقاً للقانون النافذ.

         ويلاحظ أن المادة (5) من قانون التمويل العقاري المصري رقم (148) لسنة 2001 كانت اقرب لاعتماد نظام الحلول ألاتفاقي من تبني حوالة الحق كطريق لرجوع الممول على المستثمر , ذلك إن الحلول ألاتفاقي يمكن أن يكون عن طريق اقتراض المدين وهو هنا المستثمر ثمن العقار من المقرض الممول فيحل الأخير محل الدائن الموفى له ( صاحب العقار ) دون حاجة لرضا الأخير وموافقته شرط أن يكون الاتفاق على الحلول بورقة رسمية وان يذكر في عقد القرض إن المال قد خصص للوفاء بالدين (ثمن العقار) وان هذا الوفاء كان من المال الذي اقترضه المدين (المستثمر)من الدائن الجديد(الممول )25, وهذا ما اعتمدته المادة (5) عندما نصت في فقرتها الثالثة على أن يدرج في اتفاق التمويل بين المقرض والمقترض ( التزام المقترض بسداد قيمة القرض مباشرة إلى البائع ) وهذا ما يجعل الاتفاق منطوياً على فكرة الحلول ألاتفاقي .

بيد إن النتيجة التي تقود إليها المادة (5) المشار إليها في اعتماد الحلول كأداة لرجوع الممول إلى المستثمر لا تتلاءم مع غايات التمويل العقاري فالحلول أداة لوفاء الديون خلافاً لحوالة الحق فهي وسيلة لشرائها ويترتب على ذلك 26:

أ‌-      لا يستطيع الموفي في الحلول أن يطالب إلا بأقل المبلغين مبلغ الدين ومقدار ما دفعه بالفعل في حين يرجع المحال له على المحال عليه بالقيمة الاسمية للحق المحال به بصرف النظر عما دفعه من مقابل .

ب‌-    يضمن المحيل وجود الحق المحال به في حين لا يضمن ذلك الدائن الذي يستوفي حقه في الحلول .

جـ -  إذا دفع الموفي جزء من دين الموفى له ( المستثمر ) وأراد الرجوع على المدين  (  البائع ) تقدم عليه الموفى له بما بقى له في ذمة المدين27 , أما في حوالة الحق إذا باع المحيل جزءاً من حقه فان المحال له يتساوى مع المحيل في الرجوع على المدين ويزاحمه .

ولم يكن الممول العقاري ليقبل بالنتائج التي يقود إليها نظام الحلول ألاتفاقي فالممول لا يعطي التمويل للمستثمر تبرعاً دون عمولة أو مقابل بل يعد هذا التمويل من الصيغ المتضمنة للربح الربوي لذا فلن يتحقق ذلك الا بحوالة الحق طالما إن الحق ينتقل إلى المحال له بكل توابعه وتأميناته كما في الحلول 28.

نخلص من ذلك إلى إن التمويل في القانون المصري قد يكون عن طريق إقراض الممول ثمن العقار للمستثمر ويكون رجوعه عليه بموجب القرض وذلك حسب المادة (5) , أو أن يقوم الممول بدفع ثمن العقار مباشرة للبائع مع حصوله على حوالة بحقوق البائع قبل المستثمر ويكون رجوع الممول على هذا المستثمر بموجب هذه الحوالة وذلك وفقاً لما يقرره نموذج اتفاق التمويل الذي أحالت إليه المادة (5) .

المطلب الثاني

التمويل العقاري في المعاملات الشرعية المعاصرة

لقد أخذ التمويل العقاري يتجدد في صوره وطرقه لدى المؤسسات الإسلامية، حيث ظهرت صورة جديدة سلكها الكثير من الممولين خاصة المصارف تقترب من صور التمويل العقاري في القانونين الفرنسي والمصري وان اختلفت عنهما من حيث اخضاعها للضوابط الشرعية وتحريم الربا والغرر حيث ان في صيغتي التمويل العقاري الواردتين في القانونين الفرنسي والمصري محظورات شرعية أبرزها الربا الذي يبدو واضحا في صيغة التمويل في القانون المصري الذي اعتمد صيغة الإقراض من قبل الممول للمستثمر مع فرض تكلفة على القرض وهذا هو الربا المحرم شرعا. لذا حرصت المؤسسات الإسلامية على ضبط صيغها التمويلية من الناحية الشرعية فانتج ذلك صيغة جديدة للتمويل العقاري تعرف بالاستصناع الموازي أو المتوازي وذلك حسب المعيار الشرعي رقم 11 عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الاسلامية ، حيث يجري الاتفاق بين طالب الاستصناع والممول ، فيلتزم الممول ببناء مسكن ذي مواصفات وتصاميم محددة في المادة والمساحة والحجم ونحوه في مكان محدد وبسعر معين يتفق على تقسيطه على فترات محددة مبينة في العقد ، ثم بعد ذلك يتعاقد الممول مع جهة أخرى تمثل الصانع لإنتاج وبناء المسكن وفق المواصفات التي ضمنت العقد الأول 29.

فعقد الاستصناع الموازي في حقيقته يقوم على فكرة التعاقد مع شخص آخر من

غير أهل الصنعة ، الذي يتعاقد بدوره مع شخص صانع، لذا يوجد هنا ثلاثة أطراف في العقد هم : الصانع وهو البائع الذي يلتزم بتقديم الشيء المصنوع للعميل، والمقاول وهوالذي يباشر الصنع والبناء، والمستصنع وهو الطرف طالب الاستصناع الحقيقي وهوالمشتري . فالصانع هنا وهو البائع أو الملتزم بالصنعة يعقد عقدين مستقلين عن بعضهما :العقد الأول يكون مع المستصنع الراغب في المسكن يكون الملتزم فيه صانعاً والراغب والمستفيد مستصنعاً ، والعقد الثاني يكون مع القادر على الصناعة ليقوم بإنتاج وبناء المسكن المراد وفق المواصفات والتصاميم المحددة في العقد الأول ويكون الملتزم هنا مستصنعاً والقادر على الصناعة صانعاً .

 وتؤكد المؤسسات الإسلامية هنا على الانفصال الكامل بين العقدين في الحقوق وتحمل الالتزامات فليس هناك أي علاقة حقوقية أو التزام مالي بين طالب الاستصناع في العقد الأول والصانع الحقيقي الذي تعاقد معه الممول ، وإذا حدث خلاف من حيث المواصفات أو مواعيد التسليم أو غيرهما فهو يُحل في ظل كل عقدٍ على حدة وفق الشروط الواردة فيه 30.

المبحث الثاني

النظام القانوني لاتفاق التمويل العقاري

 

من هم أطراف اتفاق التمويل العقاري وما هي التزاماتهم ؟

وما هي الضمانات التي يمكن أن تكفل الوفاء بقيمة التمويل ؟

سنجيب على ذلك في مطلبين ...

الأول : نبحث فيه أشخاص اتفاق التمويل والتزامات أطرافه

والثاني : نتناول فيه الضمانات القانونية للتمويل العقاري .

المطلب الأول

أشخاص اتفاق التمويل العقاري والتزامات أطرافه

       في القانون الفرنسي كما مر بنا يكون التمويل العقاري ثنائي الأطراف بينما يكون ثلاثي الأطراف في القانون المصري وهو ثلاثي ايضا في الاستصناع الموازي في التعاملات الشرعية لكن في الاخير تكون العقود منفصلة عن بعضها بينما تكون في القانون المصري مركبة. غير إن انجاز عملية التمويل العقاري لا تتم بالدور الذي يؤديه أطرافه الذين وقعوا على الاتفاق فقط وإنما بتدخل أشخاص آخرين ليسوا طرفاً مباشراً بالاتفاق وهذا ما سنحاول بيانه فيما يأتي:

الفرع الأول/ أشخاص اتفاق التمويل

       الدور الرئيسي في انجاز عملية التمويل العقاري يكون لأطرافه الرئيسية ثم تستلزم هذه العملية تدخل أشخاص آخرين فمن هم أطراف التمويل العقاري وما هو دور الأشخاص الآخرين فيه ؟

أولاً – أطراف اتفاق التمويل

       تدور عملية التمويل العقاري بين ثلاثة أطراف رئيسية وهم ( الممول , المستثمر او المستصنع , المقاول الصانع أو البائع ) والمستثمر او رب العمل لا يرتبط بعلاقة مباشرة مع البائع او المقاول في القانون الفرنسي وفي الاستصناع الموازي الشرعي لذا لا يكون هؤلاء طرفاً في العقد بين الممول والمقاول او البائع بينما يرتبط الأطراف الثلاثة معاً بعلاقة عقدية مباشرة في القانون المصري ويكون هؤلاء الأطراف كما يأتي :

1-     الممول : وهو من يتولى ممارسة نشاط التمويل العقاري. وبموجب المادة (3) من قانون التمويل العقاري المصري رقم ( 148) لسنة 2001 يمارس هذا النشاط كل شخص معنوي يدخل نشاط التمويل ضمن أغراضه، وشركات التأمين المصرية، وشركات الإقراض العقاري، وأي جهة أخرى يخولها الوزير المختص كما يمكن أن يكون الممول مصرفاً من المصارف المسجلة لدى البنك المركزي المصري. وفي واقع الأمر يمارس نشاط التمويل العقاري شركة تعرف بشركة او مؤسسة التمويل العقاري31وقد سماها قانون التمويل العقاري المصري رقم (148) لسنة 2001 باسم ( شركة الإقراض العقاري )32 , تعبيراً عن دورها الاقراضي المعتمد للتمويل في القانون المصري , وقد اوجب هذا القانون أن تتخذ هذه الشركة شكل شركة مساهمة برأس مال لا يتجاوز حده الأدنى عن الحد الذي تقرره اللائحة التنفيذية لهذا القانون33 , كما أوجب القانون إجراءات واجب إتباعها عند منح الترخيص الإداري لهذه الشركات بمزاولة نشاط التمويل العقاري34 , وهذا الترخيص يعد وجهاً من أوجه الحماية الممنوحة للمستثمر إذ إن الجهة الإدارية المختصة بمنح التراخيص ستراعي اعتبارات المقدرة المالية للشركة وقدرتها على العمل بما يضمن حقوق الدائنين والعملاء , وعلى هذا حظر القانون على هذه الشركات الاندماج بشركات أخرى تمارس النشاط ذاته او غيره أو أن تتوقف عن العمل او تقوم بتصفية أصولها او الجزء الأكبر منه إلا بعد موافقة كتابية من الجهة الإدارية التي منحتها الترخيص35 . وفي الاستصناع الموازي الشرعي الممول هو من يبرم عقدين منفصلين كما مر بنا أحدهما مع المشتري المستصنع والأخر مع المقاول الباني او الصانع.

2-     المستثمر : وهو الشخص الذي يمنح التمويل من قبل شركة التمويل العقاري والراغب بالحصول على العقار الممول , وقد سماه القانون الفرنسي رب العمل وذلك تعبيراً عن عمل ( بناء العقار ) الذي سيمول لينفذ لحسابه إذ انه سيرتبط في القانون الفرنسي كما مر بنا بعقد مقاولة لذلك صار يعرف برب العمل36. أما في ظل القانون المصري فانه الشخص الذي يقترض مبلغ التمويل من المقرض الممول لذلك يعرف أحياناً بالمشتري وأطلق عليه ( المستثمر )37 تعبيراً عن مساهمته الاستثمارية في قطاع العقارات والتي يبغي من ورائها الحصول على العقار الممول. ويطلق علية المستصنع في الاستصناع الموازي الشرعي.

3-     البائع او ( المقاول ) : وهو الشخص الذي يملك العقار الذي يرغب المستثمر بشرائه ( إن كان التمويل لشراء عقار ) وقد يكون العقار غير موجود فيدخل المقاول طرف ثالث باعتباره الطرف الذي سيبنيه ويسمى بالصانع في الاستصناع الموازي الشرعي ( ويكون التمويل لبناء عقار ). أو ربما يكون العقار موجود لدى المستثمر لكن بحاجة إلى تحسين فيدخل المقاول طرف ثالث للقيام بأعمال التحسين (ويكون التمويل لتحسين او ترميم عقار )38 .

ثانياً : أشخاص آخرين يلعبون دوراً في التمويل العقاري :

التمويل العقاري منظومة واسعة من الأدوات والأشخاص وهو لا يمكن أن يتم دون تدخل بعض الأشخاص إلى جانب أطرافه الرئيسية وهؤلاء الأشخاص (الوسيط العقاري , المقيم او الخبير العقاري , شركات التأمين ) :

1-     الوسيط العقاري : وهو الشخص الذي يقوم بعملية الوساطة بين المستثمر وشركة التمويل وبائع العقار او المقاول الذي يبنيه حيث يساعد على تحديد العقار الذي يتناسب مع المقدرة المالية للمستثمر ويساعد على حساب الأقساط وفترات سدادها ويرشد المستثمر إلى شركة التمويل المناسبة39، ولا يجوز بموجب قانون التمويل العقاري المصري لغير الوسطاء المقيدة أسمائهم في الجداول التي تعدها الجهة الإدارية لهذا الغرض مباشرة أعمال الوساطة بين المقترض والمقرض40، وقد عاقب هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن ( 100) ألف جنيه ولا تزيد عن ( 200) ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من باشر أعمال الوساطة العقارية دون أن يكون مقيداً بالجدول المعد لذلك لدى الجهة الادارية41. وتعتبر شركة ( ايجبت مور جيدج هوم ) أول شركة وساطة عقارية بمصر والشرق الاوسط41 .

وتجدر الإشارة إلى أن الوسيط العقاري هو غير الوكيل العقاري الذي يعينه قاضي التنفيذ بناء على طلب المقرض عند عجز المقترض ( المستثمر ) عن الوفاء بأقساط الثمن في المدة المحددة ليتولى مباشرة إجراءات بيع العقار بالمزاد العلني ويختار القاضي هذا الوكيل من بين الوكلاء المقيدة أسمائهم في جدول تعده الجهة الإدارية لهذا الغرض42 .

2-     المقيم ( الخبير العقاري ) :

وهو الشخص الذي يحدد ثمن العقار الذي يرغب المستثمر في شراءه حيث يقوم بعمل تقييم عقاري لجهة التمويل يحدد فيه الثمن وبناء عليه يتم تحديد مبلغ التمويل المطلوب على أن يتحمل المستثمر تكاليف التقييم43 , ويشترط في المقيم مؤهلات معينة وإلمام بالعلوم اللازمة للتقييم44 , وعلى هذا يعاقب بالحبس في قانون التمويل العقاري المصري مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن (100) ألف جنيه ولا تزيد عن (200) ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من مارس نشاط خبير تقييم العقارات دون أن يكون مقيداً في الجدول المعد لذلك لدى الجهة الادارية45 . وتعد مهنة التقييم العقاري من المهن البارزة في التمويل العقاري الإسلامي حيث يلعب المقيم العقاري دورا مهما لدى مؤسسات التمويل الاسلامية46.

3-     شركات التأمين :

هي التي تتولى التأمين على العقار الممول لمصلحة الممول كما سنرى لاحقاً . والذي لا تتعامل به المؤسسات الإسلامية لتحريمه. 

الفرع الثاني/ التزامات أطراف اتفاق التمويل العقاري

      يلتزم كل طرف في اتفاق التمويل العقاري بجملة التزامات تكون بمثابة الحقوق والضمانات للطرف الآخر فما هي التزامات الممول والمستثمر والبائع (او المقاول) هذا ما سنبينه فيما يأتي:

أولاً: التزامات الممول :

 

      من طبيعة التصرف يفهم بان الممول يلتزم أولا بمنح التمويل المطلوب وفق الصيغة المحددة وألزمت بعض النصوص التشريعية أيضاً الممول بالإخطار أو الإفصاح عن البيانات المتعلقة بالتمويل كما إن القانون الفرنسي ألزم الممول بضمان عيوب العقار الذي يلتزم به المقاول:

1-     الالتزام بمنح التمويل: وهذا الالتزام تفرضه طبيعة العقد المبرم بين أطراف الاتفاق ففي القانون المصري على الممول أن يقدم مبلغ القرض للمستثمر وفي القانون الفرنسي عليه القيام بالإعمال المالية والإدارية اللازمة لتوريد العقار إلى المستثمر فعليه دفع المبالغ المطلوبة لذلك والقيام بالإجراءات الإدارية اللازمة . وفي الاستصناع الموازي الشرعي على الممول ابرام عقد مستقل مع الصانع لبناء العقار الذي تعهد به للمستصنع في العقد المبرم بينهما. حيث ان من اهم الضوابط الشرعية لهذا التمويل كما مر بنا هو انفصال كل عقد عن الاخر في هذا الاستصناع.

2-     الالتزام بالإفصاح: ألزم قانون التمويل العقاري المصري رقم (148) لسنة 2001 المقرض ( الممول ) بإبلاغ المقترض (المستثمر) شهرياً بجميع البيانات المتعلقة بالقرض47 , وقد بينت اللائحة التنفيذية لهذا القانون وكما جاءت بنموذج اتفاق التمويل العقاري الصادر بموجب قرار وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المصرية هذه البيانات التي يلزم الممول بالإفصاح عنها وهي كما يأتي48 :

أ‌-      قيمة التمويل الأصلي وتكاليف التمويل المستحقة عليها منذ بداية التمويل وحتى تمام السداد .

ب‌-    قيمة ما أداه الممول من أقساط وتكاليف التمويل حتى تاريخ الأخطار.

جـ -  قيمة الأقساط وتكاليف التمويل المتبقية .

 د -    أية رسوم او تكاليف او مصاريف تم خصمها من حسابه ولو كانت تنفيذاً لنص القانون أو لشرط اتفاقي أو حكم قضائي .

هـ -  أي تغيير يطرأ على عنوان الممول الذي يلتزم المستثمر بالسداد لديه .

و -    أي تغيير يطرأ على تكلفة التمويل باتفاق الطرفين .

ز -    أية معلومات تتصل بعلم الممول مما يمكن أن تؤثر على ضمانة العقاري .

3-     الالتزام بضمان عيوب العقار في القانون الفرنسي:

          عدلت المادة (1-1831) من القانون المدني الفرنسي المضافة بالقانون رقم (579) في 16/تموز/1971 فأضيف إليها جملة ثالثة تقضي بـ ( التزام الممول بضمان عيوب البناء حسب المادة  " 1792, 2270" من القانون المدني الفرنسي )49 أي يلتزم الممول بضمان عيوب البناء حسب عقد المقاولة لا عقد البيع لأن المادة أحالت للمواد   الخاصة بعقد المقاولة50 , وكانت هذه المادة قبل التعديل لا تلزم الممول بضمان عيوب البناء و إنما كانت تنص فقط على كون الممول كفيل لرب العمل إذا لم ينفذ له المقاول رجع على الكفيل ( الممول ) , و عندما حصل التعديل بإلزام الممول بضمان العيوب الذي يلتزم به المقاول ثار خلاف  في الفقه الفرنسي حول هل يبقى الممول كفيل بالالتزام الجديد أم انه يلتزم بضمان عيوب البناء شخصياً  لا مجرد كونه كفيل ؟51 

 وبقى هذا الخلاف مستمراً إلى أن عدلت المادة ( 1-1831) مرة أخرى بالقانون رقم (12) لسنة 1978 الذي نص في المادة (5) منه على (تستبدل الجملة الثالثة من المادة 1-1831 بما يأتي ( يكون الممول العقاري على وجه الخصوص مسؤولاً عن الالتزامات الناتجة عن المواد "1792, 1792-1-2-3 من القانون المدني الفرنسي" )52   وبهذا التعديل صار الممول العقاري ملتزم شخصياً و انتهى الخلاف الذي ثار حول طبيعة هذا الالتزام ولم يعد الممول مجرد كفيل ضامن  بهذا الالتزام53.

يتجلى مما تقدم إن الممول العقاري يلتزم في القانون الفرنسي بالضمان العشري في عقد المقاولة الذي يلتزم به المقاول54. ويلاحظ ان هذا هو ما يلتزم به الممول في الاستصناع الموازي الشرعي حيث انه يتحمل بصفته صانعا امام المستصنع بتبعات المالك ونفقات الصيانة قبل التسليم الى العميل المستصنع ولا يجوز للممول ان يحول التزاماته مع العميل الى الصانع الذي تعاقد معه لانفصال العقدين كما مربنا55.

ثانياً: التزامات المستثمر:

       يلتزم المستثمر بعدة التزامات جوهرية في اتفاق التمويل ترتبط بها القيمة الائتمانية لهذا الاتفاق ويمكن إن نجمل هذه الالتزامات بما يأتي:

1-     الالتزام بأداء أقساط الثمن : على المستثمر (المشتري) إن يدفع الثمن الذي اشترى به العقار أو آل إليه من المقاول و المحدد بعقد البيع أو المقاولة مباشرة إلى البائع أو المقاول و يكون الدفع من القرض الذي يمنحه له الممول وبالتالي عليه أن يدفع تكلفة التمويل-وهو العائد الربوي المحظور شرعا- إلى الممول و التي تكون عبارة عن الفرق بين قيمة القرض الممنوح له من الممول وثمن البيع (عائد القرض)56 , ذلك أن الممول يقدم التمويل لقاء عائد متفق عليه بين الطرفين أياً كانت صيغة التمويل المعتمدة57 , غير أنه يلاحظ و حسب نموذج اتفاق التمويل العقاري الصادر بالقرار الوزاري المصري رقم ( 101) لسنة 2003 يكون دفع الثمن من الممول إلى بائع العقار ومن ثم يرجع الممول بما دفعه على المستثمر بموجب حوالة حقوق البائع إليه58 .

وعلى هذا يلتزم المستثمر بأداء ثمن العقار الممول و تكلفة التمويل المحسوبة مسبقاً إلى الممول حسب الشروط المتفق عليها و التي تحدد مقدار كل قسط و مدة دفعه59،  ولا يجوز للممول (المقرض) في القانون المصري أن يعجل الوفاء بالقرض كله أو بعضه إلا وفق الأوضاع التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون60 , و بموجب هذه اللائحة إذا رغب المشتري ( المستثمر ) بالتعجيل بالوفاء بكل أو بعض أقساط الثمن وجب إخطار الممول بذلك قبل موعد السداد المعجل بفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر وفي هذه الحالة يتم خفض الأقساط المستحقة عليه  وفقاً لجدول يرفق باتفاق التمويل يحدد القيمة المخفضة التي يتم الوفاء بها حسب التاريخ الذي يتم الوفاء فيه من سنوات أقساط التمويل61. وفي سبيل تنفيذ المستثمر لالتزامه بأداء الثمن فأنه يلزم بعدة التزامات أخرى تعد من ضمانات التمويل العقاري كما سنرى تباعاً. وهذا الالتزام يعكس بلا شك الصيغة الربوية للتمويل العقاري في القانون المصري مما يدخله في النهي الشرعي.  بينما يلتزم المستصنع في الاستصناع الموازي الشرعي بدفع قيمة العقار المتفق عليها في العقد بينه وبين الممول وفق الأقساط المحددة.

2-     يلتزم المستثمر بقيد حق امتياز الثمن المحالة أقساطه إلى الممول62، و هذا ما سنبحثه لاحقاً .

3-     الالتزام بتقديم شهادة معتمدة من مصلحة الضرائب أو جهة عمله موضحاً بها دخله السنوي63.

4-     الالتزام بسداد ما يستحق على العقار أو الوحدة المبيعة من رسوم أو ضرائب أو غير ذلك لأية جهة حكومية دون أن يكون له الحق في الرجوع على الممول و البائع بما قد يؤديه في هذا الشأن64 .

5-     الالتزام برهن العقار لصالح الممول رهناً رسمياً للوفاء بالقرض وملحقاته وعائده 65. وهذا سنتناوله عند بحث ضمانات التمويل العقاري.

6-     يلتزم المستثمر كما سنرى بالتأمين لصالح الممول بقيمة التمويل و ملحقاته لدى إحدى شركات التأمين ضد مخاطر عدم الوفاء بسبب الوفاة أو العجر66, و التأمين على العقار ضد خطر الحريق67 . وهذا من المسائل المحظورة في الاستصناع الموازي الشرعي لتحريم التأمين التجاري.

وللمستثمر (رب العمل ) في القانون الفرنسي وقبل انجاز برنامج التمويل أن يحيل حقوقه إلى شخص آخر فيخضع المحال عليه لجميع الالتزامات الناشئة عن عقد التمويل التي يلتزم بها رب العمل و يضمن تنفيذها68.

ثالثاً: التزامات البائع أو المقاول

يرتبط بائع العقار أو المقاول الذي يبنيه في القانون المصري بعلاقة مباشرة مع المستثمر ويلتزم في مواجهته بما يفرضه عقد البيع أو المقاولة لذا على البائع الالتزام بتسجيل العقار باسم المستثمر ( المقترض) خالياً من أي حقوق عينية للغير69.

أما في القانون الفرنسي فلا يرتبط رب العمل ( المستثمر ) بعلاقة مباشر مع البائع أو المقاول بل يكون الممول كفيل او ضامن لرب العمل بتنفيذ البائع  أو المقاول لالتزاماتهم فإن لم تنفذ هذه الالتزامات رجع رب العمل ( المستثمر ) بها على الممول70. وفي الاستصناع الموازي الشرعي يكون العقد بين الممول والصانع مستقلا عن العقد بين الممول والمستصنع لذا يكون التزام الصانع في مواجهة الممول وليس المستصنع.

المطلب الثاني

ضمانات التمويل العقاري

         لتدعيم الثقة الائتمانية باتفاق التمويل العقاري لا بد من وجود ضمانات قانونية تحفظ للاتفاق هيبته الائتمانية تضمن الوفاء بقيمة التمويل و هذه الضمانات قد تكون ضمانات عينية محلها العقار الممول وقد تكون ضمانات غير عينية و سنعرض هذه الضمانات في الفرعين الآتيين:

الفرع الأول / الضمانات العينية

 

       يكون ضمان الوفاء بقيمة التمويل بتأمين عيني ينصب على العقار الممول نفسه فيكون العقار هو الضامن للممول للوفاء بقيمة التمويل وهذا التأمين العيني أما أن يكون برهن العقار لصالح الممول أو بامتياز بائع العقار الذي يضمن الوفاء بثمنه، كما قد يتدخل القانون لوضع إجراءات تحافظ على العقار الضامن. ويتجلى ذلك بما يأتي:

أولاً: أنواع التأمينات العينية: هذه التأمينات الضامنة هي الرهن والامتياز:

1-     رهن العقار لمصلحة الممول :

      يراد برهن العقار أن يقوم المستثمر برهن العقار الذي اشتراه من البائع أو رهن الأرض التي سيبنى عليها العقار لمصلحة الممول وبموجب هذا الرهن يستطيع الممول التنفيذ على المرهون عند عجز المستثمر عن دفع قيمة التمويل71، فإذا لم يقم المستثمر بالوفاء خلال المدة المحددة له يصدر قاضي التنفيذ بطلب من الممول أمر بتعيين وكيل عقاري ليباشر إجراءات بيع العقار المرهون لصالحه الممول بالمزاد العلني72. و الرهن في أصله عقد ينشأ باتفاق الراهن ( المستثمر ) و المرتهن ( الممول ) 73 ، في حين نلاحظ أن قانون التمويل العقاري المصري ألزم المستثمر بنص القانون أن يقوم برهن العقار لصالح الممول فصار الرهن التزاماً و ضماناً قانونياً لا اتفاقياً74 . ويبدو أن السبب وراء موقف المشرع المصري هو خطورة اتفاق التمويل من الناحية الائتمانية ذلك أن عجز أو تلكؤ المستثمر في دفع الثمن من الممكن أن يؤثر سلباً على القدرة الائتمانية للممول وعلى إمكانيته في ممارسة أنشطة التمويل على هذا كان لا بد من إلزام المستثمر بنص القانون على تقرير حق الرهن وعدم ترك الأمر لاختياره وموافقته.

وقد جرى العمل بالرهن العقاري الرسمي في الاستصناع الموازي الشرعي وذلك لمشروعيته رغم اختلافه عن الرهن الحيازي المنصوص عليه في القرآن الكريم حيث يعد هذا الرهن العقاري من ضمانات التمويل العقاري الإسلامي ولم يقل أحد بحرمته وفق ضوابطه 75.

2-     امتياز بائع العقار:

يتقرر هذا الامتياز بنص القانون لبائع العقار يضمن له الحصول على الثمن عند عدم دفع المشتري من خلال التنفيذ على العقار المبيع محل الامتياز76 ويضمن هذا الامتياز للبائع جميع الثمن   و ملحقاته و يتخذ هذا الامتياز مرتبته من تاريخ تسجيله77، و طالما أن حق البائع في الثمن في القانون المصري ينتقل للممول بحوالة الحق فإن الامتياز ينتقل لهذا الممول بموجب الحوالة بوصفه من ضمانات الدين الأصلي المحال78، و بالتالي يكون بمقدور الممول الاستفادة من هذا الامتياز كضمان للوفاء بقيمة التمويل .

ثانياً: إجراءات المحافظة على العقار الضامن:   

       الضمان العيني ذو أهمية كبيرة للممول ولصفقات التمويل العقاري برمتها و ذلك من خلال دوره في إرساء القيمة الائتمانية لهذه الصفقات و تدعيم الثقة بها، لذا كان لا بد من إجراءات للمحافظة على العقار محل هذا الضمان من تصرفات المستثمر و سوء نيته و كما يأتي:

1-     الحد من سلطة المستثمر على العقار الضامن :

        إن الرهن لا يغل أو يرفع يد الراهن ( المستثمر ) من التصرف بالعقار المرهون سواء أكان التصرف بالبيع أو الإيجار سوى أن إيجار الراهن للعقار إذا كان مضافاً إلى ما بعد حلول الأجل فيجب تأشير الإيجار في عقد الرهن79 .

بيد أن ذلك لا يتلاءم مع ما يتطلبه اتفاقات التمويل العقاري من ضمانات و تطمينات قانونية لذا تدخل قانون التمويل العقاري المصري رقم ( 148) لسنة 2001 ليحد من سلطة المستثمر في التصرف بالعقار الضامن و ذلك كما يأتي :

أ‌-      لا يجوز للمستثمر أن يتصرف في العقار بالبيع أو الهبة أو غيرهما أو ترتيب أي حق عيني عليه إلا بموافقة الممول و بشرط أن يقبل المتصرف إليه الحلول مع  المستثمر في الالتزامات المترتبة على عقد التمويل , وللممول أن يشترط تضامن المستثمر مع المتصرف إليه في الوفاء بهذه الالتزامات80.

ب‌-    لا يجوز للمستثمر أن يأجر العقار المرهون أو أن يمكن أحداً من شغله إلا بعد الحصول على موافقة الممول وللأخير أن يشترط الحلول محل المستثمر في اقتضاء أجرة العقار أو مقابل شغله و ذلك لوفاء أقساط التمويل و ملحقاته وعوائده81.

      هذا و لا يستطيع الممول رفض التصرف في الحالتين إلا لأسباب جدية يتخوف معها تعرض مصالحه و حقوقه للخطر و حينئذ عليه إخطار المستثمر بهذه الأسباب كتابة  خلال ( 30 ) يوم من إعلان المستثمر رغبته في التصرف بالعقار أو تأجيره أو تمكين الغير من شغله و إلا عد موافقاً على ذلك82 .

       هذا و إذا تصرف المستثمر بالعقار مخالفة لما تقدم كان للممول أن يطالبه بكامل قيمة التمويل و عوائده و ملحقاته بإنذار على يد محضر خلال مهلة لا تقل عن (30) يوم و عند عدم وفاء المستثمر بذلك يباشر الممول إجراءات التنفيذ على العقار83. وقد جرى العمل في الرهن العقاري الضامن للتمويل الإسلامي بعدم منع الراهن من التصرف بعقاره وفق الضوابط الشرعية المحددة84.

2-     مدى مسؤولية المستثمر عن نقص قيمة العقار الضامن :

يسأل الراهن عن نقص قيمة العقار إذا كان ذلك بفعله أو إهماله و يكون من حق المرتهن أن يطالب بسقوط اجل الدين و الدفع فوراً أو أن يطالب بتأمين كافي85.

وعلى هذا إذا تعيب العقار أو نقص بفعل أو إهمال المستثمر أو شاغل العقار كان للممول أن ينذر المستثمر بالوفاء أو تقديم ضمان كاف حسب الأحوال وذلك خلال (30) يوم من تاريخ الانذار86.

الفرع الثاني/ الضمانات غير العينية

       يمكن تأمين الوفاء بقيمة التمويل بضمانات غير عينية لا يكون الضمان فيها العقار الممول و إنما قد يكون الضمان شخصياً كالكفالة أو ضمانات أخرى كالتأمين أو الخصم من دخل أو راتب المستثمر أو إنشاء صندوق لدعم التمويل العقاري، أو من خلال السماح للممول بتحويل حقوقه إلى منشأة متخصصة بتوريق الديون ، و سنحاول الوقوف على هذه المسائل فيما يأتي :

أولا: الكفالة :

الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة بتنفيذ الالتزام87، و للدائن حق مطالبة الكفيل بالدين المكفول به88، و تشمل المطالبة بالدين و ملحقاته و المصروفات89 . والكفالة من الضمانات المشروعة التي تتعامل بها مؤسسات التمويل العقاري الإسلامية 90.

وعلى هذا يحق للممول مطالبة المستثمر بتقديم كفيل يضمن له أداء الدين وملحقاته عند عجز المستثمر عن الدفع .

ثانياً: التأمين لصالح الممول ضد مخاطر وفاة المستثمر أو عجزه :

التأمين عقد به يلتزم المؤمن أن يؤدي إلى  المؤمن له أو إلى المستفيد مبلغاً من المال أو إيرادا مرتباً  أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده و ذلك في مقابل أقساط أو أي دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن91.

فيجوز للممول أن يشترط على المستثمر التأمين لصالحه بقيمه التمويل و ملحقاته لدى إحدى شركات التأمين و ذلك ضد مخاطر عدم الوفاء بسبب و فاة المستثمر أو عجزه92. وهذا ما ألزم به المشرع المصري المستثمر على أن يغطي التأمين خطر عدم الوفاء بقيمة التمويل نتيجة الوفاة أو العجز الكلي أو الجزئي بنسبة لا تقل عن (50%) وأن يغطي خطر الحريق الذي قد يتعرض له العقار الممول ويبقى التأمين مستمراً طالما وجدت للممول أي مستحقات أو مطلوبات93. وكما سبقت الإشارة لا تتعامل شركات التمويل العقاري الإسلامي بالتأمين التجاري لتحريمه.

ثالثاً: صندوق دعم أو ضمان التمويل العقاري:

        ينشأ هذا الصندوق لغرض دعم نشاط التمويل العقاري ويكون ضامناً للممول بأداء قسط أو أكثر من أقساط التمويل عن عجز المستثمر عن أدائها94.  وعلى هذا أقر قانون التمويل العقاري المصري إنشاء هذا الصندوق و أضفى عليه شخصية اعتبارية و أخضعه للوزير المختص  وحدد دوره بأن يضمن للممول أداء قسط أو أكثر من أقساط قيمة التمويل التي يتخلف المستثمر عن سدادها في مواعيدها95.

و تتكون موارد الصندوق96 من :

1-  الاشتراك الذي يلتزم المستثمر بأدائه للصندوق طبقاً لما يحدده نظام الصندوق .

2-  التبرعات التي تقدم للصندوق و يوافق عليها الوزير المختص .

3-  ما تخصصه الدولة للصندوق من مبالغ .

رابعاً: الخصم من الدخل أو الراتب :

        طائفة المستثمرين في اتفاقات التمويل العقاري غالباً ما تكون من ذوي الدخول المحدودة و الموظفين الراغبين في الحصول على العقارات لاسيما السكنية منها , لذا يستطيع الممول الاعتماد على دخل أو رواتب هذه الطائفة لضمان الوفاء بأقساط قيمة التمويل و ذلك بالخصم من هذا الدخل أو الراتب عند عجز المستثمر عن أداء القسط المحدد97.

 

خامساً: حق الممول في تحويل حقوقه بقيمة التمويل إلى شركات توريق الديون:

         توريق الديون هو عبارة عن عملية يقوم فيها الدائن ببيع حقوقه التي في ذمة المدينين إلى منشأة خاصة تقوم بتحويل هذه الديون المباعة إلى أوراق مالية وطرحها للاكتتاب بها98.    

وقد أجاز قانون التمويل العقاري المصري للممول بأن يحيل حقوقه الناشئة عن اتفاق التمويل إلى أحد الشركات المرخص لها من الهيئة العامة لسوق المال وتصدر  الشركة المحال إليها أوراقا مالية بما لا يتجاوز قيمة الحقوق المحالة و تطرحها للاكتتاب العام و يتم الوفاء بالحقوق الناشئة عن الأوراق المالية في تواريخ استحقاقها من حصيلة أقساط التمويل و عوائدها بضمان الرهن العقاري 99.

ووجه الضمان لدى الممول هنا أنه يستطيع تحويل ديون أقساط التمويل المؤجلة بمقابل معجل يستفيد منه لتوسيع نشاطه بدلاً من انتظار حلول آجال الأقساط و تعرضه لاحتمالات عدم دفعها من قبل المستثمر .

وبالنسبة لمؤسسات التمويل الإسلامية فأن الاتفاق معقود على جواز توريق محافظ الأصول العينية من سلع وبضاع وتحويل هذه الأصول الى أوراق مالية من اسهم وسندات والاستثمار بها وفق الضوابط الشرعية، اما الأصول او الديون النقدية فلا يجوز من الناحية الشرعية تحويلها او توريقها وتسنيدها الى أوراق مالية لما تتضمنه من بيع الدين بالدين ومن ربا محرم شرعا100.

 

الخاتمة

 تختلف صيغ التمويل العقاري في فقه المعاملات المالية المعاصرة وفي الأنظمة القانونية وذلك حسب خضوعها للضوابط الشرعية وحسب المصالح التي يراد تحقيقها للأشخاص الذين يتعاملون بهذا النشاط. على أنه أيا كانت الصيغة المعتمدة للتمويل فإنه يحقق في مجاله (القطاع العقاري) مزايا لا تحققها الصيغ التمويلية الأخرى، على هذا وبعد الانتهاء من بحث اتفاق التمويل العقاري يمكن ملاحظة ما يأتي:

أولا: اقتصرت معالجة قانون التمويل العقاري المصري رقم ( 148) لسنة 2001 على الناحية المالية التي تربط أطراف التمويل العقاري المستثمر و البائع أو المقاول و الممول فأقام هذه العلاقة الثلاثية على أساس ( البيع أو المقاولة ) و ( القرض أو حوالة حق )، وهي علاقة قائمة على التربح الربوي المحرم شرعا وكان على القانون المصري عدم الوقوع فيه واتباع البدائل الشرعية. هذا من جهة ومن جهة ثانية أن دور الممول في هذا القانون هو دوراً مالياً بحتاً يتعهد فقط بدفع قيمة العقار الذي يريده المستثمر إلى بائعه أو المقاول الذي يبنيه وذلك عن طريق قرض يقدمه للمستثمر و لا علاقة للممول بالمسائل الأخرى اللازمة لتوريد العقار أو صناعته كإيجاد العقار المناسب أو الأرض التي سيبنى عليها و تراخيص البناء, إذ يتولى هذه الأمور المستثمر نفسه و يرتبط فيها بعلاقة مباشرة مع البائع أو المقاول في حين نجد أن معظم المستثمرين المتعاملين مع مؤسسات التمويل العقاري هم من ذوي الدخول المحدودة و الموظفين و الأشخاص الذين  لا يملكون الخبرة الكافية في العقارات وصناعتها , لذا كان من الأجدر أن يتولى الممول جزءاً من هذه المهام  كأن يتولى أمر إيجاد العقار المناسب و الأرض المناسبة .

ثانياً: يلاحظ أن قانون التمويل العقاري الفرنسي و فر على المستثمر الجهد في إيجاد العقار المناسب أو الأرض التي سيبنى عليها و جعل الممول يتكفل بمهام توريد العقار بصورة كاملة من كل النواح المادية و القانونية مالياً و إداريا بوصفه و كيلاً و مقاولاً , والزمه بالضمانات تجاه المشتري المستثمر وهو ما يحقق دون شك مصلحة المشترين بوصفهم من الشرائح المحدودة الدخل الباحثة عن التمويل.

ثالثا: تعد صيغة التمويل العقاري الإسلامي ممثلة بالاستصناع الموازي صيغة رائدة ومتطورة للتمويل العقاري قياسا على ما هو عليه الحال في القانونين الفرنسي والمصري فهي صيغ ملتزمة بالضوابط الشرعية وتتجنب الربا فضلا عن تحقيقها الغايات الاقتصادية من التمويل.

رابعا: اذا أريد لفقه المعاملات المالية أن يتجدد على الصعيد القانوني المعاصر فلا بد من إعادة صياغته وفق الصيغ القانونية التي تمكنه من النفوذ والاستقرار ضمن التنظيمات القانونية المدنية والتجارية والمصرفية المعاصرة، كما أن حاجتنا إلى تقنين معاملاتنا المالية المعاصرة أضحت في نظر الفقه الإسلامي المعاصر من الواجب التكليفي بتبليغ شريعة الإسلام للعالمين.

خامسا: نظراً لما يحققه التمويل العقاري من مزايا في معالجة الركود و الكساد العقاري و توفير العقارات لذوي الدخول المحدودة و معالجة أزمة السكن و تحقيق النمو في الاقتصاد الوطني، فإنه يمكن الاستفادة من هذه المزايا في اقتصادنا الوطني من خلال دمج نظام التمويل العقاري في نظامنا القانوني بالاستفادة من تجربة مؤسسات التمويل العقاري الإسلامية ومن التجربتين الفرنسية و المصرية الغير مخالفة للضوابط الشرعية و ذلك يتطلب ما يأتي:

1-إنشاء هيئة عامة للتمويل العقاري تتولى:

أ-ضبط إيقاع نشاط التمويلي العقاري ومراقبته.

ب-منح التراخيص لشركات التمويل بمزاولة نشاط التمويل العقاري والزامها بالضوابط الشرعية وتجنب الربا.

جـ -الأشراف على عمل وسطاء والوكلاء والمقيمين العقاريين.

د -الإشراف على إنشاء صناديق دعم التمويل العقاري.

هـ-إصدار نماذج اتفاقات التمويل العقاري الشرعية.

2-أيجاد مؤسسات منضبطة للوساطة والتقييم العقاري تخضع للمعايير الشرعية والقانونية.

3-إصدار قانون او نظام خاص للتمويل العقاري يعالجه من الناحية القانونية ، على أن يقوم على الأسس الشرعية  الآتية المعتمدة في التمويل العقاري الاسلامي :

أ‌-       ان يكون العقد بين المستثمر المشتري والممول منفصلا عن العقد بين الممول والمقاول الباني بحيث يمنع من إحالة التزامات الممول تجاه المقاول الى المستثمر المشتري وبالعكس.

ب‌-   التزام المستثمر بسداد كامل أقساط الثمن في المواعيد التي يتفق عليها إلى الممول مباشرة.

ج‌-   إلزام المستثمر قانوناً برهن العقار محل التمويل لمصلحة الممول وتقييد المستثمر من التصرف بالعقار الضامن إلا بموافقة الممول.

د-إلزام الممول بالإفصاح الدوري للمستثمر عن كل البيانات التي تهم المستثمر وتتعلق بالتمويل.

ه-النص على إنشاء صندوق لدعم التمويل العقاري وتحديد موارده.

الهوامش

1-     عمر يوسف عبدا لله عبابنة / الدفع بالتقسيط عن طريق البطاقات الائتمانية، ط(1) ، دار النفائس , عمان , الأردن , 2008 , ص 29 .

2-     د.هاني محمد دويدار / النظام القانوني للتأجير التمويلي , ط(2) , الإسكندرية , 1988 , ص44 وما بعدها .

3-     هيا جميل بشارات / التمويل المصرفي الإسلامي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة , ط(1) , دار النفائس , عمان , الأردن , 2008 , ص83 .

4-     د. محمد المرسي زهرة / بيع المباني تحت الإنشاء , ط(1) , 1989 , ص18 وما بعدها .

5- رفيق يونس المصري، "مشكلات المصارف الإسلامية"، بحث منشور في كتاب: قضايا معاصرة في النقود والبنوك والمساهمة في الشركات، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، ط2، 2003، ص 293. آمال لعمش، دور الهندسة المالية في تطوير الصناعة المصرفية الإسلامية، رسالة ماجستير، جامعة فرحات عباس – سطيف –كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، 2012، ص50-51.

6-     المادة 534 من القانون المدني العراقي.

7-انظر في ذلك كله مجلة المجمع عدد 7 ج2 ص 223.

8- المادة 865 – 2 من القانون المدني العراقي.

9- مجلة مجمع الفقه الإسلامي، (الدورة الثانية عشرة، ١٤٢١ ه)، ج ١ ص ٦٩٧، فواز بن خلف اللويحق المطيري، الحماية الجنائية والمدنية في التمويل العقاري، رسالة دكتوراه، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، كلية الدراسات العليا، قسم العدالة الجنائية، الرياض، 2011، ص 87-89.

10- مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 6 ج 1 ص188.

11-   جعفر كاظم جبر / عقد الائتمان التأجيري ، رسالة دكتوراه , كلية الحقوق , جامعة النهرين , بغداد , 2001 , علاء حسين علي , عقد بيع المباني تحت الإنشاء , رسالة دكتوراه , كلية الحقوق , جامعة النهرين , بغداد , 2005 .

12-   ( ph ) malinvaud , et (ph) jastez , Droit de la promotion immobiliere , dalloz , 1976 , N.I.P.I.

13-   نقض مدني فرنسي ( الدائرة الثالثة ) في الأول من فبراير 1972 أشار إليه د. عبدا لرزاق حسين يس / المسؤولية الخاصة بالمهندس المعماري ومقاول البناء وشروطها – نطاق تطبيقها والضمانات المستحدثة فيها – ط (1) , القاهرة 1987 , ص540 .

14-   أطلق على هذا القانون ابتداء في الأوساط التشريعية والفقهية المصرية اسم  قانون ( الإقراض العقاري تعبيراً عن عنصر القرض الذي يتضمنه هذا الاتفاق حيث تنص المادة (1) من هذا القانون على انه ((تسري أحكام هذا القانون على نشاط إقراض الأموال لغرض شراء مسكن خاص أو لغير ذلك من الأغراض التي يصدر بتحديدها قرار من الوزير المختص وذلك بضمان رهن العقار رهناً رسمياً , ويطلق على هذا القرض اسم القرض العقاري ويطلق على ذلك الرهن اسم الرهن العقاري )) , ثم استقرت تسمية هذا القانون وهذا الاتفاق بمسمى ( التمويل العقاري ) .

15-   منشورات بيت التمويل العقاري المصري .

www.egyptmortagehome.com

16-   د. محمد ناجي ياقوت / مسؤولية المعماريين بعد إتمام الأعمال وتسليمها مقبولة من رب العمل , دار النهضة العربية , 1984 , ص 70 .

17-   د. سامح الترجمان / حوار عن التمويل العقاري منشور على :               www.e.dar.com

18-   د . هاني محمد دويدار / المصدر السابق , ص655 .

19-   . ph. malinvaud , et ( ph ) jastez , op-cit , N.502 . P . 511 .

20-   نقض مدني فرنسي ( الدائرة الثالثة في 8 آذار 1977 أشار إليه د. عبد الرزاق حسين يس / المصدر السابق , ص543 , هامش ( 194 ) .

21-   أنظر د. محمد ناجي ياقوت / المصدر السابق , ص71 , هامش ( 137 ) .

22-   البند 14 من المادة 23 من مشروع قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

23-   البند 10 من نموذج اتفاق التمويل العقاري الصادر بموجب قرار وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المصرية رقم 101 لسنة 2003 .

24-   البند 5 من المادة 23 من مشروع قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

25-   المادة ( 380 – 2) مدني عراقي , المادة 328 مدني مصري , د. حسن الذنون / النظرية العامة للالتزامات , بغداد , 1976 , ص450 وانظر أيضاً د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد , ج3 , نظرية الالتزام بوجه عام , ط (3) بيروت , لبنان , 2000 , ص 682 – 684 .

26-   انظر في الفرق بين الحلول وحوالة الحق د . حسن الذنون / المصدر السابق , ص453 .

27-   المادة 382 – 1 من القانون المدني العراقي .

28-   المادة 365 والمادة 381 من القانون المدني العراقي .

29-   المعيار الشرعي رقم 11 عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية الأول من محرم  1424 ه/ الأول من يناير 2003.  محمد بن سليمان الأشقر، عقد الاستصناع ، بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة،  دار النفائس، عمّان، الأردن ، 1418ه، ص 240. فواز بن خلف اللويحق المطيري، المصدر السابق، ص 101.

30-    المعيار الشرعي رقم 11 عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية الأول من محرم  1424 ه/ الأول من يناير 2003. عبد السلام العبادي، الاستصناع ودوره في العمليات التمويلية المعاصرة ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، منظمة المؤتمر الإسلامي ، جدة ، السعودية ، عدد 7، 1412ه، ج2، ص 868. فواز بن خلف اللويحق المطيري، المصدر السابق، ص 102.

31-       Art ( 1831- 4 ) code civil  francais-المضافة بموجب القانون

   Loi no 579 du 16 juillet 1971 , dalloz sirey 1971 .

32-   المادة 30 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

33-   المادة 30 من قانون التمويل العقاري المصري المشار إليه .

34-   المواد 31 – 35 من القانون ذاته .

35-   المادة 36 من هذا القانون .

36-   Art ( 1831 – 1 -2 ) Gode civil Francais .

37-   انظر نموذج اتفاق التمويل العقاري الصادر بموجب الأمر الوزاري المصري رقم 101 لسنة 2003 .

38-   انظر منشورات بيت التمويل العقاري المصري على الموقع :

www.egyptmortagehome.com

39-   منشورات بيت التمويل العقاري المصري على الموقع :

www.egyptmortagehome.com

40-   المادة 40 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

41-   المادة 51 من القانون المشار إليه .

42-   منشورات بيت التمويل العقاري المصري على الموقع :

www.egyptmortagehome.com

43-   المواد ( 18 – 28 ) من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 , والتي بينت إجراءات اختيار الوكيل العقاري ومهامه .

44-   منشورات بيت التمويل العقاري المصري على الموقع :

www.egyptmortagehome.com

وأنظر أيضاً الموقع :                          www.ale3lanian.com

45-   المادة 51 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

46- ولمزيد من الاطلاع في مهنة المقوم العقاري في التمويل العقاري الاسلامي ينظر فواز بن خلف اللويحق المطيري، المصدر السابق، ص 175-177.

47-   المادة 42 من القانون المذكور .

48-   أنظر نموذج اتفاق التمويل العقاري الصادر بالأمر الوزاري رقم 101 لسنة 2003 .

49-      Art ( 2 )   Loi no 649 du 16 juillet 1971 , dalloz sirey 1972

50-      ( ph ) malinvaud , et ( ph ) jastez , op-cit , N.162 . P . 186 .

51-   Ibid , N.162 . P . 186

                         انظر في هذا الخلاف أيضاً

 د. عبد الرزاق حسين يس / المصدر السابق , ص547 – 549 . 

52-   Art ( 5 ) loi no ( 12 ) du 1978   

53-        ( ph ) malinvaud , et ( ph ) jastez , op-cit , N.162 . P . 186 .

54-   أنظر في هذا الضمان المادة 870  من القانون المدني العراقي , وانظر د. سعيد مبارك , د. طه الملا حويش , د. صاحب عبيد الفتلاوي / الموجز في العقود المسماة , دار الحكمة للطباعة النشر بغداد , بغداد , 1992 – 1993 . ص435 وما بعدها .

55-      المعيار الشرعي رقم 11 عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية الأول من محرم  1424 ه/ الأول من يناير 2003. البند 7/3،4.

56-   المادة 5 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

57-   المادة 1-1831 من القانون المدني الفرنسي المضافة بالقانون رقم 579 في 16 تموز 1971 .

58-   نموذج اتفاق التمويل العقاري الصادر بالأمر الوزاري المصري رقم 101 لسنة 2003  البند ( 10 ) .

59-   النموذج المشار إليه البند ( 11 ) .

60-   المادة 19 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

61-   نموذج اتفاق التمويل العقاري المشار إليه البند ( 16 ) .

62-   المصدر نفسه البند ( 11) .

63-   المصدر نفسه .

64-   المصدر نفسه .

65-   المادة 5 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

66-   المادة 39 من القانون المذكور أعلاه .

67-   نموذج اتفاق التمويل العقاري المشار إليه البند ( 11) .

68-       Art ( 1831 – 3 ) code civil francais   : المضافة بالقانون

 

loi no( 579 ) du 16 juillet 1971 .       

69-   المادة 5 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

70-          ( ph ) malinvaud , et ( ph ) jastez , op-cit , N.162 . P . 186 .

 

71-   المادة 1285 والمادة 1299 من القانون المدني العراقي . وانظر محمد طه البشير , د. غني حسون طه / الحقوق العينية , القسم الثاني , بغداد , 1982 , ص428 .

72-   المادة 18 وما بعدها من قانون التمويل العقاري المصري رقم 101 لسنة 2001 .

73-   المادة 1285 من القانون المدني العراقي , محمد طه البشير , د. غني حسون طه / المصدر السابق , ص352 .

74-   المادة 5 من قانون التمويل العقاري المصري .

75-ولمزيد من الاطلاع في مشروعية الرهن العقاري ينظر فواز بن خلف اللويحق المطيري، المصدر السابق، ص 232-233.

76-   المادة 1378 من القانون المدني العراقي .

77-   المادة 1378 – 2 من القانون المدني العراقي , محمد طه البشير , د. غني حسون طه , المصدر السابق , ص620 .

78-   المادة 365 من القانون المدني العراقي ,

79-   المواد 1295 , 1303 من القانون المدني العراقي , محمد طه البشير , د. غني حسون طه / المصدر السابق , ص414 , 418 .

80-   المادة 6 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 101 لسنة 2001 .

81-   المادة 7 من القانون المشار إليه .

82-   نموذج اتفاق التمويل العقاري الصادر بموجب القرار الوزاري المصري رقم 101 لسنة 2003 . البند 12 .

83-   المادة 8 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 101 لسنة 2003 .

84-ولمزيد من الاطلاع ينظر فواز بن خلف اللويحق المطيري، المصدر السابق، ص 132 ومابعدها.

85-   المادة 1297 – 2 من القانون المدني العراقي .

86-   المادة 14 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

87-   المادة 1008 من القانون المدني العراقي .

88-   المادة 1020 – 1 من القانون المدني العراقي .

89-   المادة 1015  من القانون المدني العراقي .

90-ينظر فواز بن خلف اللويحق المطيري، المصدر السابق، ص 318.

91-   المادة 938-1- من القانون المدني العراقي , انظر د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني , ج7 , المجلد الثاني , القاهرة , 1964 , ص1084 .

92-   المادة 39 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

93-   نموذج اتفاق القانون العقاري المصري الصادر بالأمر الوزاري رقم 101 لسنة 2003 , البند (11) . انظر منشورات بيت التمويل العقاري المصري                 www.egyptmortagehome.com

94-   د. سامح الترجمان / حوار حول التمويل العقاري منشور على

www.e.dar.com

95-   المادة 37 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

96-   حددت موارد الصندوق المادة 38 من قانون التمويل العقاري المصري المشار إليه .

97-   منشورات بيت التمويل العقاري المصري :

www.egyptmortagehome.com

98-   د. احمد عبد الرحمن ملحم / د. محمود أحمد الكندري / عقد التمويل باستخدام الحقوق التجارية وعمليات التو ريق , مجلس النشر العلمي , جامعة الكويت , 2004 , ص145 .

99-   المادة 12 من قانون التمويل العقاري المصري رقم 148 لسنة 2001 .

100- د. إبراهيم فاضل الدبو، التورق حقيقته وانواعه(الفقهي المعروف والمصرفي المنظم)، منظمة المؤتمر الإسلامي، مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدورة التاسعة عشرة، إمارة الشارقة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ص 8-10.

بقلم ذ علاء حسين علي
أستاذ القانون المدني والمعاملات المدنية المساعد جامعة الانبار-كلية القانون والعلوم السياسية
 


أعلى الصفحة