القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ أسامة بن جلون
باحت في قوانين الأعمال. عضو المركز المغربي للدراسات والأبحات القانونية المنارة
تحت عدد: 296
تتداول الساحات القانونية السوسيو اقتصادية بالمغرب

في الأيام القليلة الماضية موضوع منع أكياس البلاستيك،وسط هالة من الإنتقادات والإستغرابات بين مختلف أطياف المجتمع المغربي،فلا غرو أن هذه الأكياس كانت وما تزال مضطلعة بدور هام في الحياة اليومية لكل مستهلك،وأنها تصاحب النمط الإستهلاكي لكل أفراد الشعب،لذلك فمن الطبيعي أن يثور المتسائل حول البدائل وحول الغايات المتصلة بهذا المنع المفاجئ والمعزز بسند قانوني حاسم.

صدر يومه 7ديسمبر 2015 الظهير الشريف رقم 1.15.148 الذي قضى بتنفيذ القانون رقم 77.15 القاضي بمنع صنع الأكياس من مادة البلاستيك واستيرادها و تصديرها وتسويقها واستعمالها مكونا من 15 مادة.

فجاءت هذه الوثيقة معرفة بمادة البلاستيك باعتبارها كل مادة تعتمد على استعمال الجزئيات الكبيرة(بوليميرات)الطبيعية أو الإصطناعية أو المصنعة،كما عرفت الكيس البلاستيكي بوصفه كيسا مصنعا من البلاستيك يمنح للمستهلك بعوض أو بدون عوض حتى يلفف به سلعه وبضائعه،كما عرض لمختلف أصناف هذه الأكياس،سواء المستعملة لأغراض الفلاحة أو الصناعة،أو تلك المستعملة لتجميد الإغذية،أو جمع النفايات المنزلية منها وغير المنزلية المصنفة في القانون رقم 28.00  المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها.

ونص هذا القانون على دخول منع صنع أكياس البلاستيك المنصوص عليها حيز التنفيذ ابتداء من قاتح يوليوز2016,كما يمنع كذلك تصديرها أو استيرادها وحتى حيازتها بغرض البيع أو التوزيع بعوض أو بدون عوض،وهو ما يفهم منه أن القانون المذكور آنفا يستهدف منع تداول الأكياس البلاستيكية وإنهاء فترة العمل بها على الرغم من اكتساحها السوق المغربية واعتماد المغاربة عليها بشكل واضح في كافة صور الإستهلاك باعتبارها حاملة للسع والبضائع والمنثجات ولمواد الغذائية.

ولضمان نفاذ هذا القانون تم تعزيزه بعدة عقوبات  تمثلت في العقوبات المالية التي تتراوح بين 10 000 و 500 000 درهم في حق كل شخص يحوز أكياسا بلاستيكية لبيعها أو توزيعها،أما مستعملها فيعاقب بغرامة مالية تتراوح قيمتها بين 20 000 و 100 000 درهم،أما المصنع فيعاقب بغرامة مالية تتراوح بين 200 000 و 1 000 000 درهم، مع التنصيص على تطبيق العقوبة الأشد في حالة تعدد المخالفات،مع ومضاعفة العقوبة في حالة العود،كما منح هذا القانون لأعوان السلطة القضائية من الضباط إضافة إلى أعوان الإدارة المعينون من الهيئات المختصة الحاملون لبطاقة مهنية صلاحية البحث عن المخالفات المنصوص عليها فيه.

ليصدر بالجريدة الرسمية رقم 6458 المرسوم رقم 2.16.174 يوم 4 أبريل 2016 الذي قضى بتطبيق بعض أحكام القانون رقم 77.15 المذكور.

هذا المرسوم الذي تضمن قرارات مشتركة للسلطات الحكومية المكلفة بالفلاحة والصناعة والبيئة،وكذا للسلطات الحكومية المكلفة بالمالية والداخلية تتفق حول منع الأكياس البلاستيكية سواء فيما يخص الصناعة والتوريد والإستيراد ولا فيما يخص الحيازة والإستعمال،كما أكد هذا المرسوم على ضرورة كون هذه الأكياس خصوصا منها تلك الموجهة للإستعمال الغذائي مطابقة للمقتضيات التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالسلامة الصحية للمنثوجات.

 

قبل أن نتحدث عن أسباب وتوجهات هذه الخطوة التشريعية,وعن رأينا المتواضع فيها،لا إشكال في أن نعرض عليكم ملخصا لسياسة المشرع المغربي بخصوص مادة البلاستيك ثاريخيا،فأول وثيقة قانونية نجدها متعلقة يهذه المادة على الإطلاق ترجع للعام 1986 في قرار لوزير المالية رقم 1148.86 صادر في7 أبريل 1986  ،وقد تعلق بوقف استيفاء الضرائب والرسوم المفروضة على استيراد بعض أنواع الورق والمواد البلاستيكية المعدة لبطاقات التعريف الوطنية،ثم  بعدها بخمس سنوات  صدر الظهير الشريف رقم 1.99.06 صادر في 3 ماي 2000 الذي نشر اتفاقية بشأن تمييز المتفجرات البلاستيكية بغرض كشفها موقعة بمونتريال في فاتح مارس 1991،أما بخصوص الأكياس البلاستيكية فلا نجد لها أثرا إلا في الألفية الثانية حيث ظهر القانون 22.10 المتعلق باستعمال الأكياس واللفيفات من البلاستيك القابل للتحلل أو القابل للتحلل بيولوجيا وصدر ظهير شريف تحت رقم 1.10.145 بثاريخ 16 يوليو 2010 قضى بتنفيذ هذا القانون ،ثم المرسوم الصادر بتطبيق القانون 22.10 رقم 2.11.98 الصادر في17 يونيو 2011كما  نجد قرارا مشتركا لوزير الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة ووزير الفلاحة والصيد البحري وكاتب الدولة لدى وزيرة الطاقة والمعادن والماء والبيئة المكلف بالماء والبيئة رقم 3167.11 صادر في 4 نوفمبر 2011 بشأن تطبيق مقتضيات المادة 2 من المرسوم رقم 2.11.98 بتاريخ 17 يونيو 2011  بتطبيق القانون رقم  22.10 الذكور.

فالمطلع على هذا السلسلة التشريعية قد يلاحض أن المشرع المغربي لم يهتم بهذه المادة (البلاستيك) كمادة ضارة إلى حدود العام 2011 مع القانون 22.10،ومع ذلك فإن التحرك التشريعي هذا لم يكن تحركا مثمرا ولا ناجحا بشكل كلي إذ ما تزال لحدود الساعة تغمر الأسواق أكياس مصنعة بمواد ضارة،ليأتي بعد ذلك ويقرر محو هذه المادة من السوق بشكل مفاجئ بموجب القانون 77.15،الشيئ الذي يدفع العقل إلى التساؤل حوما إذا كان هذا يستهدف الرفع من مستوى العيش بالمجتمع وتعزيز حماية البيئة والسلامة الصحية للمواطنين؟إلا أن هذا التساؤل يقابل بجملة من أوجه النقص  اعترت هذا القانون رقم 77.15فجعلت له آثارا غير هينة على المجتمع؟وعلى المستهلك خصوصا؟

إن أول أثر سلبي نثيره بخصوص هدا القانون هو التناقض بين الباعث والواقع،إذ أن المغرب لايزال يقبع في أسفل ترتيب الدول المراعية للبيئة من خلال سياسته الصناعية والبيئية عموما فبالتالي فهذه الصحوة على حساب مادة البلاستيك تفقد بريقها وإقناعها،خصوصا إذا صادف الأمر مطالعة لأخبار مؤكدة عن تسلم المغرب لشحنة من نفايات أوروبا قادمة من الديار الإيطالية[1] بوزن 250 000 طن لتحرق وينقت رمادها على المواطن المغربي الممنوع من أكياس "البلاستيك" بداعي الرعاية والحماية الصحية والبيئية،ففي هذه النقطة تنتقص قيمة هذا التشريع وتضرب أهدافه عرض الحائط،لرفع التساؤل من جديد:عن أية حمماية نتحدث؟

بل والأغرب من ذلك أنى الوزارة المعنية وهي الوزارة المنتدبة المكلفة بالبيئة قد خرجت بعد انتشار الخبر ببلاغ تأكد فيه أن هذه النفايات المرخص باستيرادها غير خطرة وأنها تستعمل كبديل للطاقة الأأحفورية في مصانع الإسمنت نظرا لقوتها الحرارية وأكدت أنها نفايات تراعي القانون 28.00،لكن الواقع للأسف هو أن الوزارة تداري خيبتها،لأن هذه المواد بالفعل سامة وخطيرة على البيئة بتربها ومحيطها وسمائها وبشرها،فالإتحاد الأوروبي يمنع حرق هكذا نفايات بأرضه حماية للمواطنين الأوروبيين من انبعاثاتها وآثارها على البيئة،فكيف لنفايات ممنوعة من الحرق بالتراب الأوروبي أن تكون نفايات غير ضارة إذن أيها السادة المسؤولون بوزارة البيئة المنتدبة؟،وهل حن مواطنمون من الدرجة الثانية حتى نقبل بهكذا تصرف؟وهل بعد هذا يمكن القول أن ما سيحل مشاكلنا البيئية هو منع الأكياس البلاستيكية؟أم أن الإشكال متصل  بسوء التدبير وانعدام الحكامة؟.

نقطة أخرى لا بد من إثارتها تتعلق بحماية المستهلك المغربي،ومفادها أن هذا القانون يكبل يد المستهلكين المغاربة ويمنعهم تحت طائلة العقوبات المالية الضخمة من استخدام أكياس البلاستيك في نقل مشترياتهم اليومية إلى أسرهم وبيوتهم،وهو ما يشكل عائقا للمستهلك البسيط وتحكما في خصوصيات استهلاكه البسيطة جدا،بل و أكثر من ذلك،ثمة نوع من الغموض يطبع هذه الخطوة تجعلنا نستشرف و نتوقع وقوع المستهلك المغربي البسيط في الإذعان والإحتكار في السوق على مستوى واسع وعام هذه المرة،إذ قد تظهر في الساحة مقاولة مغربية أو أجنبية يوكل إليها تدبير قطاع الأكياس البديلة البيئية،فنكون إدن بذلك هذه الأخيرة مفروضة على المستهلك من حيث لا يدري ويلزم عليه اقتناء أكياسها تحت طائلة الغرامة لاستعمالها في نقل أغديته وتصريف نفاياته المنزلية،وهو ما لا يقبله المنطق القانوني السليم ولا مقتضيات القانون رقم 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك.

دون أن ننسى التساؤل حول مصير الأعداد الطائلة لأجراء مقاولات تصنيع واستيراد الأكياس البلاستيكية بعد أن صار مآل هده المقاولات الموت الاقتصادي أو تغيير النشاط،وهل من ضمانات قانونية لتعويض هؤلاء الأجراء عن الأضرار اللاحقة إياهم من جراء قرار الوزارات المعنية القاضي بتشريع قانون يمنع هذه الأكياس؟

هذا وثمة أسر كثيرة في مغربنا يرتبط كفاف خبزها اليومي ببيع هذه الأكياس في الأسواق والشوارع كمصدر رئيسي للإرتزاق،فماذا عنهم؟و بالتالي هل نحن فعلا نبتغي حماية البيئة والمواطن؟أم أننا نجتر محتويات التشريع الأجنبي و نتبعه دون تخطيط وإمعان؟

إن هذا القانون في رأينا يعد صورة من صور انتكاس الحكامة في تسيير وتوضيف مؤسسة التشريع لخدمة الصالح العام للمجتمع،وقد بقول قائل أن القانون ما وجد إلا للتأقلم مع المجتمع والتفاعل مع حاجاته مهما تضائلت أو تضاخمت،يستوي في ذلك أن يتعلق بالأكياس البلاستيكية أو بالأسلحة النووية والطائرات..لكن الواقع أننا لسنا ننتقد المنطق القانوني وإنما ننتقد التصور التشريعي المنعدم عندنا،وشبح المواكبة الذي يصر على التناقض و التقدم ولو كان صوريا،يمنع أكياس البلاستيك ثم لا يتحرك إذ يستقبل المغرب أطنان من الأزبال والنفايات الأوروبية ليحرقها عنده و ينفث رمادها على أبناءنا في نفس الضرفية الزمانية...،الحداثة لا يجب أن نناجيها بأكبر مول في افريقيا ولا بالبنايات الشاهقة وريادة الأعمال والطرامواي والإلكترونيات والإدارة الرقمية وإنما بالعمل القاعدي،نظرا لأن ما ينقصنا في قيادة مؤسسة التشريع هو البنية,هو الرؤية،هو التصور,أي ذلك التخطيط الممنهج الذي إنما ينطوي على أهـــــــــــــداف مبيتة,توضع نصب الأعين و يراد لها التحقيق بالعمل لينتفع بها المجتمع ولو على مدى أبعد من البعيد،أما العشوائية وإصدار القوانين لسد الفراغات وإسكات أفواه القوى الخارجية وانتقاداتها فقد أثبتث الوقت أنه أسوء من عدم التشريع نفسه ،زيادة على أن اتخاذ القرارات التي تتنافى مع سياسة هذه التشريعات تأتي على مصداقية الأهداف المسطرة في الديباجات والمشهر بها في المنابر،فما يكون علينا إذن فيما يخص مسألة البيئة إلا أن نراجع أوضاع الصناعة في المغرب وانبعاثاتها،ثم أن نتوقف عن قبول نفايات الغير وأن ننظم مسار السياسة البيئية،بدلا من أن نحاول تجاوز هذا كله بقانون يمنع المواطن البسيط من كيس بلاستيكي.


[1] الخبر في الرابط الآتيhttp://www.lesiteinfo.com/2-500-tonnes-dordures-ditalie-sont-arrivees-a-casa/

بقلم ذ أسامة بن جلون
باحت في قوانين الأعمال. عضو المركز المغربي للدراسات والأبحات القانونية المنارة
 


أعلى الصفحة