القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ المنتصر السويني
باحث في المالية العامة
تحت عدد: 668
القيام بقراءة في تعيين وزير الإقتصاد والمالية الجديد ،تستمد أهميتها من الدور الكبير والمهم، الذي تلعبه النخب الموجودة في المناصب

الحكومية أو الإدارية أو الإقتصادية للدولة وبعبارة أدق النخب الموجودة في قلب الجهاز السياسي- الإداري للدولة المغربية، في قيادة الشأن العام.
أهمية ومركزية الدور الذي تلعبه هذه النخب، ينبع من كون الخاصيات المسيطرة للنظام السياسي الإداري المغربي ،تتجسد من خلال المركزية القوية للسلطة في المناصب السياسية والإدارية العليا ،والمشاركة الضعيفة في الانتخابات للكتلة الناخبة ،وكذلك الدور الضعيف الذي تلعبه المنظمات والجمعيات الوسطية والذين لا يؤطرون إلا نسبة محدودة من الأنشطة الجماعية ، وإعتبارا لذلك تجد هذه النخب المجال مفتوحا أمامها لكي تحدد بشكل أحادي أين توجد المصلحة العامة.
تعيين وزير الإقتصاد والمالية الجديد، هو ليس فقط محاولة شغل منصب حكومي شاغر، بل من المفروض أن يستهدف تجاوز البطء الحكومي والوزاري ، و البحث عن الطرق التي تمكن من تسريع الأداء والإنجاز بالنسبة للوزراء والحكومة(من خلال دور القاطرة التي تلعبه وزارة المالية)، خصوصا بعد مرور ما يقارب السنتين على تشكيل الحكومة (مما كان يتطلب من الأغلبية الحكومية ومؤسسة رئاسة الحكومة التوفر على إستراتيجية لتغيير السرعة وتفعيل الإصلاحات، في النصف الأخير من الولاية الحكومية ،خصوصا أمام تنامي الاحتجاجات وغياب النتائج )، وبالتالي يستلزم الأمر سرعة جديدة ،وكذلك محاولة نهج إصلاحات جديدة عجزت الحكومة والوزير السابق لقطاع المالية عن نهجها وتفعيلها.
كل هذه الإعتبارات، تجعلنا نعتقد أن تعيين وزير الإقتصاد والمالية الجديد يحمل في طياته رسائل وإشارات ،تحتاج لقراءة وتوضيح.
1)الملاحظة الأولى تتعلق بالبحث عن السلطة التي اقترحت فعليا السيد وزير الإقتصاد والمالية الجدي
بالاعتماد على تدوينة السيد رئيس الحكومة ،فإن السيد العثماني قد تلقى إقتراح الإسم من السيد أخنوش رئيس حزب الأحرار، وبعد ذلك عمد إلى إقتراح الإسم على سلطة التعيين.
ولكن الدستور(وخصوصا أحكام الفصلين 49و92) والقانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا والمرسوم التطبيقي ،يؤكدان أن السيد وزير الإقتصاد والمالية الجديد كان يشغل قبل تعيينه، منصب رئيس مدير عام للبنك الشعبي، وحسب القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا فإن البنك الشعبي ينتمي للمقاولات العمومية الاستراتيجية ،والتي يتم التعيين فيها بظهير ،وحيث أن المعني بالأمر كان مكلفا من طرف السلطة الملكية ومن خلال ظهير، بمهام تدبير مقاولة عمومية إستراتيجية ، فلا أحد غير السلطة التي عينته(السلطة الملكية، إحتراما لمبدأ توازي الشكليات والمساطر والإختصاصات) ، قادرة على إقتراحه لمنصب آخر ، مما يدفعنا إلى الإستنتاج أن السلطة الملكية كانت لها اليد العليا في قبول ترك المعني بالأمر للمهمة المكلف بها (أولا) ، والسماح باقتراحه في مهمة جديدة (من بعد)، (خصوصا أن المهمة الأولى أهم وأفضل فيما يتعلق بالتعويضات والمزايا وبعيدة عن الضغوطات السياسية)، وبالتالي وحدها السلطة الملكية من قبلت إنطلاقا من المهام الموكلة لها بموجب الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، بوضع حد لظهير تعيين السيد بنشعبون على رأس البنك الشعبي، و إعادة تكليفه بمهام حكومية جديدة .
2) تعيين السيد وزير الإقتصاد والمالية الجديد جاء بعد الفشل التدبيري للنخب السياسية التقليدية
أثبتت التجارب الحكومية التي أعقبت تنزيل دستور 2011،أن الطبقة السياسية التقليدية ،اقترحت نخبا متشبعة بثقافة تدبيرية عفا عنها الزمن(ثقافة تدبيرية رسخت اللامسوؤلية-وغياب الكفاءة-وغياب العدالة-والدوران في حلقة مفرغة-والجمود)، وبالتالي مَنحت الطبقة السياسية التقليدية المناصب الحكومية والإدارية لنخب لا تتقن إلا الإنفاق والإلتزام والتصفية والأمر بالأداء.

التدبير التقليدي لهذه النخب لم ينتج إلا العجز والمديونية وسوء التدبير وغياب المحاسبة ، وكذلك غضب المغرب الإجتماعي وعدم رضى السلطة الرئاسية عن النتائج ،واستعمالها بالتالي لسلطة الإعفاء.
وإعتبارا لما سبق ذكره فإن هذه النخب لا يمكن الرهان عليها لبناء المستقبل .
لأن المستقبل يحتاج إلى نخب تخلق الثروة ،نخب تمنح الأولوية للمداخيل وكيفية تطويرها، نخب خبيرة في إنتاج حسابات بفائض ، وإن أنفقت تنفق بكلفة أقل ومردودية أعلى، نخب تقدم الحساب وتتحمل المسؤولية سلبا أو إيجابا، نخب تملك أفكار وجرأة، وقادرة على الفعل والإبتكار.
مغرب اليوم صار في حاجة قصوى ، لنخب تملك المعرفة والتجربة ولها إطلاع واسع على ما يجري في العالم من تجارب ناجحة ،وتملك القدرة والإرادة على القيام بزلزال تدبيري في البلد، من خلال القدرة على القيام بمراجعة عامة لكل السياسات العمومية التي نهجها البلد منذ الإستقلال ، وقادرة على حذف وتقليص السياسات العمومية المرتبطة بالريع والهياكل الصورية، وقادرة على القيام بمصالحة فعلية بين المغرب الرسمي والمغرب الشعبي، من خلال تدعيم السياسات العمومية المرتبطة بالأولويات الشعبية.

3) تعيين السيد وزير الإقتصاد والمالية الجديد ، هو نتيجة لغياب الشخصيات التي تتقن فن الحكم لدى الطبقة السياسية
قال نابليون الثالث: في البلد نجد مدارس للحقوق والصحة والحرب ،ولكننا للأسف لا نجد مدارس تعلم فن الحكم ،والذي هو الأصعب لأنه يخترق كل العلوم....)
يثبت تعيين السيد وزير الإقتصاد والمالية الجديد وهو المهندس القادم من المدارس الفرنسية، إستمرار إعتماد السلطة الملكية في المناصب الاستراتيجية سواء الحكومية أو المؤسسات الإستراتيجية ، على شواهد الهندسة الفرنسية ، وإذا كانت دروس التاريخ تخبرنا ،أن النخب الحاصلة على الشواهد الهندسية من المدارس الأمريكية قد لعبت دورا كبيرا في إنجاح سياسة النيوديل في عهد روزفلت ، و إستحقت بذلك اللقب الذي أطلق عليها أنذاك وهو لقب- الهندسة المُجَسَّدة -، إلا أن التجربة المغربية أثبتت أن شواهد الهندسة الفرنسية لم تجسد حضورها الإيجابي على أرض الواقع من خلال منجزات ونجاحات تذكر وتسجل في محاسبة أصحابها و محاسبة البلد(حصاد-الفاسي الفهري-بوسعيد...) ، وبالتالي يمكن إلى غاية إثبات العكس ،تسميتها –بالهندسة المحظوظة -.

حظ الهندسة المغربية لم يكن أحسن من الهندسة الفرنسية، بحيث عجزت الهندسة المغربية عن تجسيد حضورها الفعلي والواقعي من خلال المنجزات (شرفات أفيلال مؤخرا)،خصوصا عندما أتيحت لها الفرصة لتحمل المسؤولية الحكومية ، سواء في الحكومة الأولى أو الحكومة الثانية التي أعقبت دستور 2011، وإعتبارا لذلك يمكن أن نطلق عليها لقب - الهندسة المتعثرة- لأنها عجزت عن إحداث الفارق وعجزت عن إنتاج الفائض وعجزت عن إحداث ثورة تدبيرية.

هذا الفشل يؤكد حقيقة مرة وهي أن المغرب فشل في كل محاولاته لخلق مدارس تعنى بتعليم فن الحكم، فلا المدرسة الوطنية للإدارة ولا الجامعات من خلال تخصص العلوم السياسية ولا مدارس المهندسين في المغرب، ولا المفتشية العامة للمالية ولا المجلس الأعلى للحسابات ولا الأحزاب السياسية ولا الإدارة استطاعت تقديم تكوينات و تجارب تمنح أصحابها القدرة على رفع التحدي التدبيري وتقديم البديل .
4) تعيين السيد وزير الإقتصاد والمالية الجديد والتوجه نحو الشخصيات التي قد تمارس السياسة ولكن بشكل عرضي.
كان السوسيولوجي ماكس ويبير أول من حلل أسباب ونتائج ظهور الشخصيات السياسية داخل الدولة، وفي هذا السياق لاحظ أن هذه النخب يمكن أن تمارس السياسية بشكل عرضي ،كما يمكن أن تمارس السياسة بشكل ثانوي ،أو تمارس السياسة بشكل أساسي.

المغرب ومن خلال إقرار تعويضات وحتى تقاعد بالنسبة للطبقة السياسية سواء المتواجدة في البرلمان أو المتواجدة في المناصب الوزارية والحكومية، أراد أن يعمل على تشجيع الطبقة السياسية على ممارسة السياسة بشكل أساسي ، أو ممارسة السياسة بشكل ثانوي(الإلحاق بالنسبة للموظفين).
ولكن عندما يتعلق الأمر بمهام إستراتيجية وأساسية، لم يعتمد الملك على الشخصيات السياسية التي تمارس السياسة بشكل أساسي أو ثانوي، بل توجهت المؤسسة الملكية في المغرب نحو التكنقراط الذين لا ينتمون للطبقة السياسة التقليدية، وبالتالي لا يمارسون السياسة بشكل أساسي(الإبتعاد عن حكومة(ووزراء) محترفي السياسة) ولا يمارسون السياسة بشكل ثانوي (الإبتعاد عن حكومة(ووزراء) الموظفين)،وتوجهت نحو النخب التي قد تمارس السياسة ولكن بشكل عرضي(حكومة (وزراء)المختصين وأصحاب الحلول والباحثين عن النتائج على أرض الواقع).
إن تعيين السيد وزير الإقتصاد والمالية الجديد القادم من عالم الأبناك هو اقتناع من طرف السلطة التي عينته ، على أن السيادة لا تنتج فقط عن المشروعية الشعبية ،ولكنها قد تتجسد كذلك من خلال التنمية الإقتصادية. لأن الحكم يستهدف بالأساس تدبير المجتمع بشكل يؤدي إلى النمو ،وهو تأكيد كذلك على صحة مقولة ألان تورين، والتي مفادها:
أن السياسة هي المراقبة الإجتماعية للإقتصاد المعقلن.
5) تعيين السيد وزير الإقتصاد والمالية الجديد ومحاولة البحث عن الاستقلالية الوظيفية للدولة.
يجب الاعتراف والتأكيد على أن ترسيخ الإستقلالية الوظيفية للدولة لا يمكن ان تتم بمعزل عن استقلالية الشخصيات المُعَيَّنة في المراكز القيادية(سواء المراكز السياسية أو المراكز الإدارية)،داخل الدولة .

وقد سبق لكارل ماركس وفي إطار مطالبته بفصل السلطة الإقتصادية عن السلطة السياسية، أن أكد على أن البرجوازية عليها وفي إطار حماية بورصتها(مصالحها الإقتصادية) أن تتخلى عن تاجها(السلطة السياسية)، مما يحتم على الدولة ومؤسساتها الدستورية البحث عن ترسيخ الاستقلالية الوظيفية على أرض الواقع، من خلال الإعتماد على شخصيات قيادية محايدة في بعض المراكز الاستراتيجية، وخصوصا وأن التجارب الدولية اثبتت أن انصهار السلطة السياسية والإدارية والإقتصادية ،يضرب في العمق طموح الدولة نحو الحيادية والاستقلالية الوظيفية (بيير بيرنوبوم في كتابه قمم الدولة) .

الإلتزام الأساسي للطبقة السياسية التقليدية، بتلبية مطالب الإقتراع مع الإهتمام كذلك بالمطالب المحلية ، و العمل فعليا على تلبية هذه المطالب ،أفقد هذه الطبقة السياسية التقليدية، الحيادية الوظيفية المفروضة لممارسة المهام في إحترام تام للمصلحة العامة.
وهكذا إرتفعت أصوات داخل الرأي العام الوطني تشكك في الحيادية الوظيفية لبعض المسؤولين الحكوميين (خصوصا وزير الإقتصاد والمالية السابق)،مما دفع سلطة التعيين في المناصب الحكومية ،إلى البحث عن ترسيخ المصلحة العامة من خلال ترسيخ الاستقلالية الوظيفية للشخصية المقترحة لمنصب وزير الإقتصاد والمالية ،خصوصا أمام السلطة التقديرية الكبيرة التي يتمتع بها المسؤول عن القطاع ونظرا كذلك للأدوار الاستراتيجية التي يلعبها القطاع في الحياة الوطنية.

6) تعيين وزير الإقتصاد والمالية الجديد، واعتبار وزارة الإقتصاد والمالية كبنك كبير.
إعتبر الباحث فايول أنه ما بين الشركة والدولة هناك اختلاف في التعقيد والحجم ولكن ليس هناك اختلاف في الطبيعة ،كما أن الرئيس الفرنسي ألكسندر ميلروند والذي حكم فرنسا من سنة 1920الى سنة1924 ،سبق له وأن أكد على أن الدولة لا يمكن أن تدبر بقواعد مختلفة عن القواعد التي تدبر بها الشركات الكبرى، كما أن وزيرا إشتراكيا(كان يقود الإنتاج الحربي) في فرنسا سبق له وأن قال جملته الشهيرة: فرنسا بالكامل هي شركة ضخمة، لي الشرف أن أكون على رأسها.
المغرب لم يبقى بعيدا عن علوم التدبير الحديثة ،وعمل من خلال المصادقة على القانون التنظيمي للمالية الجديد (نشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 18/06/2015)على ترسيخ تدبير الدولة كما تدبر المقاولات الخاضعة للقانون الخاص ،من خلال التنصيص في المادة الثالثة والثلاثون من دستوره المالي على أن القواعد المطبقة على المحاسبة العامة للدولة لا تختلف عن تلك المطبقة على المقاولات الخاضعة للقانون الخاص إلا باعتبار خصوصيات تدخل الدولة، وعمل هذا الدستور المالي كذلك(في مادته الواحدة والثلاثون) على إلزام الدولة المغربية بمسك المحاسبات الثلاث: محاسبة ميزانياتية للمداخيل والنفقات، محاسبة عامة لمجموع عملياتها ،وكذلك مسك محاسبة لتحليل كلفة مختلف المشاريع المدرجة في إطار البرامج، ولكن أغلبية إن لم نقل جل الطبقة السياسية التقليدية(في المغرب) تجهل ذلك.

تعيين السيد وزير الإقتصاد والمالية الجديد، القادم من عالم الأبناك حيث وسائل التدبير الجديدة المعتمدة على النتائج والتقييم وأخذ رأي المتعاملين، وحيث كل الانشطة تخضع للمقارنة مع إنتاج معين ،ومع إستثمار معين ،وتخضع كذلك للحساب والكلفة ،و ترسخ المبدأ الشهير: السعادة الكبرى لأكبر عدد ،وكذلك شعار أفضل قيمة مقابل المال
Best value for money))، بكل ما يعنيه من بحث عن نفقات مثالية ،وبالتالي يتأسس التقييم وتحديث الهياكل الإدارية من خلال المقارنات.
تَمرُّس وتجربة السيد وزير الإقتصاد والمالية الجديد على أدوات التدبير الحديث من خلال تجربته البنكية الكبيرة، تجعله الرجل القادر على تدبير وزارة الإقتصاد والمالية كما لو أنها بنك كبير ، وبالتالي تؤهله تجربته ،من أجل العمل على نفض الغبار عن القانون التنظيمي للمالية و الذي يمثل الثورة التدبيرية في البلد إن حُدِّث وطُبِّق .
فالمغرب يحتاج اليوم إلى من يعمل على تنزيل الحلم التدبيري الجديد، ويعمل كذلك على تحديث هذا الحلم التدبيري الكبير، من خلال التنصيص على المهام ،حتى نقطع مع عهد الوزارة(والتي إستُبدلت في علم التدبير الحديث بالمهام والسياسة العمومية والفعل العمومي) التي صارت تنتمي للماضي . والقطع مع الهياكل البيروقراطية لتنفيذ السياسات العمومية، والمتمثلة في :الوزارة-الكتابة العامة-المديرية-القسم –المصلحة، (أي خمس مستويات بيروقراطية- تراتبية للتنفيذ)، و هي هياكل تنتمي الى عصر سياسة الوسائل.

تنزيل الحلم التدبيري الجديد ، يعني الانتقال(داخل وزارة الإقتصاد والمالية وبعد ذلك التعميم على باقي الوزارات) الى الهياكل التدبيرية الحديثة المتمثلة في: المهمة (إذا ما تم التنصيص عليها من خلال تغيير القانون التنظيمي للمالية) –البرنامج -المشروع، وبالتالي ثلاث مستويات تدبيرية، هذا الإنتقال (إن حُدث وإن طُبِّق و إن أُنْزِل على أرض الواقع)يفتح الطريق نحو تطبيق سياسة النتائج والمؤشرات.

قيادة وزارة الإقتصاد والمالية كما تُقاد الأبناك(إن حَصل وجُسِّد على أرض الواقع) ، يعني الإعتماد على سياسة النتائج ،مما يتطلب تنزيل الحاسوبية والتحليل الكمي والفعالية ، حتى نتمكن من تحديد من يستفيد، ومن ماذا يستفيد، ولماذا يستفيد، وما هي نتائج هذه الإستفادة، وإن نجحنا في ذلك ،سنملك القدرة على الوصول الى حدود العقلانية والمقبولية.
الحاسوبية والتحليل الكمي تمنحنا القدرة على ترتيب الاختيارات والأولويات، وفي حالة عدم وجود الإمكانات، نلجأ إلى الإجراءات الأكثر مردودية، والتي يستفيد منها أكثر عدد من المواطنين، وبهذا الشكل نتمكن من تحديد القيمة السياسية التي نتوخاها، ونكون في الأخير قد جعلنا من وزارة الإقتصاد والمالية قاطرة لتحديث التدبير العمومي بامتياز، وجعلنا منها كذلك جسرا لمصالحة المواطن مع السياسة ، ونفتح الطريق بذلك لمصالحة بين المغرب الرسمي والمغرب الشعبي، إنه حلم ولكنه ليس مستحيل التطبيق.

الخلاصة:
تخبرنا التجارب الدولية القريبة وخصوصا في فرنسا، أن الثورة التدبيرية الحديثة(القادمة من القطاع الخاص والمعتمدة على النتائج) ،أشرفت على تنزيلها وزارة الإقتصاد والمالية والتي همت بالأساس، الإنتقال من الإصلاح الميزانياتي، إلى إصلاح الوظيفة العمومية، ثم الإنتقال بعد ذلك إلى أُفُق أوسع يهم إصلاح الدولة ككل. ،وبذلك صارت وزارة الإقتصاد والمالية هي القاطرة التي قادت التحديث التدبيري وإصلاح الدولة في فرنسا ،ولم يكن غريبا أن أحد آباء القانون التنظيمي للمالية في فرنسا هو من تحمل مسؤولية الوزارة المكلفة بالميزانية والإصلاح الميزانياتي (2002-2004)ونعني به السيد ألان لومبير(وبالمناسبة نؤكد أن من قاد الإصلاح ليس دكتورا في الإقتصاد بل موثقا فرنسيا قاد ثورة تدبيرية-مالية- اعْتُبِرت من أهم الإصلاحات التي قادتها وزارة الإقتصاد والمالية، وهَمَّت التدبير العمومي الفرنسي ككل ).

أما في بريطانيا فقد أكدت تاتشر على أن الإقتصاد هو الطريقة ،وأن الهدف هو تغيير الروح، لهذا فإن الرهان المعقود على وزير الإقتصاد والمالية الجديد هو رهان كبير ، رهان يتأسس على شخصية وتجربة الرجل وكذلك على الثقة الملكية (سواء من خلال الإقتراح الفعلي أو من خلال التعيين) وعلى إستراتيجية المنصب والقطاعات التي يشرف عليها.

نجاح هذا الرهان مرهون بالفعل وتَوفُّر الإرادة ،والاعتماد على الأفعال وليس الأقوال . ووحدها الأفعال قادرة على جعل وزارة الإقتصاد والمالية المؤسسة الفعلية الأولى داخل الحكومة، ليس فقط من خلال السلط الممنوحة لها ،ولكن من خلال الفعل التحديثي التدبيري الذي قد تقوم به. مما سيمكن الوزارة من لعب دور القاطرة التي تقود فعليا الحكومة وترسخ المنجزات ، ويجعل الوزير المعين حديثا، قادرا على إثبات ما قاله سان سيمون و حايك وفريدمان، من أن السيادة غير مرتبطة فقط بالإرادة العامة ولكنها مرتبطة كذلك بالنمو الاقتصادي، وتجعل كذلك الوزير يؤكد أنه لا ينتمي إلى أصحاب الشواهد -الهندسية المُفضلة -،بل ينتمي إلى أصحاب الشواهد -الهندسية المُرسَّخَة- من خلال الأفعال والنتائج والمؤشرات والتقييم، وتجعله بالتالي يرسخ جدلية :التعيين-النتائج الإيجابية، بدل جدلية :التعيين –المشاكل و الجمود والعجز والتي تسببت في إقالة الوزير السابق لقطاع الإقتصاد والمالية.

فهل ينجح الرهان؟ هذا ما سيكشفه المستقبل، وكما قال النعمان بن المنذر لأحد وزرائه - إن غدا لناظره قريب -.

بقلم ذ المنتصر السويني
باحث في المالية العامة
 


أعلى الصفحة