القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ رشيد بوهدي
باحث في ماستر القانون المدني ،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة ابن زهر أكادير
تحت عدد: 297
لقد أفضت الاختلات التي شهدتها بعض عمليات

تشييد المباني في المغرب ، إلى جانب قدمها، و عدم صيانتها ، إلى مجموعة من الآثار السلبية، أخطرها سقوط بعض البنيات ، وما تبع ذلك من إزهاق أرواح بريئة ، وتعرضها لعاهات مستديمة .

وبهذا الشكل فانه يدخل في حكم المبنى الأيل للسقوط ، أو القابل للانهيار ، كل مبنى ينطوي على خلل في إنشائه، أو كل مبنى طرأ عليه عارض ، أفضى إلى وجود خطر نتيجة حوادث أو كوارث طبيعية ، أثرت على المبنى وعلى مكوناته ، مما يجعله قابل للانهيار في أية لحظة ، الأمر الذي يستوجب ترميمه إذا كان قابل للترميم، أو إزالته في عكس ذلك من أجل الحفاظ على سلامة الناس وأموالهم .

ولا تخفى علينا النتائج والأضرار الأخرى التي تشكلها هذه المباني على أفراد المجتمع، بحيث إنها تمس طمأنينتهم وأمنهم، ونحن نعلم اليوم أن اغلب قاطني هذه البنايات من الفئات الفقيرة في المجتمع، والتي يصعب عليها اقتناء منزل جديد تتوفر فيه مقومات السكن الصالح .

وإذا كان انتشار هذه المباني يهدد الساكنة وأمن المجتمع كما أشرنا إليه، فإن إهمال التراث الحضاري وتبني العشوائية في إنشاء الأماكن العمومية  سيضر لا محالة بسمعة البلاد والرقي بها، الأمر الذي يتعين معه على الجهات المعنية [1] العناية بالمآثر العمرانية التراثية عبر إعادة ترميمها وتدعيمها وإحداث أماكن عمومية ترقى بالساكنة وتواكب التطور الذي تشهده الدول المتقدمة .

على هذا الأساس ودراية من للمشرع بهذه الأمور، فقد عمل على تعزيز المنظومة التشريعية والقانونية في البلاد ، بإصداره للقانون رقم 94.12 [2] المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري .

فأول ما يمكن استحسانه حول هذا القانون،أن المشرع عمل على ضبط المصطلحات ،حيث إنه بمقتضى المادة الثانية منه ، لم يدع أي مجال للشك حول المباني المستهدفة من هذا القانون، وذلك بتبنيه مفهوما شاملا ، حدد من خلاله المباني المشمولة بهذه المقتضيات القانونية في كل بناية أو منشأة كيفما كان نوعها،والتي يترتب عن انهيارها إضرار بسلامة القاطنين فيها أو مستغليها ،وحتى الأشخاص المارين بقربها، وكذا البنايات المجاورة لها، ولو لم تكن متصلة بها.

كما حدد المشرع في القانون المذكور الأشخاص الذين يقع عليهم عبئ تحمل الأضرار والصيانة بموجب المادة الثالثة والرابعة والخامسة، الواردة في الفصل الثاني من الباب الثاني، حيث تقع المسؤولية بمقتضى المادة الثالثة على كل مالك سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا يخضع للقانون العام أو الخاص .

 كما ألزمت المادة الرابعة المستفيد من البناية سواء كان مالكا أو مستغلا باتخاذ كافة الإجراءات الضرورية الكفيلة بدفع الضرر .

ومن أجل تحقيق السرعة في اتخاذ الإجراءات لم تشدد المادة الخامسة في وسائل تبليغ رئيس المجلس أو السلطة المحلية ، كما أنها لم تحصر المعني بواجب التبليغ في شخص المالك ، بل أوقعت واجب التبليغ بالخطر حتى على مكتري أو شاغل أو مستغل المبنى، مما يعني أي كل شخص يوجد بالعقار ويستفيد منه يكون ملزما بتبليغ رئيس المجلس الجماعي بالخطر الذي يهدد البناية .

وقد تناول الفصل الثاني من الباب الأول التدابير المتعلقة بمعالجة المباني الآيلة للسقوط،

 والتي يسهر رئيس الجماعة على تفعيلها بغية معالجتها ،حيث خولت له المادة السادسة إمكانية اعتماده لخبرة تقنية ، أو اعتماده على تقرير اللجنة الإقليمية لكي يتحد قرارا حاسما في شان المبنى، إما بالتثبيت والدعم وإما بالهدم ،كما خولت له المادة السابعة الحق في إتخاد كافة الإجراءات الاحتياطية و الاستعجالية في الموضوع.

ولقد كان المشرع مدركا بالعوائق المادية التي يمكن أن تعتري تنفيذ قرار رئيس المجلس الجماعي ، فأجيز له بموجب المادة السابعة الحق في الاستعانة بالقوة العمومية، شريطة احترام مسطرة شكلية ،تتجلى في إرسال الرئيس  طلب كتابي إلى عامل العمالة أو الإقليم الذي يتواجد به العقار المعني .

وفي حالة ما تهاون أو امتنع رئيس المجلس الجماعي في اتخاد الإجراءات الضرورية ،أو تعذر عليه ذلك لسبب من الأسباب، فانه وحفاظا على سلامة الأشخاص، نجد أن المشرع في المادة الثامنة فطن لهذا الأمر، حينما استوجب على عامل العمالة أو الإقليم الحرص على مطالبة الرئيس بالقيام بتلك الإجراءات، وفي حالة استمراره في الامتناع وبعد مرور أجل سبعة أيام ،أمكن للعامل أو من يقوم مقامه أن يقوم مباشرة بإحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية كي تبث فيه بصفة إستعجالية.

وبخصوص عمليات التجديد الحضري نجد المشرع في المادة 22 قد حدد الأهداف الأساسية من وراء إحداث تصميم التجديد الحضري، من قبيل تأهيل النسيج المبني والتراث المعماري والعمراني، وتحسين التجهيزات العمومية ،إحداث مناطق خضراء وغيرها من الأهداف الأخرى، والتي يبدوا أن تفعيلها عمليا سيؤدي إلى الرقي بالساكنة ،وتحسين بيئتها على نحو أفضل.

هذا التصميم ليتم إخراجه على أمر الواقع، يمر عبر مجموعة من المراحل والتي تبرز فيها بعض الأجهزة، أهمها رئيس المجلس الجماعي واللجنة الإقليمية المحدثة بكل عمالة تحت رئاسة العامل .

ومن خلال تفحص مكونات هذه اللجنة يتضح لنا بجلاء مدى كفاءة أعضاءها ،وهي التي تتكون من رؤساء مجالس الجماعات، ومدير الوكالة الحضرية، والمحافظ العقاري، ثم ممثل مصالح الوقاية المدنية.

ونظرا لاختلاف درجة الخطورة التي قد تتسم بها المباني التي توجد بها عوارض السقوط، فقد عمل المشرع المغربي على التمييز بين الأعمال التي يعمل بها في شأن المباني الآيلة للسقوط في الحالات العادية في الفرع الثاني من الباب الثاني ،في حين تناول ما يتم القيام به من إجراءات إصلاحية بالنسبة للمباني الآيلة للسقوط في الحالات الإستعجالية في الفرع الثالث من نفس الباب.

ويبدوا لي أن المشرع توفق في التمييز بين هاتين الحالتين، بناءا على درجة الخطورة التي تكتسيها كل حالة .

ولقد أفرد المشرع الباب الثالث للوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الأيلة للسقوط، حيث ارتقت بها المادة 32 إلى درجة وكالة قائمة للوجود، ومنحتها الشخصية الاعتبارية العمومية،والتي سعى من خلالها المشرع على ضمان نجاعة تفعيل هذا القانون، حيث يمكن لها ذلك بناءا على الأجهزة والوسائل والاختصاصات المنوطة بها.

ومن أجل ضمان التزام أطرها بالمهام الموكولة إليهم، وتماشيا مع المبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة[3] تم إخضاعها للوصاية بموجب المادة 33، كما تم جعلها محل للمراقبة من طرف المجلس الأعلى للحسابات والهيئات الأخرى.

وما يشد انتباهنا حول هذه الوكالة، هو أن المشرع لم يجعل دورها مقتصرا على الدور الاستشاري، فالمواد 38.35.34 تأكد لنا أن اختصاص الوكالة يتعدى تقديم الاقتراحات والاستشارات، و أكبر مثال على ذلك توكيل الوكالة مهام من قبيل التأهيل والإشراف على عمليات التهيئة العقارية، وحتى تملك الأراضي من خلال نزع الملكية، مما يعني أن المشرع منح للوكالة دور بارز وقوي.

ومما يزيد من تبيان مكانة هذه الوكالة أن المشرع لم يؤسسها على نحو عشوائي، بل انه خصص تدابير مهمة لتنشيط ميزانيتها من خلال المادة 42 من  الباب الثالث المتعلق بالتنظيم المالي، بحيث إنه حصر موارد ونفقات  الوكالة في أمور مهمة، وذلك حتى يتسنى لها القيام بدورها على أكمل وجه.

ولقد حددت المادة 47 الأشخاص المؤهلين لمراقبة المباني الآيلة للسقوط ،في ضباط الشرطة القضائية، والأعوان التابعين للوكالة، وموظفو الجماعات المكلفون من طرف رؤساء المجالس للقيام بهذه الرقابة، وكذلك الخبراء الذين تتم الاستعانة بهم من طرف رؤساء المجالس الجماعية أو الإدارة أو الوكالة بصفة استثنائية، لإعمال الرقابة.

ويبدوا لي أن فتح الباب أمام هذه الجهات دون حصرها في ضباط الشرطة القضائية، له ما يبرره، سيما إذا ما علمنا وجود كثير من البنايات المعرضة للسقوط في الأحياء الشعبية، وكذا التدقيق الذي يحتاجه الأمر، وبالتالي يكون المشرع موفقا إلى حد كبير في فتح المجال أمام جهات أخرى .

وحتى تحمل مقتضيات هذا القانون على محمل الجد، فقد جاءت المواد 51 و52 من بمقتضيات زجرية  تطبق على كل من خالف هدا القانون.

فالمادة 51 [4] عملت على الردع بعقوبة الجنحة والغرامة، على كل من امتنع عمدا عن الامتثال لتنفيذ الأشغال التي قررتها الإدارة بعد إنذارها له واستمراره في اعمار المبنى الأيل للسقوط ،وكذا كل من خولت له نفسه أن يقف حجر عثرة أمام تنفيذ الأشغال المقررة.

هذا بالنسبة للمادة 51 ،أما بخصوص المادة 52 [5] ودائما في إطار المقتضيات الزجرية، فمن خلالها يبدوا أن المشرع قد عاقب على الإثراء غير المشروع على حساب المباني المستهدفة من القرار الإداري، والتي تم اعتبارها آيلة للسقوط ،حيث أنه عكس مدة وقيمة العقوبة في المادة 51 ،فإن المادة 52 ونظرا للنية للسيئة لمرتكب الفعل، فإنه تم الرفع من قيمة العقوبة الجنحية والغرامة .



[1]  السلطات المحلية  ورئيس المجلس الجماعي ، العامل ، المجتمع المدني ...

[2]  ظهير شريف رقم 1.16.48 صادر  في 19 من رجب 1437 ( 27 أبريل 2016 ) بتنفيذ القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري

[3]  لقد تبنى المشرع المغربي في الباب الثاني عشر المعنون بالحكامة الجيدة من الدستور المغربي لسنة  2011 ،مبدءا هاما في تدبير الشأن العام يتجلى في ربط المسؤولية بالمحاسبة ،خاصة في مجال تدبير الشأن المالي من طرف الأشخاص والمؤسسات والهيئات التي أسندت لها القيام بهذه المهام

 

 

 

 

[4] جاء في المادة 51 من القانون رقم 12.94ما يلي :

" يعاقب بالحبس  من شهر واحد (1)إلى ثلاثة (3) اشهر وبغرامة مالية من 30.000 إلى 50.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط :

-  كل مالك لمبنى أيل للسقوط ، ثبت رفضه عمدا وبدون سبب مشروع ،بعد إنذاره ، تنفيذ الأشغال التي قررتها الإدارة ؛

- كل شاغل لمبنى أيل للسقوط ثبت رفضه عمدا وبدون سبب مشروع ،بعد إنذاره ، إخلاء المبنى لإنجاز الأشغال المطلوبة ؛

- كل من عرقل مهمة الأشخاص المكلفين بتنفيذ الأشغال المقررة  ".

 

 

[5]  جاء في المادة 52 :

" يعاقب بالحبس من ثلاثة (3) أشهر إلى سنة ،وغرامة مالية من 50.000 إلى 300.000 درهم أو بإحدى العقوبتين فقط:

-  كل من قام بوضع مبنى رهن إشارة أشخاص بأي صفة كانت ، تم تصنيفه من قبل رئيس مجلس الجماعة المعنى ،أنه أيل للسقوط ؛

- كل من قام بعمل ترتب عنه إتلاف وتدهور وتخريب المباني أو جعلها غير صالحة للسكن أو الاستعمال بأي شكل من الأشكال ، بهدف الاستفادة بشكل غير مشروع من الإعانات والمساعدات المحتملة ،أو بغرض إفراغ شاغلي هده المباني "

 

بقلم ذ رشيد بوهدي
باحث في ماستر القانون المدني ،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة ابن زهر أكادير
 


أعلى الصفحة