القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ عمر الموساوي
ماستر قانون الأعمال بتطوان
تحت عدد: 296
تعليق على قرار محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء رقم :2896.2012 والصادر بتاريخ 29.05.2012 والمتعلق بعدم خضوع عقود الائتمان الايجاري لقانون حماية المستهلك

 

تلخيص الوقائع

      تفيد الوقائع أن المدعية الشركة المغربية المسماة، تقدمت بمقال استعجالي بتاريخ 02/2/2012 تعرض فيه أنها في إطار عقد ائتمان إيجاري عدد 30545-0330710 أكرت للمدعى عليها للمنقول التالي : ...... المسجلة تحت رقم  ........ مقابل استحقاقات محددة غير أن المكترية توقفت عن أداء الأقساط الحالة رغم إنذارها والتمست المدعية معاينة فسخ العقد الرابط بين الطرفين بالتاريخ أعلاه وأمر المدعى عليها بإرجاع المنقول المذكور إليها مع الصائر والتنفيذ المعجل وبعد انتهاء الإجراءات صدر الأمر المطعون فيه . استأنفته المدعية وأسست استئنافها على أن التعليل الذي اعتمده الأمر المستأنف غير سليم ومخالف لمقتضيات قانونية صريحة فضلا عن إساءة تطبيقها للقانون وفي بيان ذلك أوضحت بان الأمر المستأنف اعتبر المستأنف عليه مستهلك وهو لتدبير قانون حماية المستهلك عدد 08/31 والحال أن المقصود بالمستهلك حسب المادة 2 من القانون المذكور هو المقتني أو المستعمل للشيء المستهلك منقولا كان أو عقار للاستعمال الشخصي وليس المهني بمعنى أن المقصود كل مستهلك غير مهني لأموال استهلاك معدة للاستعمال الشخصي في حين أن المستأنف عليه هو شخص تاجر ومهني (يعمل في ميدان النقل ) وأن المنقول موضوع عقد الائتمان الايجاري المكتري له الهدف منه هو الاستعمال المهني باعتبار أنه لا يمكن تصور أي شخص عادي يقتني ..... للاستعمال الشخصي والاستهلاكي وبالتالي فإن المستأنف عليه لا يندرج ضمن المقصود بالمستهلك كما حددته المادة 2 أعلاه وعليه فهو لا يستفيد من تدابير حماية المستهلك المنصوص عليها في القانون 08/31 أما من حيث طبيعية العقد الرابط بين الطرفين فهو عقد ائتمان إيجاري وهو من العقود التجارية المنصوص عليها في الفصل 431 و 442 من مدونة التجارية ، كما أن هذا العقد من العقود التمويلية يقوم بشراء ما يحتاجه المستثمر من معدات آلات – أدوات – أو عقار من اجل الاستعمال المهني ، أي أن هذا العقد من أهم مميزاته أنه عقد مهني لا يبرم مع الخواص وإنما مع الأشخاص المهنيين والتجار سواء كانوا طبيعيين أو معنويين وبالتالي لا يمكن اعتباره بعقد استهلاكي وترتيبا على ذلك فان عقد الائتمان الايجاري يخرج عن نطاق تطبيق قانون حماية المستهلك عدد 08/31 وبذلك يكون ما أخد به قاضي المستعجلات وتطبيقه لمقتضيات المادة 202 من القانون المذكور على النزاع وعلى العقد الرابط بين الطرفين يعتبر خرقا لمقتضيات قانونية صريحة وأعطى تفسيرا خاطئا لطبيعة العقد وخصائصه ومميزاته هذا فضلا عن كونه أثار الدفع بعدم الاختصاص المكاني بصفة تلقائية رغم أن المحكمة غير ملزمة بالأخذ به إلا بعد تمسك الطرف المستفيد منه ، كما أن المادة 12 من القانون المنظم للمحاكم التجارية نص على أنه يمكن للأطراف في جميع الأحوال أن يتفقوا كتابة على اختيار المحكمة التجارية المختصة ، وأن الطرفين اتفقا في العقد في البند 19 على إسناد الاختصاص المكاني لمحكمة المؤجر أي الطاعنة الذي يقع بالدار البيضاء ، وأن هذا الشرط يبقى صحيحا ومنتجا لآثاره عملا بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين لأجله تلتمس إلغاء الأمر المستأنف والحكم من جديد أساسا باختصاص المحكمة التجارية بالدار البيضاء مكانيا للبت في الدعوى مع إحالة الملف عليها للبت فيه واحتياطيا الحكم وفق طلبات الطاعنة الواردة بالمقال الافتتاحي.

        وعند عرض القضية على المداولة أصدرت محكمة الاستئناف قرارها في القضية وذلك بإلغاء الأمر ألاستعجالي الذي اعتبر المستأنف عليه مستهلك وأخضعه لقانون حماية المستهلك والحال أن المقصود بالمستهلك حسب المادة 2 من القانون المذكور هو المقتني أو المستعمل للشيء المستهلك منقولا كان أو عقار للاستعمال الشخصي وليس المهني، في حين أن المستأنف عليه هو شخص تاجر ومهني. ومن هنا يتبلور الإشكال المتمثل في مدى خضوع المستهلك في عقد الائتمان الايجاري لمقتضيات قانون حماية المستهلك؟

التحليل

       إن تحليل وقائع الدعوى المعروضة أمامنا، يتطلب منا الأمر ضرورة ربطها بالإشكال المطروح أعلاه الذي يتساءل عن مدى إمكانية خضوع المستهلك في عقد الائتمان الايجاري لأحكام قانون حماية المستهلك، بحيث أن الأمر المستأنف أسس منطوقه على أحكام الفصل 202 من القانون رقم 08.31 المتعلق بتدابير حماية المستهلك وجعل من العقد المبرم بين الطاعنة والمستأنف عليه عقد قرض استهلاكي ورتب عن ذلك تطبيق المادة 202 من القانون أعلاه التي تمنح الاختصاص المكاني لمحكمة مواطن المستهلك، في حين أن الطاعنة اعتبرت أن التعليل الذي اعتمده غير سليم ومخالف لمقتضيات قانونية صريحة. وهدا ما يستدعي تحديد نطاق مفهوم المستهلك في (الفقرة الأولى)، ثم الوقوف عند مدى قدرة أحكام عقد الائتمان الايجاري على إخضاعه لقانون حماية المستهلك (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : تحديد نطاق مفهوم المستهلك

       بالعودة إلى القانون رقم 08.31 المتعلق بتحديد تدابير حماية المستهلك ، نجد أن المشرع المغربي على خلاف عادته، بل ليس من وظيفته تقديم تعريفات قانونية، قام بتضمينه تعريف للمستهلك للحسم في الجهة المستفيدة من مقتضياته ولتفادي اللبس والغموض الذي يطرحه، بحيث عرفه في المادة 2 منه بأنه: كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني أو يستعمل لتلبية حاجياته غير المهنية منتوجات أو سلعا أو خدمات للاستعمال الشخصي أو العائلي.

       ومنه فان التعريف أعلاه قام بوضع مجموعة من الشروط اللازم توفرها في المستفيد من أحكام هدا القانون، وبالتالي إضفاء صفة المستهلك عليه. أولها ضرورة أن يكون شخصا طبيعيا أو معنويا طالما أن المقصود من الاستهلاك هو سد حاجيات شخصية، بالإضافة إلى اقتناء أو استعمال منتوجات أو سلعا أو خدمات لتلبية حاجيات غير مهنية، مما تستبعد معه المادة أعلاه كل مستهلك يقوم بدلك لحاجيات نشاطه المهني أو التجاري. هدا ما يعزز توجه الطاعنة في الأمر المستأنف الذي أسس منطوقه على أحكام الفصل 202 من القانون رقم 08.31 المتعلق بتدابير حماية المستهلك وجعل من العقد المبرم بين الطاعنة والمستأنف عليه عقد قرض استهلاكي ورتب عن ذلك تطبيق المادة 202 من القانون أعلاه التي تمنح الاختصاص المكاني لمحكمة موطن المستهلك.

       وبالرجوع لمقتضيات المادة 202 من القانون المذكور نجدها تنص على أنه: في حال نزاع بين المورد والمستهلك ورغم وجود أي شرط مخالف فإن المحكمة المختصة هي محكمة موطن أو محل إقامة المستهلك، وبالتالي فالمشرع كان صريحا في منح الاختصاص المكاني لمحكمة موطن أو محل إقامة المستهلك، نظرا لافتراض أن هدا الأخير هو الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية.

      وحيث أن العقد الرابط بين الطرفين المستأنف والمستأنف عليه هو عقد ائتمان إيجاري، مما يلزمنا بضرورة استنطاق أحكام مدونة التجارة المنظمة لهدا النوع من العقود للوقوف على مدى قدرة أحكامها لإخضاعه لمقتضيات قانون حماية المستهلك وهدا ما سنتناوله في الفقرة التالية.

الفقرة الثانية: مدى قدرة أحكام الائتمان الايجاري لاخضاعه لمقتضيات قانون حماية المستهلك

       طالما أن العقد الرابط بين الطاعنة والمستأنف عليه هو عقد ائتمان إيجاري، فان الأمر يستدعي تعريف هدا الأخير، بحيث عرفته المادة 431 من مدونة التجارة بأنه: كل عملية كراء للسلع التجهيزية أو المعدات أو الآلات أو العقارات المعدة لغرض مهني، فهذه المقتضيات أضفت الطابع المهني على هذه العقود وجعلتها تتعلق بالاستعمال المهني وليس بالاستعمال الشخصي.

      وهكذا فالائتمان الايجاري أو عقد الليزينغ هم عقد ملزم للجانبين، حيث يلتزم المؤجر بشراء العقار ليضعه تحت تصرف المكتري، دون أن يفقد ملكيته وفي المقابل يستعمل هدا الأخير العتاد المذكور لغايات مهنية، مقابل دفع وجيبه كرائية للمكري وبإمكان المكتري عند نهاية مدة الكراء أن يستعمل ثلاثة إمكانات، إما إعادة العتاد للمكري أو تجديد كراء هاته العقارات شرط تخفيض الوجيبة الكرائية أو شراء العتاد بثمن منخفض.

       وباستحضار العقد الرابط بين الطرفين خاصة المادة 3 منه التي نصت صراحة على أن المنقول المكتري للمستأنف عليه يجب أن يستعمل وفق العرف المهني، وبما أن العقد شريعة المتعاقدين إعمالا للمادة 230 من قانون الالتزامات والعقود، فان دلك يلزم المستأنف عليه باستعمال محل العقد وفقا لما أتفق عليه، خاصة ادا علمنا أن المادة 431 من مدونة التجارة واضحة في تعريف عقد الائتمان الايجاري وحصره في العمليات ذات الطابع المهني.

      وطالما أن المادة 2 من القانون رقم 08.31 صريحة في إقصاء من أحكامها، كل مستهلك يقتني المنقول أو العقار للاستعمال المهني وليس الشخصي، فان المستأنف عليه لا يدخل في أحكام المادة المذكورة، وبالتالي لا يستفيد من أحكام المادة 202 التي اعتمدها الأمر المستأنف والتي تمنح الاختصاص المكاني لمحكمة موطن المستهلك.

      وحيث أن أحكام الاختصاص المكاني تطبق حسب المتفق عليه في العقد الرابط بين الطرفين، وانه بالرجوع إلى المادة 19 منه يتجلى أن العقد أعطى للطاعنة حق الخيار في رفع الدعوى، إما بمقر المحكمة الذي يوجد فيه مقرها الاجتماعي أو موطن المستأجر أو المكان التي تتواجد فيه المعدات، وبما أن الطاعنة اختارت المحكمة التجارية بالدار البيضاء باعتبار أن مقرها الاجتماعي يوجد بهذه المدينة. فان دلك جعل محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، تصدر قرارها بتاريخ 29.05.2012 بإلغاء الأمر المستأنف على اعتبار أن الدعوى رفعت أمام جهة مختصة مكانيا والحكم بإرجاع الملف إلى المحكمة التجارية بالدار البيضاء للبت فيه من جديد طبقا للقانون.

التعليق

       إن المشكل الذي يثيره القرار موضوع التعليق، متمثل في مدى خضوع عقد الائتمان الايجاري لمقتضيات القانون رقم 08.31 المتعلق بتحديد تدابير حماية المستهلك، بحيث ألغى الأمر المستأنف المطعون فيه وحكم بإرجاع الملف إلى المحكمة التجارية بالدار البيضاء للبت فيه من جديد طبقا للقانون، وقد استند في دلك على دفوعات الطاعنة حيث اعتبرت أن التعليل الذي اعتمده الأمر المستأنف غير سليم ومخالف لمقتضيات قانونية صريحة، فضلا عن إساءة تطبيقها للقانون وفي بيان ذلك أوضحت بان الأمر المستأنف، اعتبر المستأنف عليه مستهلك وهو ما يخالف نص المادة 2 من القانون أعلاه، التي حصرت عمليات المستهلك في تلك التي ليس لها طابع مهني.

        وباستحضار المادة 431 من مدونة التجارة نجدها تجعل من عقد الائتمان الايجاري، عقد مرتبط بالجانب المهني مما يحرمه من الاستفادة من الأحكام المطبقة على المستهلك في المادة الاستهلاكية، هدا إلى جانب تنصيص الأطراف في العقد الرابط بينهم على أن المنقول المكتري للمستأنف عليه يجب أن يستعمل وفق العرف المهني.

       وما دام الأمر كذلك فان التوجه الذي سار فيه الأمر المستأنف، بعدم الاختصاص المكاني للمحكمة التجارية بالدار البيضاء على اعتبار أن المادة 202 من قانون حماية المستهلك تمنح الاختصاص لمحكمة المدعى عليه، يكون غير مبني على أساس طالما أن عقد الائتمان الايجاري لا يخضع للحماية المقررة للعقد الاستهلاكي. وبالتالي فان محكمة الاستئناف التجارية بذات المدينة تكون على صواب في اعتقادنا فيما اتجهت إليه من إلغاء الأمر المستأنف والحكم بإرجاع الملف للحكم فيه من جديد، ودلك تكريسا منها لمبدأ التقاضي على درجتين كأحد القواعد الأساسية للعدالة وحتى لا يحرم المستأنف عليه من درجة التقاضي.

 

 

 

 

بقلم ذ عمر الموساوي
ماستر قانون الأعمال بتطوان
 


أعلى الصفحة