القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ عبد الهادي الشاوي
عبد الهادي الشاوي ممون بقطاع التربية الوطنية وباحث في صف الدكتوراه بكلية الحقوق بفاس
تحت عدد: 292
يمكن لهيئات المجتمع المدني أن تساهم بشكل فعال في الوقاية من ظاهرة جنوح الأحداث، وذلك باتخاذها واقتراحها لمجموعة من الحلول العملية لتجاوز هذه الآفة، ووعيا منه بهذه الأهمية نص دستور 2011

في مادته الثانية عشر بشكل مباشر وواضح على أن تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات غير الحكومية في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، كما نصت المادة الثالثة عشر من الدستور على أن تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية، ويتضح من خلال ذلك أن الهدف الذي يؤسس له الدستور الجديد يتجاوز منطق الإنصات، والحوار إلى المشاركة الفعلية في عملية إعداد واتخاذ القرار العمومي، والأخذ بعين الاعتبار الحلول المقترحة من طرف هيئات المجتمع المدني "أولا" بالإضافة إلى ذلك يمكن للجماعات المحلية أن تساهم هي الأخرى في الوقاية من انتشار ظاهرة جنوح الأحداث ، وذلك لتعدد اختصاصاتها ومجالات تدخلها، فبرجوعنا إلى مقتضيات القانون 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي الصادر في 3 أكتوبر2002 يتضح لنا بشكل جلي الأدوار الطلائعية التي يمكن للجماعات المحلية أن تقوم بها من أجل الوقاية والتصدي "للجريمة بصفة عامة، وجنوح الأحداث بصفة خاصة "ثانيا

أولا: دور المجتمع المدني
المجتمع المدني هو تلك المؤسسات والجمعيات وغيره من التجمعات القانونية اللاحكومية التي يتسم عملها بالتطوع والتلقائية من أجل إضفاء روح التعاون والتآزر والتكافل والتلاحم بين أفراد المجتمع الواحد لمحاربة ظاهرة مجتمعية معينة، من هذا المنطلق أصبح المجتمع المدني بأدواره ووظائفه التي يقوم بها لصالح المجتمع شريكا أساسيا للدولة

كما أن التصور الجديد لتدبير الشأن العام وفق الديمقراطية التشاركية يدفع نحو إشراك المجتمع المدني إلى إخضاع المخططات والسياسات العمومية للتقييم والمراقبة، هذا التوجه انتقل من الخطاب السياسي والتأطير القانوني إلى النص الدستوري، فرقابة وتقييم القرارات العمومية أمر مطلوب لكي تتضح الرؤى، فالإدارة التي لا تخضع للرقابة قد ولى عليها الزمن، والطرق الحديثة للتسيير أصبحت تنادي بضرورة وجود رقابة مجتمعية على مصالح المجتمع خصوصا مع تنامي وعي المواطنين بضرورة وجود إدارة مسؤولة للمواطن الحق أن يسائلها
ووعيا منه بالأدوار الطلائعية التي يمكن لهيئات المجتمع المدني القيام بها، فتح القانون المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية المجال أمام أعضاء الجمعيات ذات الصلة بالعمل التربوي أو الاجتماعي أو الحقوقي ولوج هذه المؤسسات وإشراكها في الدراسات المتعلقة بخطط ومناهج إعادة التربية وتقديم الدعم المعنوي للأحداث المعتقلين، والمساهمة في إعادة إدماج من سيفرج عنهم وتقديم أنشطة دينية وروحية وترفيهية لهم، بالإضافة إلى الاستماع إلى تظلماتهم لتنوير الرأي العام وإبلاغ الجهات الرسمية بوضعية اعتقالهم ورفع تقارير عن الخروقات المسجلة داخل مراكز الاعتقال
من هنا تبرز أهمية المجتمع المدني والأدوار الهامة التي يمكن أن يقوم بها من أجل الحد من ظاهرة الانحراف بصفة عامة وانحراف الأحداث بصفة خاصة ، ففي اطار مكافحة العنف المدرسي مثلا يمكن لجمعيات الآباء تقييم سياسة وزارة التربية الوطنية في المجال واقتراح مجموعة من الحلول العملية بالإضافة إلى مشاركتها المباشرة في الحد من الظاهرة عن طريق حملات التوعية وخلق لجان الإنصات داخل المؤسسات التعليمية يشرف عليها مختصون نفسيون والتنسيق مع إدارة المؤسسات التعليمية من أجل تنظيم أنشطة ترفيهية ورحلات مدرسية... إلى غير ذلك من التدابير التي من شأنها إخراج التلميذ من رتابة الدراسة، الشيء الذي قد يحول دون إتيانه لمجموعة من السلوكات العدوانية. لكن وللأسف لا تقوم الجمعيات المدنية بهذه الأدوار الاستباقية التي من شأنها وقاية التلاميذ من مختلف أشكال الانحراف، وفي المقابل نجدها تتدخل بحدة كلما وقع حادث ما داخل المؤسسة التعليمية أو خارجها، في الوقت الذي كان بإمكانها الحيلولة دون وقوع مجموعة من الجرائم البشعة عن طريق تكثيف جهودها وحملاتها التوعوية وتنسيقها واشتغالها جنبا إلى جنب مع إدارات المؤسسات التعليمية. فمن خلال التقرير المنجز من طرف وزارة التربية الوطنية حول العنف في صفوف التلاميذ من خلال المتابعة الصحفية للجرائد الوطنية خلال الفترة الممتدة من شتنبر 2013 إلى 30 يونيو 2014 تتضح مدى محدودية : تدخل جمعيات المجتمع المدني في عملية التحسيس والوقاية من الظاهرة وهذا ما نلمسه من خلال الجدول أسفله

rôle

يتضح من خلال نتائج هذا التقرير أن الشريك الأكثر تجاوبا وانخراطا في هذه العمليات التحسيسية إلى جانب المؤسسات التعليمية، كان هو المديرية العامة للأمن الوطني، في مقابل تدخلات محدودة لبعض جمعيات المجتمع المدني

ومع ذلك لا نبخس المجهودات التي يقوم بها القطاع الجمعوي فهو يبقى فاعلا رئيسيا في مجال حماية الأحداث ، والتكفل بهم، غير أن إسهامه تعترضه صعوبات بشرية ومادية ، كما أن شراكته مع الدولة يعوزها الوضوح وينقصها تحديد أدوار الأطراف المتعاقدة والأعمال المفترض إنجازها في غياب تدابير وإجراءات التتبع والتقييم، وكذا غياب مقتضيات جزائية جراء الإخلال بالالتزامات المتعهد بها
ثانيا: دور الجماعات المحلية
تعتبر الجماعات الترابية والجهات أهم شريك مع الدولة في سياسة المدينة بالنظر لتدخلها في تحديد الأهداف والاستراتيجيات، لا سيما في إطار التفاوض حول " عقد المدينة"، وقد أعطى الميثاق الجماعي لها الحق في إعداد مخطط جماعي لتنمية المدينة
وما يهمنا في هذا السياق هو مكانة سياسة المدينة في الإطار المحلي ودور رؤساء المجالس المحلية المنتخبة ومكاتبها في بلورة سياسة محلية لحماية الأحداث من الانحراف وإدراجها ضمن جداول أعمالهم واجتماعاتهم الدورية ومخططاتهم التنموية المحلية للنهوض بأوضاع الطفولة وإدماج الجانحين منهم بناء على الاختصاصات المنوطة بهم بمقتضى الميثاق الجماعي أو الشراكة مع الجمعيات المهتمة وذات الصلة بحماية الأحداث
فمن خلال الاختصاصات المنوطة بالجماعات يمكنها أن تساهم بشكل فعال في الوقاية والحد من ظاهرة الانحراف المنتشرة في المجتمع، بصفة عامة، وانحراف الأحداث بصفة خاصة، وذلك للأدوار المتعددة المنوطة بها، فبرجوعنا إلى مقتضيات القانون 78.08 المتعلق بالميثاق الجماعي وخصوصا المواد من 36 إلى 56 والتي تحدد اختصاصات المجلس الجماعي نجد بأن مجال التدخل الجماعي شمولي. يهم مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أي كل ما يهم النهوض بالتنمية المحلية
من هنا يبرز الدور الهام الذي يمكن للجماعات المحلية القيام به لوقاية الأحداث من الانحراف، وذلك عن طريق بناء الملاعب الرياضية وإنشاء الحدائق والمنتزهات والمركبات الثقافية والمكتبات الجماعية والمتاحف والمسارح والمعاهد الفنية... وهذا بالفعل ما نص عليه القانون 78.08 المتعلق بالميثاق الجماعي فبرجوعنا إلى المادة 41 من هذا الميثاق نجد بأن المجلس الجماعي يقرر أو يساهم في إنجاز وصيانة وتدبير التجهيزات الاجتماعية والثقافية والرياضية : خاصة
المراكز الاجتماعية للإيواء، ودور الشباب والمراكز النسوية ودور العمل الخيري ومأوى العجزة وقاعات الأفراح والمنتزهات - ومراكز الترفيه
ـ المركبات الثقافية والمكتبات الجماعية والمتاحف والمسارح والمعاهد الفنية والموسيقية ورياض الأطفال
ـ المركبات الرياضية والميادين والملاعب الرياضية والقاعات المغطاة والمعاهد الرياضية والمسابح وملاعب سباق الدرجات والخيل
كما يتخذ ويساهم في اتخاذ كل الأعمال الضرورية لإنعاش الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية ولهذه الغاية يشارك في التنشيط الاجتماعي والثقافي والرياضي
بالإضافة إلى ذلك وفي إطار الاختصاصات القابلة للنقل والمنصوص عليها في المادة 43 من هذا القانون يمارس المجلس الجماعي داخل النفوذ الترابي للجماعة، الاختصاصات التي يمكن أن تنقلها إليه الدولة، وذلك من قبيل إنجاز برامج التشجير وتحسين وصيانة المنتزهات الطبيعية المتواجدة داخل النفوذ الترابي للجماعة

وعموما فوجود مثل هذه المراكز والمساحات الخاصة بالراحة والاستجمام من شأنه أن يحول دون وقوع مجموعة من الجرائم الخطيرة سواء من طرف الأحداث ، أو من طرف باقي فئات المجتمع فالحدث المحاصر بالبنايات والأسوار والذي لا يجد مكانا للاستجمام واللعب سيلجأ لا محالة إلى التعبير عن سخطه وذلك بتخريب الممتلكات العامة والخاصة..… إلى غير ذلك من مظاهر العنف والانحراف

لكن ماذا عن واقع مدننا هل تلتزم الجماعات المحلية بمقتضيات قانون الميثاق الجماعي السالفة الذكر؟ لعل ما نراه ونشاهده في مختلف مدننا خير جواب عن هذا السؤال، حيث يتضح لنا حملت الإبادة التي لحقت مختلف الأراضي الفلاحية والتي شكلت متنفسا لمختلف ساكنة المدن، كيف استطاعت المجالس المنتخبة أن ترتكب جرائم الإبادة الجماعية في حق هذه الأراضي الخصبة؟. ألم يكن من الواجب على المشرع الجنائي أن يجرم مثل هذه الأفعال التي تهدد بيئتنا ومستقبل أبنائنا؟ للأسف فإن مثل هذه الأفعال والخروقات الضارة بالبيئة وبالمساحات الخضراء لم يتم تناولها بالتجريم لا في القانون الجنائي ولا في مسودة مشروع هذا القانون، الشيء الذي يجعلنا نطالب بإدراج مثل هذه الأفعال في خانة التجريم، وذلك بمتابعة كل من سولت له نفسه التطاول على المخططات التوجيهية للتهيئة العمرانية أو استغلال الأراضي المزمع تخصيصها للحدائق والمنتزهات من أجل إقامة مباني ومجمعات سكنية، والغريب في الأمر أن الجميع أصبح يشكو من تصرفات الأطفال العدوانية ومن ارتفاع نسبة الجريمة، مع العلم أن الجواب واضح فغياب المساحات الخضراء وانتشار المباني كالفطر في جميع الاتجاهات وغياب فضاءات وحدائق للاستجمام، كل ذلك ساهم ولازال يساهم في انتشار الجريمة بصفة عامة وانحراف الأحداث بصفة خاصة.
بقلم ذ عبد الهادي الشاوي
عبد الهادي الشاوي ممون بقطاع التربية الوطنية وباحث في صف الدكتوراه بكلية الحقوق بفاس
 


أعلى الصفحة