القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ أنس الشتيوي
باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق بطنجة ملحق قضائي بالمعهد العالي للقضاء
تحت عدد: 364
مقدمة : تعتبر الضريبة الوسيلة العادية التي تتوزع بواسطتها

أعباء الدولة بين المواطنين[1]، و هي أيضا التزام دستوري بنص الفصل 39 من دستور المملكة المغربية لسنة 2001. و هو التزام استدعى الأمر ضرورة إرفاقه بالتزام إداري يتمثل في مشاركة المواطن بنفسه في تحديد وضعيته الضريبية من خلال المعطيات و المعلومات المضمنة في ذلك التصريح الذي تضعه الإدارة الضريبية رهن إشارة المكلف ليملئه و يوقعه و يودعه في الآجال المحددة قانونا.

و استنادا على هذا التصريح، تكون الإدارة الضريبية ملزمة بالتقيد بمضامينه، غير أن حجية هذا الأخير غير مطلقة، بل يقابلها حق الإدارة في مراقبته و فحصه للتأكد من مدى صحة و صدق عناصره، و تصحيح أساسه إذا ما ثبت ان هناك إغفالات و إخلالات تشوبه.

و من ثم فإن المراقبة الجبائية هي النتيجة الطبيعية لنظام ضريبي قائم على التصريح[2]. و هي كذلك حق للإدارة الجبائية في استعمال مجموع الإمكانات المتوفرة لديها، لاسيما الإمكانيات القانونية و الإدارية للتأكد من فحوى التصريح المدلى به من لدن الملزم بالضريبة.

و بصفة عامة، يمكن اعتبار المراقبة الجبائية آلية من آليات كشف مختلف التلاعبات و التجاوزات الصادرة من طرف المكلفين بأداء الضرائب.

غير أن تحقيق هذا الهدف رهين بضرورة إرساء دعائم علاقة حسنة بين الإدارة الجبائية و المكلفين، و ذلك من أجل تخفيف الإكراه النفسي الذي يصاحب عملية المراقبة. هذا بالإضافة إلى غرس ثقافة الوعي الجبائي في صفوف المواطنين، بحيث تصبح الضريبة إحساسا وطنيا و مجتمعيا راسخان الأمر الذي يخفف من إجراءات المراقبة التي تعطل مسطرة التحصيل و تحول دون دخول موارد مالية مهمة لخزينة الدولة في الوقت المناسب.

فماذا نقصد بالرقابة الجبائية ؟ و ما هي آفاقها بالمغرب ؟

 

إجابتنا عن هذه الإشكالية دفعتنا إلى تقسيم الموضوع على الآتي :

* المبحث الأول : الأحكام العامة للرقابة الجبائية.

المطلب الأول : الرقابة الجبائية، مفهومها، مجالها و أسسها.

المطلب الثاني : الرقابة الجبائية، أنواعها و أهدافها.

* المبحث الثاني : آفـاق الرقابة الجبائية بالمغرب.

المطلب الأول : إعادة النظر في العلاقة بين المكلف و الإدارة الضريبية.

المطلب الثاني : تكريس ثقافة الوعي الجبائي.

 

 

المبحث الأول : الأحكام العامة للرقابة الجبائية.

 

إن استعراض الأحكام العامة للرقابة الجبائية يقتضي منا بيان مفهومها و مجالها و أسسها (المطلب الأول)، بالإضافة إلى استعراض أنواعها و كذا أهدافها (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول : الرقابة الجبائية، مفهومها، مجالها و أسسها.

نبين أولا مفهومها (الفقرة الأولى) ثم نعرج على مجالها (الفقرة الثانية) و أسسها (الفقرة الثالثة).

 

الفقرة الأولى : مفهوم الرقابة الجبائية.

تعني الرقابة الجبائية أحقية الإدارة الضريبية ممارسة مراقبة على التصريحات الجبائية المقدمة من طرف المكلف بالضريبة و فحص محاسبته مهما كانت طريقة حفظها و التحقق من مسك الدفاتر التجارية الواجبة مع التأكد من مدى مطابقتها مع المعطيات المادة و غيرها حتى يتسنى لإدارة الضرائب معرفة مدى مصداقيتها[3].

فالرقابة الجبائية بهذا المعنى تقرر لفائدة الإدارة الجبائية الحق في مراقبة واسعة تشمل جميع أوجه النقص التي تعتري إقرارات الخاضع للضريبة، قصد التأكد من قيامه بالتزامه، و أيضا من اجل إصلاح الضرر الذي قد يلحق بالخزينة من جراء مخالفة القانون الجبائي.

و عليه كانت الرقابة الجبائية من أهم الوسائل المعتمة لمكافحة كافة التصرفات السلبية من جانب المكلف، بما يمكنها من اكتشاف أي تلاعب من جانب المكلفين في الوقت المناسب و بالسرعة المطلوبة، مع تطبيق الإجراءات و العقوبات الردعية التي تجعل المخالفة من طرف المكلف مكلفة، مما يدفعه إلى الالتزام الضريبي، و تحري الدقة عند الإدلاء بأي تصريحات ضريبية[4].

الفقرة الثانية : مجال ممارسة حق الرقابة الجبائية.

نقصد بمجال ممارسة حق الرقابة الجبائية ما يلي :

 

        أولا : مراقبة التقدير و الوثائق المحاسبية.

حيث تعمل الإدارة الضريبية في إطار سلطتها الرقابية على مراقبة أي نقص في التقدير أو في الحسابات.

و في هذا الإطار تعمل الإدارة المذكورة على جرد مختلف الوثائق الموجودة في حوزة المكلف و التي على ضوئها يتم فرض الضريبة، من قبيل فواتير الكهرباء مثلا، حيث أنه في هذه الحالة يمكن لمفتش الإدارة الضريبية أن يلاحظ أن مصاريف الكهرباء التي يؤديها المكلف و المدلى بها لدى الإدارة تفوق أو تقل عن معدل الاستعمال العادي. و من هنا يخرج المفتش بقناعة معينة بعد إتمام المراقبة، فإما أنه يشكك في صحة البيانات الحسابية كلها فيرفض المحاسبة التي قدمها الملزم كأساس لفرض الضريبة، و إما أنه يشك في بعض العمليات التي لا يؤدي تعديلها رفض المحاسبة برمتها. و في الحالتين معا يتم اللجوء إلى مسطرة التصحيح.

و بالإضافة إلى مراقبة الوثائق المحاسبية، يعمد مفتش الضرائب أيضا إلى مراقبة تقدير قيمة المادة الخاضعة للضريبة، و ذلك من خلال ملاحظة كافة أوجه النقص في التقديرات المصرح بها أمام الإدارة الضريبية.

 

        ثانيا : الأجهزة المكلفة بالمراقبة.

تنقسم هذه الأجهزة إلى أجهزة عامة و أخرى خاصة.

فالأولى تتمثل في المفتش التابع لمصلحة الضرائب و الذي يقع في دائرة نفوذه مقر المؤسسة الخاضعة للمراقبة.

و يمكن لإدارة الضرائب أن تخلق هيئات خاصة بالمراقبة على الصعيد الوطني لمراقبة المؤسسات الكبرى التي لا يمكن لمفتش الضريبة المحلي أن يراقبها.

أما الثانية (أي الأجهزة الخاصة) فتتمثل في المصالح الجهوية للمراقبة، حيث يكون بإمكان كل مديرية جهوية تكليف فرقة مكونة من شخصين أو أكثر للقيام بعمليات المراقبة.

 

        ثالثا : الأشخاص الخاضعون للمراقبة و الوثائق التي تطالها.

فيما يتعلق بالأشخاص، نميز بين الشخص الطبيعي و الشخص المعنوي. فالأول يكون هو المسؤول عن ملاقاة المفتش و تقديم المساعدة المطلوبة للقيام بهذه المهمة. أما إذا تعلق الأمر بشخص معنوي، فإن مدير المؤسسة يكون هو المسؤول دون غيره ممن يعمل فيها، ماعدا إذا عين شخصا آخر لتمثيله أمام المفتش.

و أما فيما يخص الوثائق الخاضعة للمراقبة، فتتمثل في جميع الوثائق التي يطلبها المفتش من اجل الفحص و التحقيق فيها لمعرفة مطابقتها مع ما هو مضمن في تصريح الملزم، و لا يمكن لهذا الأخير أن يمتنع عن ذلك بداعي كتمان السر المهني[5].

 

 

الفقرة الثالثة : أسس الرقابة الجبائية.

تجد الرقابة الجبائية أساسها في النصوص الدستورية (أولا) و في المنظومة القانونية (ثانيا).

 

        أولا : الأساس الدستوري.

إن الأساس الدستوري لحق الإدارة الضريبية في ممارسة الرقابة الجبائية يستفاد في الأصل في حق الدولة في قبض الضرائب من المواطنين كحق دستوري (بالنسبة للإدارة الضريبية) و كواجب دستوري (بالنسبة للمكلف).

و في هذا الإطار نص الفصل 39 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على انه : « على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده إحداثها و توزيعها حسب الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور». و بالتالي فإن كل شخص – سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا – يتحمل الضريبة المستحقة عليه حسب قدراته و في إطار قانونية يرفق له جميع الضمانات عند تحديد الوعاء الضريبي. و هنا يأتي دور الإدارة الضريبية في مراقبة مدى استجابته للنداء الدستوري. و القول بالتالي أن حق الرقابة الجبائية حق ذو أساس دستوري.

 

        ثانيا : الأساس القانوني.

تعتبر المدونة العامة للضرائب لسنة 2007 هي الأساس القانوني للرقابة الجبائية. حيث تضمن الكتاب الأول من هذه المدونة و المعنون بـ " المساطر الجبائية " قسما كاملا خاصا بالمراقبة.

و في هذا الإطار نصت المادة 210 من هذه المدونة على أحقية إدارة الضرائب مراقبة كافة الإقرارات و العقود المستعملة لفرض الضرائب و الواجبات و الرسوم.

كذلك تنص المادة 214 على حق الإدارة في الاطلاع و تبادل المعلومات بقصد التوصل إلى اكبر قدر ممكن من المعلومات حول المكلف.

هكذا إذن يتبين أن الرقابة الجبائية تجد أساسها القانوني في المدونة العامة للضرائب الصادرة سنة 2007 و التي جمع فيها المشرع شتات مختلف القوانين الضريبية.

المطلب الثاني : الرقابة الجبائية، أنواعها و أهدافها.

الرقابة الجبائية أنواع متعددة و ليست نوعا واحدا (الفقرة الأولى)، كما ان لها مجموعة من الأهداف (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى : أنواع الرقابة الجبائية.

يمكن القول أن الرقابة الجبائية تتمثل في نوعين أساسين : رقابة شاملة (أولا) و رقابة معمقة (ثانيا).

        أولا : الرقابة الشاملة : و هي رقابة تتم داخل مكاتب مفتشيات الضرائب بشكل دوري، و تتخذ ثلاث أشكال :

1- الرقابة الشكلية : و هي تغطي جميع التدخلات التي تهدف إلى تصحيح الأخطاء المادية الملاحظة عادة في التصريحات المقدمة و كذا التحقق من هوية المكلفين، حيث يتم التحقق من المعلومات التي يجب أن يتضمنها التصريح، مثل الهوية الجبائية و توقيع المكلف و ما إلى ذلك. و بالتالي فإن هذا النوع من الرقابة الجبائية يعتبر جد أساسي بهدف ضمان صحة و صدق التصريحات المقدمة، لكن دون التعمق في محتوياتها[6].

2- الرقابة على الوثائق : على غرار الرقابة الشكلية التي تهتم بالفحص السطحي لتصريحات المكلفين، فإن الرقابة على الوثائق تهتم بإجراء فحص نقدي و شامل للتصريحات الجبائية، و ذلك في مقر المفتشية. و ذلك بهدف اكتشاف مختلف الأخطاء و التلاعبات. و في حالة بقاء الغموض، و يحق للمفتش أن يطلب معلومات و توضيحات إضافية من طرف المكلف بالضريبة[7].

 

        ثانيا : الرقابة المعمقة : بخلاف الرقابة الجبائية الشاملة، تتمثل الرقابة الجبائية المعمقة في التدخلات المباشرة للأعوان المدققين بأماكن تواجد أنشطة المكلفين، إذ تهدف هذه التدخلات إلى التأكد من صحة و نزاهة تصريحاتهم. كما يتناول هذا النوع من الرقابة الفحص الدقيق لمحتوى الملف الجبائي سواء على الصعيد المحلي أو الجهوي.

و سواء كانت الرقابة شاملة أو معمقة، تقوم الإدارة الضريبية بعد إنهاء عملية المراقبة بتحرير محضر يفيد هذا الإنهاء، يوقع عليه المراقب و المكلف، و هو إثبات كاف لوضع حد لكل منازعة في هذا الشأن[8].

 

الفقرة الثانية : أهداف الرقابة الجبائية.

تختلف هذه الأهداف حسب السياسة التي تتبناها الدولة في كل فترة، إلا أنها و بشكل عام لا تكاد تخرج عن الأهداف المتوخاة من أية سياسة جبائية عادية. و هي إما أهداف قانونية أو إدارية أو اقتصادية أو اجتماعية.

        أولا : الأهداف القانونية.

و تتمثل في التأكد من مدى مطابقة و مسايرة مختلف التصرفات المالية للمكلفين للقوانين و الأنظمة الضريبية. لذا و حرصا على سلامة هذه الأخيرة، تركز الرقابة الجبائية على مبدأ المسؤولية و المحاسبة لمتابعة المكلف عن أية انحرافات أو مخالفات يمارسها من أجل التهرب الضريبي.

        ثانيا : الأهداف الإدارية.

حيث تؤدي الرقابة الجبائية دورا مهما للإدارة الضريبية من خلال الخدمات و المعلومات التي تقدمها و التي تساهم بشكل حيوي و كبير في زيادة الفعالية و الأداء[9]. فهي تساعدها على التنبه لمختلف أوجه النقص و الخلل في التصريحات المقدمة من طرف المكلف، مما يمكن الإدارة من اتخاذ اجراءات تصحيحها. كما تسمح الرقابة الجبائية أيضا بإعداد الإحصائيات الضريبية، مثل نسب التهرب الضريبي، مما يشكل فائدة إستراتيجية كبيرة للإدارة الضريبية.

        ثالثا : الأهداف المالية و الاقتصادية.

فالرقابة الجبائية تهدف إلى المحافظة على الأموال العامة من التلاعب و السرقة، أي حمايتها من كل ضياع بأي شكل من الأشكال، و ذلك من أجل ضمان دخول إيرادات أكبر للخزينة العامة للدولة، و بالتالي زيادة الأموال المتاحة للإنفاق العمومي، مما يؤدي إلى زيادة مستوى الرفاهية الاقتصادية داخل البلد.

        رابعا : الأهداف الاجتماعية.

و تتمثل في محاربة انحرافات المكلف بمختلف صورها، كالسرقة و الإهمال أو تقصيره في أداء و تحمل واجباته اتجاه المجتمع. و أيضا تحقيق العدالة الجبائية بين المكلفين بالضريبة، أي وقوف جميع المكلفين على قدم المساواة أمام الضريبة، مما يشكل هدفا اجتماعيا بامتياز، يتمثل في محاربة الفقر و الغبن الاجتماعي، بفضل التضامن الضريبي.

المبحث الثاني : آفـــاق الرقـابة الجـبـائية بالمـغرب.

 

على الرغم من إفراد المشرع المغربي حيزا واسعا و مهما للرقابة الجبائية في إطار المدونة العامة للضرائب لسنة 2007، إلا أن جل هذه النصوص يفتقر للتوازن بين مصلحة الإدارة الجبائية و مصلحة المكلف مما يولد ضغطا جبائيا يزيد الغش[10]. مما يتعين معه إعادة النظر في علاقة المكلف بإدارة بالإدارة الضريبية (المطلب الأول) من غير أن ننسى وجوب تكريس ثقافة الوعي الجبائي كإجراء أساسي لتفعيل دور الرقابة الجبائية (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول : إعادة النظر في العلاقة بين المكلف و الإدارة الضريبية.

لقد أصبح ضروري إعادة النظر في العلاقة التي تجمع بين الإدارة الجبائية و المكلف حتى تعطي الرقابة الضريبية ثمارها على أرض الواقع. خاصة إذا ما علمنا أن التأطير الحالي لهذه العلاقة لا يضمن حسن التواصل بين الطرفين أو تعاونهما في إنجاح القانون الضريبي و تحقيق المردودية و المساواة أمام الضريبة.

و تحسين العلاقة بين المكلف و الإدارة الجبائية، يجب أن ينصب على أمرين أما أولهما فهو الإطار القانوني الذي ينظم هذه العلاقة (الفقرة الأولى) و أما ثانيهما فهو وظيفة الإدارة الجبائية (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى : تكريس علاقة قانونية واضحة.

رغم ما تضمنه الإصلاح الجبائي لسنة 1984 من تحسين لعلاقة المكلف بالإدارة الضريبية، إلا أنه تضمن من الأحكام و القواعد الضريبية ما أثار الكثير من حالات الخلاف و نقاط التوتر بين طرفي العلاقة، خاصة إلزامه المكلف بواجبات إضافية و أعباء زائدة و جديدة في نوعيتها لم يكن بإمكانه تحملها بسهولة أو بدون صعوبات و أخطاء[11].

و لهذا كان من أبرز اهتمامات المشرع لما أصدر المدونة العامة للضرائب تحسين علاقة الإدارة بالمكلف في أفق تكريس علاقة قانونية واضحة و ذات أسس عميقة. فاختار كوسيلة لتحقيق ذلك، موازنة حقوق و التزامات كل طرف بحقوق و التزامات الطرف الآخر، فقلص من امتيازات الإدارة و ضيق من هامش الحرية التي كانت لها في السابق، و وسع في المقابل من حقوق المكلفين و ضاعف الضمانات المخولة لهم.

إلا انه بالرغم من أهمية هذه الخطوة التي قام بها المشرع في هذا الاتجاه، فإنها ليست لوحدها كافية لبلوغ هذا الهدف، ذلك أن التنصيص على الحقوق و لو كانت حقوقا كاملة و مطلقة، لا يعني بالضرورة أن الملزم يستفيد أو يتمتع بها فعلا. كما أن مجرد التنصيص على الواجبات و الالتزامات لا يعني بالضرورة إنها مطبقة. فلا نعتقد على سبيل المثال بأن مكلفا جاهلا بحقوقه سيتمكن من الدفع ببطلان نتيجة المراقبة لمجرد أن الإعلام الموجه إليه من طرف الإدارة لم يحترم إحدى الشكليات التي نص القانون على وجوب احترامها[12].

و لذلك فإن أهم ما يحتاجه المكلف في علاقته بالإدارة الضريبية زيادة على ما اعترف له به القانون من ضمانات و حقوق، وضع البنيات الإدارية اللازمة لتنفيذها ممارسة لا نصا.

 

الفقرة الثانية : تحسين وظيفة الإدارة الجبائية.

بالعودة إلى روح الفصل 39 م دستور المملكة لسنة 2011، فإن الإدارة الضريبية عنصر محايد في المجال الضريبي يعمل على حسن تطبيق النصوص القانونية و يضمن المساواة بين المكلفين و يكرس الشفافية في العمل الجبائي.

و في هذا الصدد، فإن بعض الدول تعترف للمكلف بحق الاطلاع أو المتابعة، بحيث يعرف الملزم تفاصيل العمل الإداري في مسائل الرقابة و التحصيل. بل و يمكنه أن يعترض على أي تسهيل غير قانوني يمكن أن يحصل عليه مكلف دون غيره.

و بالعودة إلى المغرب، نجد أن مثل هذا الحق لا وجود له، بالرغم من أنه ينهض حقا أساسيا يمكن أن يساهم بشكل إيجابي في عملة الرقابة.

و على ذلك، فإن تحسين وظيفة الغدارة الضريبية يجب أن يتم بما يكفل حسن تفعيل مقتضيات الفصل 39 من الدستور. فتكريس الشفافية و ضمان المساواة يكون من خلال تقوية الرقابة الجبائية، و ضبط المخالفات الضريبية، و إلحاق الجزاء بالمخالفين في حدود ما يضمن للدولة هيبتها و احترامها، و لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال عصرنة الغدارة الجبائية[13]، و الحيلولة دون حصول أية مخالفة لروح الفصل 39 من الدستور الحالي.

 

المطلب الثاني : تكريس ثقافة الوعي الجبائي.

في الواقع لا يمكن الحديث بأي حال من الأحوال عن رقابة جبائية فعالة ما لت مكن هناك ثقافة جبائية سائدة في المجتمع بشكل متعارف عليه من لدى كافة الأطراف المتدخلة في العملية الجبائية. إذ أن وسائل و آليات الرقابة مهما بلغت نجاعتها، لا يمكن انم تحيط بكافة التجاوزات الصادرة عن المكلف. خاصة إذا علمنا أن الغش الضريبي أصبح ظاهرة بنيوية بالمغرب و " رياضة وطنية "[14].

و غرس ثقافة الوعي الجبائي لا يمكن أن يتم إلا إذا تم تكريس عدالة جبائية كمفتاح للفعالية و النجاعة الضريبية (الفقرة الأولى) ينضاف إليها وجوب غرس ثقافة المواطنة الجبائية (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى : تكريس العدالة الجبائية.

تعتبر العدالة الضريبية من أهم خصائص النظام الضريبي الفعال الذي سعى المشرع الجبائي إلى تحقيقها عند صياغة أي نظام ضريبي، على اعتبار أي إصلاح جبائي مهما كان الجانب الذي يمسه، سواء كان هذا الجانب مرتبطا بالرقابة أو غيرها، لا يمكن أن يثمر إذا لم يصاحبه تكريس لعادلة جبائية فعالة، تكون من صلب اهتمام المشرع في الإصلاح.

و يقصد بالعدالة الجبائية التوزيع العادل للأعباء الضريبية بين أفراد المجتمع فئة معينة على غيرها، اللهم إذا تعلق الأمر بأسباب موضوعية مثل إعفاء دوي الدخل المنخفض من الضريبة.

و هذا ما ليس متحققا في الواقع المغربي، خصوصا حينما يتعلق الأمر بالضرائب غير المباشرة كضرائب عمياء لا تعفي أحدا منها، لاسيما المستهلك النهائي. مما يجعل المواطن ذو الدخل المحدود و الذي يعيش وضعا اجتماعيا يسيطر عليه الفقر و الحرمان، يدفع الضريبة بشكل متساو مع ذلك الذي ترتفع مداخله المالية.

و بالتالي فأي دور للرقابة الجبائية في ظل هذا الواقع، و أية فعالية لها مادام عنصر العدالة غير متوافر. غذ انه في غياب هذا العنصر تبقى الرقابة مجرد وسيلة للضغط اللامبرر على المكلف و تقنية للجبر و الإكراه لا طائل من ورائها.

و من ثم فإن فعالية الرقابة الجبائية لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق احترام مبدأ العدالة الضريبية.

 

الفقرة الثانية : تكريس ثقافة المواطنة الجبائية.

دعنا نسلم بداية بمسألة المواطنة الجبائية و الرقابة الضريبية أمران لا ينفصلان. ذلك أنه بمقدار ما يتكون لدى المكلف من إحساس بواجب أداء الضريبة المفروضة عليه « وفق المقتضيات القانونية »، بمقدار ما تصبح آلية الرقابة آلية مهينة، يمكن أن تستغني عنها غدارة الضرائب في كثير من الأحيان على أبعد تقدير، أو ألا تسخر لها موارد مالية و بشرية من شانها استنزاف مواردها على أقل تقدير.

و من أجل تكريس هذه الثقافة يتعين إشراك الملزم في تدبير الفعل الضريبي. غير أن هذا مستبعد في الواقع المغربين نظرا لعدم شفافية أعمال و تصرفات الإدارة الجبائية. الأمر الذي يجعل المكلف، عوض التعاون مع هذه الإدارة يتهرب من أداء الواجب الضريبي المفروض عليه. لتجد الإدارة نفسها ملزمة مرة أخرى بٱتباع أساليب و آليات الرقابة التي تعطل مسطرة التحصيل. فلو كان هناك وعي بأهمية المواطنة في أداء الضريبة من جهة، و إشراك للملزم في تدبير الفعل الضريبي من جهة أخرى، لكانت هناك سرعة مطلقة في تحصيل الواجب الضريبي دون حاجة لتجنيد الميكانزمات الرقابية.

و على العموم، فغن تكريس المواطنة الجبائية يفترض لإذكاء الروح الوطنية لإنعاش الوعي الجبائي لدى المكلف المغربي و دعوته إلى المساهمة بأخلاقية نزيهة في الواجب الجبائي كواجب وطني و كنفقة شخصية[15].


خاتمة :

إذن بعد هذا الذي بيناه بخصوص أحكام الرقابة الجبائية و آفاقها بالمغرب، يمكن التأكيد على أنه إذا كانت هذه الرقابة معيارا أساسيا لمصداقية أي نظام ضريبي، فإنه من الصعب جدا تطبيق هذه القاعدة في النظام الضريبي المغربي لأسباب عديدة نلخصها في أن نظام المراقبة الجبائية ببلادنا هو نظام غير سليم و يعاني من عيوب و عراقيل جمة. فالإجراءات الرقابية على سبيل المثال رغم بعض التحسن الطفيف الذي حققته لخزينة الدولة، فإنها تبقى مع ذلك دون فعالية، حيث تبقى مرحلية و مؤقتة يحركها فقط الرأي العام[16].

ينضاف إلى هذا سبب آخر يتجلى في أن أغلب المكلفين باتوا يلتجئون إلى طرق جديدة للتهرب و الإفلات من الالتزامات الضريبية، مما يجعل كل الأساليب و التقنيات الرقابية التي تنهجها إدارة الضرائب غير فعالة في مواجهتهم بالنظر لذكاء طرق الغش و دهاء أصحابها.

إذن لابد من إعادة النظر في المنظومة الرقابية الجبائية و تكريس وعي جبائي شامل، صيانة لموارد الدولة و إقرارا لمبدأ مساواة الجميع أمام الضريبة[17].

 

 

لائحة المراجع

       * الكتب :

1- حميد النهري، محاضرات في النظرية العامة للضريبة و السياسة الجبائية بالمغرب، مطبعة سليكي إخوان - طنجة، طبعة 2011.

2- سفيان ادريوش، رشيدة الصابري، تصحيح الأساس الضريبي، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، ماي 2002.

3- كريم لحرش، المنازعات الضريبية في القانون المغربي، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى 2013.

        * الرسائل الجامعية :

1- سليمان بومزوغ، المراقبة الجبائية للمقاولة في المغرب، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون التجارة و الأعمال، جامعة محمد الأول، كلية الحقوق - وجدة، السنة الجامعية 2011 - 2012.

2- أحمد شيخنا محمد فال، إجراءات الرقابة الجبائية و حقوق المكلف، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون المدني و الأعمال، جامعة عبد المالك السعدي، كلية الحقوق - طنجة، السنة الجامعية 2011 – 2012.

3- إلياس قلاب ذبيح، مساهمة التدقيق المحاسبي في دعم الرقابة الجبائية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في علوم التسيير، جامعة محمد خيضر، كلية العلوم الاقتصادية و التجارية و علوم التسيير، بسكرة - الجزائر، السنة الجامعية 2010 – 2011.

4- رضا خلاصي، تفعيل دور الرقابة الجبائية في ظل الإصلاح الضريبي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في العلوم الاقتصادية، جامعة المدية، كلية العلوم الاقتصادية و التجارية و التسيير – الجزائر، 2011 – 2012.

5- رشيد نادي، دور الرقابة الجبائية في مكافحة الغش، رسالة لنيل دبلوم الماستر في العلوم الاقتصادية، جامعة الجزائر، كلية العلوم الاقتصادية و علوم التسيير، 2001 – 2002.

6- حرحور زينب، دور الرقابة الجبائية في تكريس الوعي الجبائي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي، كلية الحقوق – طنجة، 2008 – 2009.

        * المقالات :

1- محمد عياد، الإدارة الجبائية بين التحديث و إكراهات الضبط الداخلي، المجلة المغربية للغدارة المحلية و التنمية، العدد 72 - 73، يناير – أبريل 2007.

2- غيثة الحاتمي، الضريبة العامة على الدخل في إطار العدالة الجبائية، المجلة المغربية للغدارة المحلية و التنمية، العدد 4، 1996.

        * المواقع الالكترونية :

1- www.hespress.com/writers/78167.html

2- www.marocdroit.com/a2705.html

 



[1]  حميد النهري، محاضرات في النظرية العامة للضريبة و السياسة الجبائية بالمغرب، مطبعة سليكي إخوان - طنجة، طبعة 2011، ص : 4.

[2]  سليمان بومزوغ، المراقبة الجبائية للمقاولة في المغرب، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون التجارة و الأعمال، جامعة محمد الأول، كلية الحقوق - وجدة، السنة الجامعية 2011 - 2012. متاحة على الرابط الآتي :

www.marocdroit.com/a2705.html

تم الإطلاع في : 27 - 01 - 2015 على الساعة 16h25min.

[3]  أحمد شيخنا محمد فال، إجراءات الرقابة الجبائية و حقوق المكلف، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون المدني و الأعمال، جامعة عبد المالك السعدي، كلية الحقوق - طنجة، السنة الجامعية 2011 – 2012، ص : 7.

[4]  إلياس قلاب ذبيح، مساهمة التدقيق المحاسبي في دعم الرقابة الجبائية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في علوم التسيير، جامعة محمد خيضر، كلية العلوم الاقتصادية و التجارية و علوم التسيير، بسكرة - الجزائر، السنة الجامعية 2010 - 2011، ص : 18.

[5]  أحمد شيخنا محمد فال، مرجع سابق، ص : 17.

[6]  إلياس قلاب ذبيح، مرجع سابق، ص : 22.

[7]  إلياس قلاب ذبيح، مرجع سابق، ص : 22.

[8]  سفيان ادريوش، رشيدة الصابري، تصحيح الأساس الضريبي، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، ماي 2002، ص : 62.

[9]  رضا خلاصي، تفعيل دور الرقابة الجبائية في ظل الإصلاح الضريبي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في العلوم الاقتصادية، جامعة المدية، كلية العلوم الاقتصادية و التجارية و التسيير – الجزائر، 2011 – 2012، ص : 85.

[10]  رشيد نادي، دور الرقابة الجبائية في مكافحة الغش، رسالة لنيل دبلوم الماستر في العلوم الاقتصادية، جامعة الجزائر، كلية العلوم الاقتصادية و علوم التسيير، 2001 – 2002، ص : 11.

[11]  غيثة الحاتمي، الضريبة العامة على الدخل في إطار العدالة الجبائية، المجلة المغربية للغدارة المحلية و التنمية، العدد 4، 1996، ص : 152.

[12]  حرحور زينب، دور الرقابة الجبائية في تكريس الوعي الجبائي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي، كلية الحقوق – طنجة، 2008 - 2009، ص : 87.

[13]  حرحور زينب، مرجع سابق، ص : 102.

[14]  حفيظ بركة " الإصلاح الجبائي بالمغرب، أي أفاق ؟ " ، مقال مقتطف من الموقع الإلكتروني لجريدة هسبريس الإلكترونية، متاح على الرابط الآتي :

www.hespress.com/writers/78167.html

تم الإطلاع في : 27 – 01 – 2015 على الساعة : 13h55min.

[15]  حرحور زينب، مرجع سابق، ص : 139.

[16]  محمد عياد، الإدارة الجبائية بين التحديث و إكراهات الضبط الداخلي، المجلة المغربية للغدارة المحلية و التنمية، العدد 72 - 73، يناير – أبريل 2077، ص : 97.

[17]  كريم لحرش، المنازعات الضريبية في القانون المغربي، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى 2013، ص : 14.

بقلم ذ أنس الشتيوي
باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق بطنجة ملحق قضائي بالمعهد العالي للقضاء
 


أعلى الصفحة