القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد لمزوغي
رئيس المحكمة الإدارية بالدار البيضاء
تحت عدد: 243
لا شك أن بناء المسار الديمقراطي يتطلب إحاطة مختلف المحطات الانتخابية بالضمانات

القانونية والقضائية الكفيلة بضمان المناخ الملائم للتباري والتنافس الحر والنزيه بين مختلف الهيئات المشاركة في العملية الانتخابية.

ورغبة في المساهمة في النقاش القانوني الذي يواكب المنظومة القانونية المنظمة للانتخابات انطلاقا من القيد في اللوائح الانتخابية إلى غاية الإعلان عن نتائج الاقتراع، ومن منطلق الوعي بأهمية دور القضاء في مواكبة العملية الانتخابية، وإرساء دولة القانون والمؤسسات، فقد ارتأيت  تسليط الضوء على بعض الإشكاليات المرتبطة بتطبيق القانون الانتخابي ودور القضاء الإداري باعتباره صاحب الولاية العامة للبت في المنازعات الانتخابية، في ظل إشراك المحاكم الابتدائية للبت في بعض الطعون، وذلك من خلال قراءة نقدية  للأحكام الانتقالية المنظمة للطعن في اللوائح الانتخابية.

وأهمية مناقشة هذه النقطة تكمن في كون اللوائح الانتخابية تعد الأساس الذي يضمن ممارسة الحق في الانتخاب، عبر تحديد كثلة الهيئة الناخبة وحصرها في قوائم محددة يتم مراجعتها وتحيينها بشكل دوري للاستجابة للتغيرات التي تحدث بفعل اكتمال أو فقدان الأهلية الانتخابية، أو تغيير مكان الإقامة أو الوفاة او الأخطاء التي يمكن أن تنتج عن التقييدات المكررة وغيرها من الحالات التي تبرر القيد او التشطيب من اللوائح الانتخابية.

وقد خول القانون لكل شخص تم شطب اسمه من طرف اللجان الادارية المختصة الحق في عرض شكايته على لجنة الفصل، والطعن في قرار الشطب امام المحاكم المختصة داخل اجل محدد، على اعتبار ان القضاء هو الضامن لسلامة العمليات الانتخابية.

وما أثارني لبحث هذا الموضوع هو تذمر بعض المتقاضين من الاحكام الصادرة عن المحاكم الادارية التي قضت برفض طعنهم تطبيقا لمقتضيات المادة 133 من الظهير الشريف رقم 171.11.1 المؤرخ في 30 من ذي القعدة 1432 (28 أكتوبر 2011) بتنفيذ القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة...

 

 

اذ نصت مقتضيات المادة 133 من القانون رقم 57.11  في القسم السابع المتعلق بالاحكام الانتقالية والختامية على ما يلي:" بصفة انتقالية، واستثناء من أحكام المادتين 45 و 46 من هذا القانون، فإن الطعون المتعلقة بالقيد في اللوائح الانتخابية تقدم وجوبا أمام المحكمة الابتدائية المختصة وفقا للكيفيات وفي الاجال المحددة في المادتين المذكورتين وتبت المحكمة طبقا لأحكام هاتين المادتين.

غير أن الأحكام الاستثنائية المنصوص عليها في الفقرة السابقة لا تطبق في العمالات والاقاليم حيث يوجد مقر محكمة إدارية.

في حالة الطعن أمام المحكمة الإدارية مع وجود اختصاص محكمة ابتدائية بالنظر في الطعن بموجب الفقرة الأولى أعلاه يجب على المحكمة الإدارية رفض الطعن المقدم أمامها".

ويبدو أن الهاجس الذي طغى على واضعي هذا القانون، من خلال مد الاختصاص للبت في الطعون المرتبطة باللوائح الانتخابية ليشمل علاوة على المحاكم الإدارية ذات الولاية العامة في المادة الانتخابية، المحاكم الابتدائية أيضا، هو تقريب القضاء من المواطن، وهو مبدأ هام وأساسي ولا شك، غير أن تقريب العدالة إلى المواطن يبقى هدفا أسمى وأجل، ما دامت العبرة بالإنصاف والعدل في اقتضاء الحقوق، لا بالمسارعة في إصدار الأحكام القضائية.

فإذا كان تقريب القضاء من المواطن، يسهل عليه الولوج المادي للقضاء، فإن هذا الحق باعتباره حقا لصالح المواطن، لا ينبغي ان يكون قيدا على حقه في الخيار واللجوء الى القضاء الذي يرى فيه الضمانات الكافية لإنصافه، إذ يصبح الامر بمثابة عرقلة للحق في الولوج إلى العدالة والقضاء المختص.

فالقضاء الإداري بحكم التخصص في المادة الإدارية، ورئاسة رئيس المحكمة للجلسات، والدراسة الأولية للملفات، واعتبارا لكونه المجال الطبيعي لرقابة المشروعية، استطاع أن يراكم تجربة كبيرة في هذا المجال، وفق ما تشهد به الاجتهادات المتميزة الصادرة عن المحاكم الإدارية منذ إحداثها، والتي استطاعت أن تؤسس لعدة قواعد ساهمت في تخليق العملية الانتخابية وإزالة بعض الشوائب التي تلحقها. وهو تميز يكفي لملاحظته مقارنة الوضع القضائي السابق عن احداثها مع الوضع بعد الشروع في عملها لنلمس الفرق الكبير والبون الشاسع في التعامل مع خصوصية المنازعة الانتخابية والضمانات التي استطاعت ان توفرها للمتقاضين.

فبفضل تجربة القاضي الإداري وحنكته، استطاعت المحاكم الادارية ان تعرف قفزة نوعية في التعامل مع الطعون الانتخابية، من خلال السرعة في البت فيها، ووضع حد لكل الممارسات التي كانت تتوخى التحكم مسبقا في النتائج الانتخابية من خلال ما كان يعرف "بعمليات الانزال"  أو التعسف في عمليات التشطيب على الناخبين من اللوائح لاسباب غير مبررة، تنبهت لها فطنة القاضي الاداري، فكانت الاحكام الصادرة محل ارتياح لدى المتقاضين سواء كانت ايجابية أو سلبية بالنسبة لهم مما جعل ثقة المواطن بالقضاء الإداري ترتفع إلى درجة أعلى.

ولا شك أن الدفاع عن دور القضاء الإداري باعتباره صاحب الولاية العامة لا ينبغي ان يفهم منه التنقيص من دور المحاكم الابتدائية، وإنما فقط إبراز أهمية التخصص، إذ يبقى القاضي المدني الفرد بعيدا عن فهم روح المادة الإدارية وخصوصيتها التي لا تخفى على القاضي الاداري الممارس، بل إن كثيرا من المتقاضين، يفضلون التقاضي أمام المحاكم الإدارية، ولا يكترثون لعامل القرب الجغرافي، ما دام الأهم هو اقتضاء الحق والبحث عن العدل والإنصاف.

وإذا كنت لا أرى مانعا من إشراك المحاكم الابتدائية، في البت في هذه الطعون، فإن صيغة النص التي أوجبت تقديم الطعن أمامها هي ما يثير التساؤل عن الغاية التي توخاها المشرع من هذا المقتضى، بتقليص اختصاص المحاكم الإدارية، دون بيان وجه الضرر في الإبقاء على اختصاصها، فكان الأولى بالمشرع الإبقاء على الحق في الخيار بين اللجوء إلى المحكمة الإدارية أو المحكمة الابتدائية، باعتباره من ضمانات التقاضي.

كما يلاحظ غياب الدقة في الصياغة القانونية للمقتضيات المشار إليها أعلاه، ويبرز هذا الأمر في الأثر القانوني الذي قرره المشرع، عند تقديم الطعن أمام المحكمة الإدارية والحال انه كان عليه تقديمه وجوبا أمام المحكمة الابتدائية.

فالمشرع نص على وجوب تقديم الطعون المتعلقة بالقيد في اللوائح الانتخابية أمام المحكمة الابتدائية المختصة باستثناء العمالات والاقاليم التي يوجد بها مقر محكمة إدارية.

وصيغة الوجوب هذه جعلت من اختصاص المحكمة الإدارية استثناء، خاصة إذا علمنا أن عددها لا يتعدى سبعة محاكم، وما دام أفق زيادة عددها لم يعد واضحا، فإن هذه الأحكام الانتقالية والاستثنائية أصبحت مستقرة ودائمة. والمشكل الذي تطرحه صيغة الوجوب يرتبط بالأثر المنصوص عليه في الفقرة الثالثة والأخيرة من المادة 133 المشار إليها أعلاه.

فطبقا للمادة المذكورة فإنه في حالة الطعن أمام المحكمة الإدارية مع وجود اختصاص محكمة ابتدائية بالنظر في هذا الطعن يجب على المحكمة الإدارية رفض الطعن المقدم أمامها.

وبذلك يكون المشرع قد ألزم المحكمة الإدارية بالحكم برفض الطعن، مع أنها تظل دائما صاحبة الولاية العامة للبت في المنازعات الإدارية التي تعتبر الانتخابات جزءا أصيلا منها، وبالتالي لا يصح القول بأن الأمر يتعلق بعدم اختصاص نوعي، غير انه مع انعقاد اختصاصها النوعي للبت، أوجب المشرع على المحكمة التصريح برفض الطعن من تلقاء نفسها بعلة ان الاختصاص منعقد ترابيا لمحكمة أخرى، وهنا يثار التساؤل: متى كان الاختصاص المحلي من النظام العام حتى يمكن اثارته تلقائيا؟.

ومن جهة أخرى كيف أمكن ترتيب هذا الجزاء أي " رفض الطعن المقدم أمام المحكمة الادارية لاختصاص محكمة ابتدائية أخرى" والحال أن الرفض وفق ما يقره القانون واستقر عليه الفقه والقضاء، لا يكون إلا في الحالة التي تبسط فيها المحكمة رقابتها على موضوع الدعوى من خلال بحث مدى مشروعية الطعن، أي بعد أن تتجاوز الاختصاص والبت في الشكل الى الفصل في جوهر الدعوى، فالمعلوم لدى المشتغلين بالقانون أن المحكمة إذا بتت في الشكل صرحت بعدم قبول الطلب، أما اذا نظرت في موضوع الدعوى وتبين لها انه غير مرتكز على أساس من القانون قضت برفض الطلب وإلا ألغته.

إن العلم بميكانيزمات العمل القضائي، يجعل التمييز واضحا بين المسطرة التواجهية والمسطرة غير التواجهية، ولا يحكم  برفض الطلب الا اذا كان غير مؤسس من الناحية القانونية، أما في اطار المسطرة غير التواجهية، كما هو الشأن بالنسبة للاوامر الصادرة عن رئيس المحكمة في اطار الفصل 148 من ق م م، فيمكن الحكم برفض الطلب لعدم الاختصاص المحلي، بالنظر لعدم وجود اي طرف لاثارة هذا الدفع، فما محل ما جاءت به المادة 133 من هذه القواعد. وهل الأحكام الانتقالية تبرر خرق المبادئ العامة للقانون؟

ومن يتحمل مسؤولية فوات اجل الطعن في هذه الحالة، علما أنه في حالة الرفض لا يكون بإمكان المتقاضي تدارك الأمر نظرا لفوات أجل دعوى الإلغاء، بخلاف حالات رفع الدعوى أمام محكمة غير مختصة فإذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها انقطع أجل الطعن.

ألم يكن حريا بالمشرع أن ينأى بنفسه عن متاهات ترتيب هذا الأثر القانوني، واستحضار المبادئ العامة للقانون، وجعل مصلحة المواطن أولى بالاعتبار بترك حق الخيار له في اللجوء الى المحكمة الابتدائية إن كان هاجسه القرب، أو تحمل مشاق البعد الجغرافي إن كان هاجسه البحث عن العدل والإنصاف من القضاء الأقرب إلى فهم كنه المنازعة والقادر على الاجتهاد لإيجاد الحلول المناسبة عندما يصطدم بجمود النص، وفق ما دأب عليه الاجتهاد القضائي الإداري.

 

والله ولي التوفيق

 

بقلم ذ محمد لمزوغي
رئيس المحكمة الإدارية بالدار البيضاء
 


أعلى الصفحة