القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير
تحت عدد: 741
صبيحة الاثنين 16مارس2009اختارت يد المنون عبدالكبير الخطيبي السوسيولوجي والانتروبولوجي المغربي, صاحب الخط العربي والمناضل الطبقي على الطريقة

الثاوية, وغيرها من عشرات العناوين
الموت عند الخطيبي اثارة في ليلة غرامية مضحكة فهو القائل في كتابه المناضل الطبقي الذي الفه سنة 1976وترجمه للعربية سنة 1986كاظم جهاد
- يثيرني الموت
كليلة غرام تجعلني اضحك
تلاثة اشهر تقريبا قبل وفاته , حضر في نقاش فكري ببلاطو دوزيم وكانت تظهر الناقدة امامه في وضع نستحضرمعه مقولته **الا لن يظل حديثي لسع نحلة**
الرجل كتب بالفرنسية فكان فرنسيا اكثر من الفرنسيين, لانه عشق الازدواجية اللسنية, بل كان ملهم رائد النزعة التفكيكية جاك دريدا
مع ان دريدا بدا خلال استظافاته الاخيرة قبل رحيله ببلاطو الميديا بفرنسا , اظهر نفسه كايها الامبرياليين المباركين للوحشية الاستغلالية ,المتطابقة والمتكاملة والمتعاقدة مع المافيات المحلية الحاكمة بمعظم مستعمرات العالم التالث سابقا ,من قبل الغرب الاورو – امريكي
بينما عبدالكبير الخطيبي ,فقد حاول حتى اخر رمق من حياته ,ان يصدر كتابا عنونه بلا ,لاالرافضة كما عند الحبيب الفرقاني ,مع اختلاف الانتماءات الجغرافية واثرها على حيواتهما ,فالاول دكالي يغترف من ثقافة المازغان ,والثاني من الاطلس الكبير لمغترف من اذون اومليل- امليل- كما في ملحمة غالغاميش
في كتابه لا ,يوضح عبدالكبير الخطيبي مواقفه السياسية الواضحة ,من الصهيونية ,حيث اكد ان الغرب هو منبع الصهيونيةو معادة اليهود ,فهل تعتقدون ان مجازر ابن تومرت والونشريس التصفوية لليهود ,وقبله حمامة الزيري بفاس ,وما بعدهما هل ستقدم عليها المافيات المحلية لذلك الابان دون مباركة من صنعوهم ,بالطبع لا ,الصدف في هكذا امور لاوجود لها حتى في الخيال
تناقضات العقل الغربي ,جسدها ايضا مطاع صفدي في كتابه ,عدوانية العقل الغربي ,وما نراه الان من تغيير الانظمة السياسية بالقوة ,والتماهي المطبق بين الامبريالية الجشعة والمافيات المحلية الخدومة ,الا تجسيدات عيانية لنهاية مرحلة وبداية اخرى,في اطار حلزونيىة سبئية متكررة يعرفها الجميع
عبدالكبيرالخطيبي في كتابه لا,يوضح ان صيحاته لم تلق أي صدى فكتمها, محتفظا بالاسئلة ,فقال من ثمة لاللصمت حول جرائم الصهيونية ,ونعم للمقاومة الفلسطينية وذوذها عن كينونة شعب ايل للامحاء من الوجود ,بفعل التهجير القسري ,ومصادرة حق العودة
لقد يئس الخطيبي من اليسار الفرنسي الذي عول عليه في نصرة القومية الفلسطينية ,لكنها نتهى للغثيان الابيض كما سماه ,الناجم عن نرجسية الاعجاب بالذات, انها حمى بيضاء تجمع بين الخطيئة والعقاب في معادلة الشعور بالذنب
الصهيونية في نظر الخطيبي هي انتصار ليهودية شوفينية ,مختلفة عن الماركسية والفرويدية والتروتسكية
صهيونية ابناء صاهي,هي فعلا يهودية شوفينية ,تبخس بقية الاطياف من اولاد شمعون ويعقوب واسحاق وهارون وموسى, اضافة للفصائل العبرانية الاسماعيلية القديمة ,فالصهيونية من خلال تفردها بالاراضي وخدمات الجنس والابنكة والتامين ,افسدت اخلاق الشعوب ومعتقداتهم ,فليوطي وعهداته الصهيونية بتامسناالبيضاء وبرغواط الرباط ,هو استاذ نجيب لبلفور ,كانت تلك محض بدايات, حولت كل العالم الان لمصالح تجزئاتية صهيونية ,وصدق الشاعر الجواهري حين اعتبر ما يستحدثونه عهده به القدم
من بوابة قطاعات الهندسة التبعية لتلك الامبرياليات, افسدت الهوية ومن ثمة المواطنة والاممية ,فتحولت معظم الدول الى مقاطعات صهيونية تاتمر باوامر الاسياد الكبار ,الذين تنتهي اليهم كل الخيوط ,وما مشاكل الارث والتركات بالعالم العربي, الا انموذج صغير ,للواقع المزري الذي انتهت اليه المعدالات المحلية ,حيث البيروقراط والامنيين وكافة القطاعات يتعامل معهم وكجياد البريد لقضاء المصالح الاستغلالية ,وبعد ذلك تردد معزوفة جاك بريل ,مع الاتي – اوسويفون-
الخطيبي يؤكد ان سارتر كان ملهم المغاربيين الطلبة بباريز ,من خلال وثبته الثورية التي خلقت ابانها وجدا ثوريا عظيما
لكن سارتر فيما بعد حينما تعلق الامر بالقضية الفلسطينية فانه صار جزء من عار الراي الغربي,ذلك ان سارتر يعاني وفق رايه تمزق شديد مع نفسه حيال الصرارع الفلسطيني الاسرائيلي ,فهذا الحياد اعتبره الخطيبي تبرير تكذيبي ,ولحد الان يمكن فهم القضية
ان اليمين العسكري الفرنسي مع دوغول ضحى بالكثير مع العرب ,بينما الرجعيات الاستعلاماتية المتيسرة الفرنكفونية فقد كانت لها نفس النبرة ,مع فلسطين والعراق لاحقا, وقس على ذلك وقبل ذلك, القضية الجزائرية ,فالخطيبي يوضح ان الاعجاب بسارتر المساند للقضية الجزائرية توارى واختفى مع القضية الفلسطينية
لماذا الرجعيات الاستعلاماتية المتيسرة تتقن الحربائية مع القضايا ؟ولماذا لم تعتمد مبدا مساندة القضايا العادلة ؟هذا الاشكال امتد ايضا للمنطقة المغاربية وغير ذلك,الكل بتعبير الخطيبي تعمه فجوة ساخرة
الخطيبي ليس فقط مفكر التعدد اللسني بل ايضا مفكر التنوع في كل شيئ بل هو صاحب العبارة المدوية في سمع الزمان
-اذا انقلبت جميع الشعوب للون الاحمر
-فما سيبقى من قوس القزح
وسبق ان وضحنا الفرق بين معطف افلاطون الذي فيه كل الالوان المحيلة على وحدة الرؤيا ,أي المطلق التوحدي ,وبين القزحية المحيلة على تعدد الرؤيا ,وهذا الاشكال كان سائدا ابان صراع المحور والحلفاء ,وتبث الان ان جذوره ترجع الى فشل في المنظومات المعرفية والفكرية ,في تغيير مسارات وعي الانتروبولوجيات البدائية ,لانه الان بعض الفئات المتنورة هناوهناك ,لاتفيد أي تغيير على المستوى الانتروبولوجي التوارثي الذي احتفظ بسماته الابيسية والاميسية كما رسمتها الدراسات منذ الازل ,لذلك حينما بلغ الوعي السوسيولوجي عند الاكاديميين المغاربة مستوى معين في غرة السبعينيات من القرن الماضي, سرعان ماعجل باغلاق المعهد السوسيولوجي الذي يراسه الخطيبي, على الطريقة التي اغلقت بها النازية المعهد السوسيولوجي الالماني المسمى لاحقا مدرسة فرانكفورت ,الجواب على كل هذه التساءلات ,تجدونه في ان هناك عدة ترواث وخيرات ارضية ومنجمية وبشرية ,اتفق سريا على الاجهاز عليها من قبل المافيات المحلية والامبرياليات الاستغلالية الغربية اكانت اوربية او امريكية او اسيوية لايهم انتمائها القاري ,فالمغرب والجزائر مثلا اخضعته تلك المصالح لنفس منطق المانيا المشتتة الى شرقية وغربية ,فالمافيات المحلية في البلدين تضطران لتمار عبر المركز او الدماغ الذي يفرق عنده كل امر عظيم ,بباريز وجنيف وموسكو واشنطن وبرلين ومدريد قرة الاعين

الخطيبي يساءل الاشياء بعمق ثاقب حكمي يصعب محاججته لقوة برهانيته, فالشموخ والحقيقة عنده محض كلمات لتكوين جمل, أي ان الرجل لغويا لايلتفت للجملة بقدرما يستهويه معنى فعل الكلمة و فالجملة عنده تكمن في المعنى الذي تبثه فيها الكلمات, فاسمعه في حسمياته حين يقول
-التاريخ كلمة
-الايديولوجيا كلمة
-الاشعور كلمة
-الحقيقة محض كلمة لبناء جملة
-الراسمالية والاشتراكية والقومية
-تغيير كل كلمة يفترض تغيير النهج
-ولكن الشموخ محض كلمة لبناء جملة
-في افواه الجهلة ترفرف الكلمات
الخطيبي يؤكد على ان المفكر العضوي الذي لايسعفه التطبيق ,يكون واقعه كالذي وصفه القديس يوحنا في الفصل التالث ***لكن بما انك فاتر لاحار ولابارد, فقد اوشكت ان اتقياك من فمي ***فالقضايا العادلة تحتاج الى مواقف يعززها الفعل ,وهذا موجود ايضا في فكر ما كيافيلي حين اشار الى ان النبي موسى تعوزه قوة الرجال فلم ينتصر ,بينما النبي محمد صلع فقد صنعت القوة انتصاره
الخطيبي على اعتبار انتمائه لزمنية تتقاذفتها الايديولوجيات من فاشستية وماركسية وليبرالية, حاول على غرار شخصية زاديك عند فولتير,الذي قال عنه فولتير انه من الصعب احيانا ان يكون المرء عارفا كل شيئ , الخطيبي خلق شخصية* المناضل الطبقي*ليجعله رسوله الذي يعارك به في ارض تبتلع من يتحرك فوقها
فالمناضل الطبقي له عدو طبقي ايضا ,والمناضل الطبقي يتيم وسيد في يتمه, واليتم عند المناضل الطبقي يكمن في كون عدوه يريده عبدا والاخير يتصدى له بالمعرفة اليتيمة التي يعلمها الخطيبي ,وبها يتعلم ان السيدة تحرق العدو الطبقي كما تحرق النار كلبا من القش ,ولكي يحارب المناضل الطبقي العدو الطبقي, يلزمه ان يكون امامه حشرة سامة, لان سياسة المناضل الطبقي ترسم مصيريا في قوس قزح بل ينصح المناضل الطبقي ان يكون متحركا عصيا على القبض, لان الوجود الزمني عند الخطيبي فن رحال يعلم فيه السفر اليتيم ,والمناضل الطبقي لاتستويه الثورات العظيمة بل تقهره وتبتلعه, لان قانونها ان لااحطم طبقة اخرى بينما التاريخ هو ابن انقلاب الثورة على نفسها ,والمناضل الطبقي يحمل اليشب في صدره ولايتخشب في انتمائه لشعر المعرفة او معرفة الشعر كيفما اتفق, ورشاقة لغة الخطيبي ليتعلمها تلميذه النجيب المناضل الطبقي يلزمه النهوض, أي ليست خطاب قعود او جلوس كما في ديكتاتور محمود درويش, وهذا هو الفرق حتى لانخلط بين الشخوص مع الاحتفاظ لكل من الخطيبي ودرويش باستاذيتهما واعذارهما في عدم اختيارهما لتلامذتهما, بين تلميذ كسول له خطاب جلوس, ومناضل طبقي نجيب اختير له خطاب النهوض, قد تقول بان خطاب درويش في الديكتاتور هو نفسه خطاب العدو الطبقي عند الخطيبي, نعم اصبت لذلك ينصح الخطيبي المناضل الطبقي بما يلي

-بعد التعذيب
-افضح معذبيك
بل ينصح الخطيبي المناضل الطبقي بان يتعلم تقشف الافعل وينفتح بصرامة على الا-ملكية وسر التذوق عنده يكمن في اكل هذا وداك, وحين يمرض المناضل الطبقي ولكي يمزق الطب الطبقي ينصحه بالتداوي بالتابير او الوخز بالابر الصيني, وليوفر المناضل الطبقي قوته في اقتسام السلطة ينصحه بان يكون عبارا يقظا في ممارسة السلطة, وان ينقض على عدوه الطبقي ويجذب خصمه مرارا قبل صرعه, وحين فطن الخطيبي ان لن يكون احد مكانه في تعويض المناضل الطبقي
تقمصه
المناضل العادي لايرضع من ثدي امه ولامن جسم ابيه وانما يبتلعهما رمزيا ,بينما المناضلون الطبقيون لهم قوة تفرز ندى يهيم على الشعوب ويخنقون الاسئلة المحاصرة لهم, بقذف السهم في قلب الجرح ,بتلك الطريقة يتعلم متعة الا-اثم, حيث الجماع الرائع في مجامعة الجماع
الخطيبي ميز الكاتب الجيد والقارئ الجيد, والكتاب الجيد لتحقيق فضيلة طبقية, فالكاتب الجيد يغري اولا, ويقدم السم ثانيا, ويسمم نفسه اثناء الكتابة ,والقارئ الجيد يتجرع السم بالطبع لكنه من النشوة لايموت والكتاب الجيد يتبع الترحال الاعظم, ومع ذلك فالكتابة تزرع التفاءل عند الخطيبي وتطبع الانسان بفرح في الكون
كتابات الخطيبي الكثيرة تحتاج مناقشتها الى مجلدات, لانها لم تلتفت الى الاختلاف بل الى اختلاف الاختلاف, فالامر يتعلق بجمل فعلية يسكنها المعنى وتغمرها الكلمات, لذلك اتوقع ان كتابات ردود الافعال لن تنساب الى اغوار نقوش الجمل النورانية التي خطها الخطيبي ببطء عميق, ويكفي مغربيا ان اجيال السبعينيات التي اطلعت على كتابات الخطيبي تشبعت بها وكانها مدركة صعوبة ميلاد شيئ اسمه ما بعد الخطيبي, وكانه لايزال حيا بيننا وهو يردد

-ولكن ها انا انتشي بكلمة الموت
-فيما يحلق بقربي الطائر السكران
-التفت واحدق بغمام ابيض
نعم الخطيبي مفكر الامفكر فيه كما اسلفنا مع السياب بدر شاكر الذي اعتبر الموت بداية حياة جديدة, كذلك الامر مع احد اركان المعنى الخطيبي, الذي اعتبر الموت انتشاء وليلة غرام مضحكة ,اسكن الله الخطيبي فسيح جنانه والهم محبيه وذويه الصبر ,بعد عشر سنوات على رحيله ,استيقظنا الان على معضلات انتروبولوجية ,تظهر ان جريمة اغلاق المعهد السوسيولوجي المغربي ,هي جريمة تواطئ عليها الذين يخافون فك الارتباط بين مختلف الاستغلاليات التي ,تواطئت عليها المافيات المحلية مع نظيراتها الامبريالية الغربية

لا قالها الخطيبي ,وهي لاالرافضة للاستغلال خاصة المتوحش منه ,تتغير الاجيال وتغير الاستغلاليات وخدومتها المحلية اساليبها في الهيمنة ,ومراكمة الترواث ,كثيرون يرددون ان غدا لناظره قريب ,واليوم كما وصفه فريد الاطرش الامير الكسروي منذ ازمان ,هو يوم بلا غد ,الخطيبي كان في الموعد مع الطائر السكران ,بينما سميح القاسم انتظر الموعد مع طائر الرعد ,لاما الواقع فكما ترونه تتقاسمه الغرابين والبوم ,واقع لايخطا فيه البدر موعد مع الضحى ,لكن هيمنة البشر على البشر ,واستغلال البشر للبشر ,جعلته مجرد فانوس كايها الفوانيس

بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير