قانون الأسرة

بقلم ذ محمد القوص
مفوض قضائي
تحت عدد: 91
بالنسبة إلى المقاربة الاجتماعية نجد، حسب هذا المفهوم، أن الأسرة سواء الممتدة أو النووية تعتبر اللبنة الأساسية التي تتشكل منها المجتمعات البشرية.

 فهي الخلية التي يتمحور حولها النسيج الاجتماعي والصورة المصغرة للتجارب الذاتية والعلائقية للفرد سواء في علاقته مع أفراد العائلة والأسرة أو في علاقاته مع باقي مكونات المجتمع الآخر. وهاته العلاقات قد تشوبها توترات كما قد تعتريها مشاعر التواصل والارتياح والتشارك، ومن شأن هاته التموجات العلائقية التي تغذيها شخصية الفرد داخل محيطه الأسري أو الخارجي، أن يلحق أذى وأضرارا بأحد أفراد الأسرة. وهذا الأذى قد يكون ماديا أو معنويا ويستهدف الفئات المكونة للأسرة،1-الأطفال 2- الأزواج 3- الأصول 4- الإخوة ..الخ. ولقد اهتم الغرب بمسألة العنف والإيذاء داخل الوسط العائلي منذ فترة السبعينات من القرن العشرين من خلال دراسة واقع العنف الموجه ضد النساء والأطفال وما تعرضت له هاته الظاهرة من التعتيم والتجاهل. وقد أرجع بعض علماء الاجتماع أسباب العنف الأسري إلى خلل في بنية العائلة، وهذا الخلل نجد مصدره في طبيعة منظومة القيم السائدة، وطبيعة الثقافة الشعبية بالإضافة إلى درجة وعي الفرد وطبيعة تكوينه الشخصي، وهذه القيم تختلف من مجتمع إلى آخر، كما أن التحولات التي عرضتها المجتمعات المعاصرة غيرت أنماط تشكيل الأسر والعائلات وقوت إلى حد ما الصراع بين الأجيال وعملت على تصدير ثقافة جديدة وسع الهوة بين هاته الأجيال، مما أفرزت سلوكات  انحرافية داخل الوسط العائلي، من شأنها تكريس التفرقة والأنانية والعنف المجاني والتخلي عن مبادئ التضامن والتشارك والإحساس بالمسؤولية الجماعية داخل الأسرة، من خلال الاستعمال الخاطئ لوسائل الاتصال الحديثة. ومن أهم السمات التي تميز مجتمعنا الحالي هو تضارب المصالح والأهداف الشخصية بين أفراد الأسرة الواحدة، وهذا الأمر من شأنه أن ينعكس سلبا على استقرارها وتماسكها، وبالتالي تطفو فوق السطح كل مظاهر وتجليات العنف والإيذاء. ومجتمعنا المغربي لا يمكن عزله عن هذا السياق، فظاهرة العنف الأسري حاضرة بثقلها في نسيجنا الاجتماعي وتتفاقم في خط تصاعدي من خلال ما تطلعنا عليه وسائل الإعلام، وفي مقدمتها العنف ضد الأصول وضد النساء، وما يتعرض إليه بعض الأطفال من إهمال وتشرد وحرمان من التعليم والتربية من طرف ذويهم. إن أكثر الأشخاص عرضة للعنف الأسري هم الأطفال والنساء، ومن شأن ذلك أن يؤثر على الأسرة، كبنية ذات بعد وظيفي تعمل على تقوية النسق الاجتماعي وتربية النشء، مادامت العناصر الإيجابية داخل المنظومة العائلية تقلصت لفائدة العناصر السلبية، وبالتالي فإن كل فعل ورد فعل قد يحملان مؤشرات إلحاق الضرر والأذى بأحد أفراد الأسرة، وإن كان بعض علماء الاجتماع يرجعون القمع الأسري إلى هيمنة سلطة الرجل داخل الأسرة كنسق من البنى والممارسات الاجتماعية القاضية، بإخضاع النساء وقمعهن واستغلالهن في إطار ما يعرف بالنزعة «البطريركية»، فإن هذا التنظير الذي تبنته عدة مؤسسات وحركات المجتمع المدني جاء مجانبا للصواب، لأن العنف الأسري تجد علته في عدة عوامل مختلفة ومتنوعة، نفسية واقتصادية وسوسيو ثقافية تغذي هاته الظاهرة، والتي ينبغي الحد منها من خلال إعادة الاعتبار للمنظومة التربوية وللنظام التعليمي بشكل عام، وتحصين الموروث الثقافي من هيمنة التيارات الفكرية ذات حمولة ثقافية سلبية والتي تتسرب لمجتمعنا. فلقد أثبتت دراسة أجريت على عينة من الأطفال والمراهقين أن القيم التي تنقلها المدرسة وتود بتها، ليست بالضبط التي تقدمها التلفزة، وأن المحتويات العنيفة تؤثر سلبا في الاندماج الاجتماعي لهؤلاء المراهقين. وهذه الدراسة منشورة تحت عنوان «قراءة في المسلسل المتسارع لموت المدرسة» بمجلة وجهة نظر، الصفحة 64 عدد مزدوج 40-41 (سنة 2009). وهذا راجع، لأن سلوك المراهق يتميز بعدم الثبات في المواقف والرغبة في الاستقلالية وتحقيق الذات والتمرد على الراشدين، والذي يفرز في نظرنا ردود فعل عنيفة، لذلك بنبغي خلق قنوات للتواصل بين كل الفاعلين في الحقل الاجتماعي، من مؤسسات الدولة والمجتمع المدني وقطاع الإعلام والقطاع الثقافي، قصد تأسيس وعي جماعي قادر على تكريس دور الأسرة والعائلة في النسيج الاجتماعي لتجاوز الأزمة المجتمعية الراهنة بكل ما تحمله من آثار وتجليات، فإذا كان هذا الطرح يدخل في إطار القراءة الاجتماعية لمعنى العنف الأسري فإننا نتساءل كيف قرأ الفقه الإسلامي هاته الظاهرة؟


اهتمت الشريعة الإسلامية بالأسرة اهتماما كبيرا وحددت حقوق وواجبات الفئات المكونة من الأزواج والفروع والأصول، واعتبرها ابن منظور بأنها-الدرع الحصينة التي يحتمي بها الإنسان عند الحاجة ويتقوى بها- وجعل الله ارتباط الرجل بالمرأة ارتباطا كريما هدفه الإحصان والعفاف، وذلك على وجه الدوام، حيث قال الله تعالى في محكم كتابه «والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات» وجاء في سورة الروم قوله تعالى،» ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون»، وبنية الأسرة حاضرة في كتاب الله الكريم وهي الخلية الأولى والأساسية للمجتمع البشري. وانطلاقا من أهمية ودور الأسرة في إرساء البناء المجتمعي، فقد أحاطتها الشريعة الإسلامية السمحاء بكل مقومات الحماية، وعملت على تقويتها من خلال نبد العنف بين أفراد الأسرة، وخلق ضوابط وقواعد الاحترام والتقدير بينهم، وتحديد واجبات وحقوق كل واحد منهم وفق ما ينص عليه الشرع الحكيم، حيث فرض الله عز وجل على الأبناء واجب البر والإحسان بالوالدين، لقوله تعالى» وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا». وحسب شرح الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور فإن مقصد الإسلام من الأمر بالبر بالوالدين، يتجه إلى أمرين أحدهما نفسي هو تربية النفوس على الاعتراف بالجميل لصانعه، والثاني عمراني، هو أن تكون أواصر العائلة قوية العرى ومشدودة الوثاق.
 
وتتجلى التزامات الأب نحو ابناءه في ولاية الحضانة، أي اهتمام الأب بالابن في الفترة التي لا يستطيع فيها الأخير، القيام بشؤونه وحاجاته بنفسه والولاية على النفس وتهم جانب الرعاية والتأديب والتهذيب حتى يتم توجيه الابن توجيها سليما، والولاية على المال بحيث يلزم الأب بحسن تدبيره وتسيير مال ابنه.


كما أن للزوجة داخل الأسرة حقوقا مشتركة وأخرى خاصة بها وان الله سبحانه وتعالى منع الزوج من الإضرار بالزوجة وأمره باحترامها وتقديرها والاهتمام بها لقوله «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن»، والإنفاق عليها وعلى أبنائه، لأن الإنفاق هو التزام شرعي مفروض على الزوج يجب عليه القيام به، وحتى في حالة وجود ما يكدر صفو الحياة الزوجية، فإن الطلاق يبقى الحل الأخير، لا يتم اللجوء إليه، إلا في حدود دفع ضرر أشد منه. قال الله تعالى في محكم كتابه،  «الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»، ولقوله تعالى، «إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه». كما اهتمت الشريعة الإسلامية بدعم أواصر القرابة بين أفراد الأسرة والعائلة وصلة الرحم بينهم، وحث المسلمين على مساعدة القوي الضعيف منهم، كل ذلك في إطار التكافل والتعاون داخل منظومة الأسرة ونبد كل أشكال العنف كيف ما كانت مبرراته، لذلك ينبغي دعم الجانب الروحي والعقائدي للنشء حتى يتسنى لهم التشبع بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف، لأن الإسلام عقيدة وشريعة يعتبر منهجا للحياة. هذا عن المقاربة الاجتماعية والدينية بشيء من الإيجاز ويبقى التساؤل المطروح، كيف تعاملت النصوص القانونية والتشريعية مع ظاهرة العنف الأسري، وهذا ما سنتناوله من خلال المقاربة القانونية.



بقلم ذ محمد القوص
مفوض قضائي
 


أعلى الصفحة