القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ عبد الله المتوكل
أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بالدار البيضاء و محام بهيئة الدار البيضاء
تحت عدد: 58

"الخطأ الفادح في التقدير" أو "الخطأ البين في التقدير" erreur manifeste d’appréciation     L’

مفهوم يتصل بالسلطة التقديرية للإدارة وما يلزمها من حدود. وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة في اجتهاد المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية منذ أكثر من ثلاثين سنة لما قضت هذه المحكمة بعدم الملائمة بين عقوبة الإعفاء من العمل والخطأ المرتكب من قبل حارس ليلى أخذته غفوة نوم (  1) .وقد تبنى مجلس الدولة في فرنسا هذا التوجه في قرار يعتبره الفقه الإداري تاريخ ولادة المفهوم في فرنسا وهو قرار لا كراتجLAGRANGE 1961   ( 2 ). وقد سار على هذا المنوال أيضا مجلس الدولة المصري وبكثير من الحشمة المجلس الأعلى في بلادنا


وللوقوف على حقيقة هذه المصطلح وما يفيده  عن كيفية مقاربة القاضي الإداري لميدان  السلطة التقديرية  الذي يحضر عليه مراقبته تقليديا  يتوجب كشف المعنى القانوني لما يصطلح عليه في      الاجتهاد بالخطأ الفادح أو الخطأ البين في التقدير قبل بيان موقع هذا المصطلح في المنازعات الإدارية في المغرب

ا –مصطلح "الخطأ الفادح في التقدير"

يقصد بالخطأ الفادح في التقدير حسب اجتهاد لاكرانج الخطأ المقترف من طرف الإدارة في تقديرها لاتخاذ قرار تبين انه جسيم بما لا يدع مجالا للشك ( 3; ويستلزم  حسب رأى الفقه أن يكون هذا الخطأ بديهيا وواضحا يمكن أن يلاحظه أيا كان ( 4  ) .وفى هذا المعنى يقول الفقيه Braibant بان الخطأ يكون فادحا لما تتعسف الإدارة عن قصد أو عن غير قصد في التقدير المخول لها وتتعدى حدود المعقول في تقديرها لملائمة اتخاذ القرار (  5;وقد اخذ مجلس الدولة في مصر بهذا الرأي إذ اعتبر بان "تجاوز حدود المعقول" هو العنصر الأساسي في الخطأ البين في التقدير وهو أيضا ما يظهر في اجتهاد المحكمة الإدارية بالرباط في قضايا "اجداح"  "وبوشبيكى " وبوليل '(6)

___________________________________________________

-J.Y VINCENT :l’erreur manifeste d’appréciation Rev Administrative 1971                     -   1

                                                                                        P :411-412

  -نفس المرجع وانظر ايضاkornprobst :l’erreur manifeste  R .Sirey-Dalloz Chronique                                                                                                   121 ss.

3   -      مجلس الدولة  15 فبراير 1961  فى chronique Galebert et Gento AJDA 1962 p :522  

   ثم ايضاJ M Auby et D. Ader : Traité de contentieux administratif 1992 p :513 

4    -    نفس المرجع ص   516 :  

 5    -  مذكور فى Le Boutoule et Cabanes : AJDA 1971 p :2 

 6    - المحكمة الادارية بالرباط 30/6/1997 رشيد اجداح ;  بو  شبيكى 20/3/1997  بوليل23/3/1995                   ثم م ا الرباط  30/6/99 م ا الغرفة الادارية 25/7/2007 القرار 522.  م ا مراكش حكم 44 24/4/2002

                

-المعنى القانوني للمصطلح

لا يمكن مقاربة مصطلح الخطأ الفادح في التقدير إلا في إطار المنظومة القانونية التي تحكم سلطات الإدارة; فحينما تكون سلطتها مقيدة بمقتضى القانون، لا يحق للسلطة الإدارية أن تتحرك وتقرر إلا وفق الشروط المحددة قانونا، وكل تجاوز لهذه الشروط يعتبر خرقا للقانون ويستوجب الإلغاء في حالة الطعن.

 أما إذا كانت الإدارة تتمتع بحرية اتخاذ القرار أو عدم اتخاذه وبحرية تقدير ملائمة تحركها ,فان السلطة الإدارية  تبقى سيدة في تصرفها  الذي قد ينسجم مع  المشروعية ; وقد تتجاوز الحدود القانونية  فتقع إذ ذاك في الشطط . وإذا كانت مراقبة القاضي الإداري سهلة في الحالة الأولى لكون هذه المراقبة تنصب على تطبيق القانون ,فإنها في الحالة الثانية غير ذلك إذ يطلب منه أن يتحلى بشاعة اكبر، لان الأمر  يتطلب تقييم التقدير الذي حدا بالسلطة الإدارية  إلى اتخاذ القرير المعيب.

وإذا كانت مهارة القاضي وخبرته قد تؤهله إلى استنباط كل الخلفيات التي كانت وراء اتخاذ القرار(1 ) فان ذلك رهين بان لا يدخل في فضاء السلطة التقديرية المغلق تقليديا أمام المراقبة القضائية، وان فعل وقع في فخ الحلول محل السلطة الإدارية و بالتالي تقدير الملائمة(L’opportunité) التي لا نظر له عليها(2 ).

إن الاحتياط المطلوب من القاضي في هذا الشأن، هو الحرص على إقامة التوازن بين حرية الإدارة وحقوق وحريات الأفراد; وهذا بالضبط ما ترمى إليه تقنية "الخطأ الفادح في التقدير" التي  تسمح للقاضي  إحلال المراقبة على الأسباب محل التكييف  القانوني للوقائع ; لذلك يرى الفقه بان هذا الأسلوب الذي يشكل استثناء لمبدأ عدم خضوع السلطة التقديرية للإدارة إلى المراقبة القضائية  (3)هي في الواقع عرقلة تحول دون ممارسة هذه المراقبة  بصفة فعالة (4) مما يدفع إلى التساؤل عن مدى مراقبة  القضاء للإدارة من خلال أسلوب "الخطأ الفادح".

____________________________________________________

 1 انظر M.Waline :étendue et limites du contrôle du juge administratif sur les actes de l’administration ,Etudes et Documents du Conseil d’Etat 1956 p :27 ;A.Delaubadère :le contrôle juridictionnel du pouvoir discrétionnaire dans la jurisprudence récente du conseil d’Etat Mélanges Waline T 2 1974 p :531 ss ;J.Y Vincent  p :412 ;Ch.Pesbecq :de la frontière entre la légalité et l’opportunité dans la jurisprudence du juge de l’éxcés de pouvoir Rev de Droit Public 1980 p :803 ss ;                                                                                                                    

2  المرجع  De Laubadère          

3 المراجع المذكورة Kornprobst ;j y Vincent ; De Laubadère 

4 Kornprobst ;J Y Vincent p :413

 

مدى مراقبة سلطات الإدارة من خلال أداة الخطأ الفادح في التقدير

إن المتصفح للاجتهاد القضائي سواء المقارن منه أو المغربي سوف يلاحظ بسهولة ندرة القضايا التي تم التعرض فيها للخطأ الفادح في التقدير رغم اتساع المجالات القابلة للمراقبة  (1 )ولعل مرد ذلك حسب الفقه كون هذه الوسيلة لا تشكل آلية كاملة للمراقبة إذ باقتصارها على " النسبوية"proportionnalité لا تعدو أن تكون إلا وسيلة يمكن إدراجها ضمن رزمة الوسائل التقليدية للمراقبة القضائية  . إنها في أحسن الأحوال وسيلة معززة لما يسمى "بالمراقبة في الحد الأدنى"contrôle minimum , ما دامت المراقبة لا تنصب على التكييف القانوني للوقائع ; ولا أدل على هذه الحقيقة من كلمة "الفادح" التي  تبين على أن اهتمام المحكمة لا ينصب الا على ما هو جسيم , لان نسبة الخطأ المسموح للإدارة ارتكابه لا يسمح  للقاضي أن يذهب ابعد من ذلك.

ومع ذلك لا يعتبر الفقه أن نظرية الخطأ البين في التقدير بمثابة تراجع عن مبدأ عدم خضوع السلطة التقديرية للمراقبة وإنما اعتراف صريح بان للإدارة الحق في ارتكاب ا خطاء شريطة أن لا تكون هذه الأخطاء فادحة (2).   ولعل الفقيه DE Laubadère  صادق فى قوله "بان الخطأ الفادح في التقدير ما هو في الحقيقة إلا مراقبة الخطأ في تقدير الأسباب لا غير" (3).

_______________________________________________

1 اتسع مجال تطبق النظرية ليشمل ميادين متعددة مثل التعمير و نزع الملكية ورخص البناء بالاضافة الى الوظيفة العمومية انظر فى ذلك  J .P Henry : une nouvelle fonction pour l’erreur manifeste,le contrôle de l’obligation de diligence AJDA 1979                                  p :17 ;M.Fromont :le contrôle de l’appréciation des faits économiques dans la jurisprudence administrative AJDA 1966 p :588 ss ;H.Charles et                P.Hocreitères :réflexions sur l’erreur manifeste dans le contentieux des plans d’occupation du sol Rev Française deDroit Administratif  6(1)   1990 p :74ss ;l’erreur manifeste a-t-elle une place dans le contentieux des déclarations d’utlité publique  R FDA 13 (4) 1997 p :754 ss ;réflexions sur l’erreur manifeste d’appréciation dans le contentieux des permis de construire :à propos de qu&atree jugements du tribunal administratif de

Besançon RFDA 5(6)1989 p :585ss                                                                                     راجع مستنتجات مفوض الحكومةG.Braibant  على قرار  مجلس الدولة شركة François Maspéro 2/11/1973

-3 De laubadère p :533

4 J.Y.Vincent p :41

                                                                                   

-ظهور "الخطأ الفادح في التقدير" في المنازعات الإدارية بالمغرب

لم يكن الاجتهاد القضائي في المغرب  إلى حين إحداث المحاكم الإدارية يعمل بنظرية الخطأ البين في التقدير ; فقد كانت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ترفض دوما مراقبة السلطة التقديرية للإدارة. فكان لا بد إذا من انتظار سنة 1997  لتسقط أولى الأحكام الأخذة بهذه النظرية .

لكن كيف ما كانت الخلفيات التي كانت وراء تطبيق هذه الأداة من قبل المحاكم الإدارية فان فعالية هذه الوسيلة رهينة بإرادة السلطة السياسية للتعامل معها بايجابية  ورهينة أيضا بشجاعة القاضي الإداري على بسط رقابته كيف ما  كان تعنت الإدارة .إن البحث عن التوازن بين ترك الحرية للإدارة ومراقبة حركيتها بليونة يجعل أداة المراقبة محدودة في الواقع، ولا أذل على ذلك من التركيز على التناسبية بين الفعل والجزاء التي ما فتئت تعمل به محاكمنا الإدارية وخاصة في منازعات الوظيفة العمومية.

   أ-  الطابع المحدود لأداة الخطأ الفادح في الاجتهاد المغربي

من المستقر عليه في الاجتهاد بصفة عامة رفض القاضي الإداري مراقبة القرارات الإدارية الصادرة في نطاق الاختصاص التقديري للإدارة إلا إذا شاب القرار غلط في القانون أو ارتكز على وقائع مادية غير صحيحة أو تم اغتصاب السلطة ; وقد اعتبر الفقه بان هذا التقليص للمراقبة في حدها الأدنى لا يؤهل القاضي الإداري بتاتا لفرض  رقابته في هذا المجال ما لم يتمكن من فرض رقابته على التكييف القانوني للوقائع(1') وهو ما لم يتأتى للمجلس الأعلى وما لم يتم السعي إليه كما يتجلى ذلك من نوازل احمد بنشقرون احمد بن يوسف لوك بن غبريط كورتيى  الضنج  ….  (2)وليست الاعتبارات القانونية وحدها عرقلة أمام فصح المجال لمراقبة سلطان الإدارة في التقدير بل إن الطابع الفني المعقد لكثير من القرارات ولاسيما في الميدان الاقتصادي والمالي وكدا وجوب احترام مبدأ الفصل بين ما هو إدارى تدبيري وما هو قضائي من أهم العوامل الفاعلة في هذا الباب . صحيح أن هذه الحقيقة لا ترضى المواطن الذي أصبح يتطلع إلى حرية أكثر والى المزيد في تحقيق مطالب أوسع , صحيح أيضا أن الإدارة اصبحت تصغي بعناية إلى متطلبات المواطن من خلال  تقليص سلطاتها وتليين وسائل تدخلاتها باللجوء إلى أساليب التدبير الخاص (التسهيلات الإعفاءات الشراكة التدبير المفوض )( 3) إلا أن هذا النهج يوحى بتوسع حرية الإدارة في تدبير الواقع أكثر ما يفيد بتخلي الإدارة عن سيادتها مما يدل على أن المشرع غير مستعد للحد من قوتها تاركا القضاء محصورا في شباك تشريع تتناقض فيه الحرية والحقوق الفردية والجماعية الواجب حمايتها  مع السياسة والمقاربة الأمنية للأمور الشيء الذي حدا به إلى اعتماد مراقبة التناسبية عوض مراقبة السلطة التقديرية.

________________________________________________

1 المجلس الأعلى 4/12/’195; 9/7/1960 ; 21/5/1960 ; 4/12/1958

2  انظر M.Fromont p :5

3  D.Linotte,A Mestre :services publics et droit public économique Paris Unesco 1979 ;C.Champaud :contribution à la définition du droit éconopmique D 1967 chro 215 ;

                                                          

ب) طغيان مراقبة التناسب

لا تنحصر مراقبة الغلو فى التقدير في ميدان معين بل يعم جميع الميادين التي قد تتجاوز فيها الإدارة

حدود المعقول في اتخاذ قراراتها  (  1 ) إلا أن مجاله في المغرب يكاد ينحصر في منازعات الوظيفة العمومية ومن زاوية واحدة : التناسب بين الخطأ المرتكب والعقوبة الطبقة عليه كما يتجلى ذلك من الإحكام المرجعية المذكورة أعلاه  لكن ما يلفت الانتباه أكثر في هذا الباب أن المراقبة هذه قد يستعمل كسبب لرفض الطعن عوض أن تتخذ كوسيلة للإلغاء من اجل ارتكاب خطا فادح في التقدير ( 2 ) فمخافة أن يسقط في ميدان تقدير الملائمة إلى قد تؤدى إلى الحلول محل الإدارة يساهم القاضي من جراء سلوكه هذا بناء سياج حول سلطة الإدارة في التقدير و لعل هذا التوجه  هو ما قاد مجلس الدولة في فرنسا إلى  تبنى الليونة في إدخال  وسيلة " الخطأ في التقدير" في الحالات التي لا يقدر أن يرفض فيها مراقبة مباشرة على السلطة التقديرية للإدارة وإذا سلك القاضي الإداري في المغرب نفس المسلك  فان نظرية الخطأ الفادح في التقدير ستلقى مكانتها كوسيلة لمراقبة ناجعة لسلطات الإدارة .

 

______________________________________________________

1 م عنترى  تحول الاجتهاد القضائى فى مراقبة الملائمة بين الافعال والعقوبة التاذيبية م م ا ت العدد

2 A.Benabdellah : l’e contrôle de l’excés d’appréciation dans le droit disciplinaire de la fonction publique REMALD N°12p   p :83                   

بقلم ذ عبد الله المتوكل
أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بالدار البيضاء و محام بهيئة الدار البيضاء
 


أعلى الصفحة