القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ كوثر الرفاعي
باحثة في القانون الخاص بجامعة عبد المالك السعدي – طنجة
تحت عدد: 446
إن شغل الشاغل لأي دولة - كما هو الشأن بالنسبة

 للمغرب - هو تحقيق التطور والتنمية  في بلادها في مختلف المجالات أهمها المجال القضائي، فإذا كان هذا الأخير ناجحا وفعالا فإن باقي المجالات ستكون مما لا شك فيه ناجحة، وهو ما سيؤدي الى خلق مقاربة هامة ألا وهي الحكامة القضائية التي أشار عنها ميثاق إصلاح منظومة العدالة الذي تم اعتماده في 30 يوليوز 2013 من خلال توصيات الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة (1).

والقضاء باعتباره جهاز يروم إلى تطبيق القوانين وتفعيلها والبث في المنازعات باختلاف طبيعة موضوعها وأطرافها لن يتأتى له القيام بذلك مالم يوجد إطار قانوني يؤطر عمله واختصاصاته ويضمن استقلاله عن باقي السلط    ( التشريعية والتنفيذية )، وهو الأمر الذي جسده الى حد ما قانون التنظيم القضائي الصادر بتاريخ 15 يوليوز 1974 والذي عرف تحيينا بتاريخ 26 أكتوبر 2011، ولكن فمع تنامي النزاعات التي فرضتها أسباب جمة من بينها التطور التكنولوجي والعولمة، بات لهذا الجهاز ( القضاء ) أن يطور من امكانياته المادية والهيكلية والقانونية وذلك من أجل تسريع وثيرة القضايا ومعالجتها وتحقيق النجاعة والحكامة القضائيتين وهو ما يحاول مشروع قانون التنظيم القضائي الجديد رقم38.15 لسنة 2016 استجلاءه.

فإذن ما هي أهم المستجدات التي جاء بها هذا المشروع بخصوص إعادة تدبير هيكلة القضاء وتدبيره؟ وهل فعلا استطاع مشروع قانون 38.15 إرساء تطبيق مقاربة الحكامة القضائية أمام دواليب وأروقة المحاكم القضائية بالمغرب ؟

فللإجابة على هذه الاشكاليات وغيرها ارتأينا أن نتطرق الى نقطتين هامتين:

أولا : منظومة تدبير محاكم أول درجة ومحاكم ثاني درجة وتنظيمها الداخلي كتجسيد للحكامة القضائية.

ارتأينا الحديث عن منظومة تدبير محاكم الدرجة الأولى ومحاكم الدرجة الثانية لأن التطرق الى ذلك يجسد مدى تحقق مقاربة الحكامة القضائية من عدمها في هذا المشروع المومأ إليه.

و في الحقيقة بقراءتنا لمقتضيات مشروع قانون 15.38 سنجده بالرغم من أنه مشروع لم يسمو بعد إلى مستوى قانون قد جاء بمستجد هام يتعلق بمنظومة تدبير محاكم الموضوع بدرجتين التي ما أحوجها الى التسيير والتدبير في ظل تراكم القضايا بها، والذي لا محالة سيؤدي الى حد ما الى عدم جودة الأحكام وإهدار حقوق المتقاضين عبر تطبيق مقاربة الحكامة القضائية.

هذا المستجد يهدف الى جعل وزارة العدل والحريات المؤسسة المنوطة بها مهام الاشراف المالي والاداري لتلك المحاكم، وذلك طبعا بتنسيق مع المسؤولين القضائيين وذلك في إطار احترام مبدأ استقلال القضاء كمبدأ دستوري تم التنصيص عليه في إطار الدستور الجديد لسنة 2011، ولهذا الغرض وحتى يكون زمن تدخل الوزارة المذكورة في عمل القضاء قد ولى وانتهى واقتصار مهامه فقط فيما يخص الجانب الاداري والمالي دون تدخله في مضامين الأحكام التي يصدرها قضاؤنا المغربي وتنفيذها، الذي يبقى طبعا تحت مراقبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كان لابد من هذا المشروع أن يفعل وينفذ لأنه إن كان القول بالمشمول أنه جاء بمقتضيات هامة تعبر عن حق مدى تفعيل مقاربة الحكامة القضائية الى مستوى إن فعل سيكون إضافة نوعية نحو تحديث الادارة القضائية للمحاكم.

وهو ما يظهر لنا جليا في المادة 21 من مشروع قانون التنظيم القضائي الجديد من خلال إحداث مؤسسة " الكاتب العام للمحكمة " الذي يقوم بمجموعة من المهام المتمثلة في ضبط عمل مختلف مصالح كتابة الضبط والمصالح المحاسبية بها، والإشراف على موظفي هيئة كتابة الضبط العاملين بها، ويساعده في ذلك رؤساء كتابة الضبط بالمحكمة، ويخضع هذا الكاتب إداريا لسلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل ويمارس مهامه تحت السلطة المباشرة للمسؤولين القضائيين بالمحكمة(2).

وعليه، يشكل هذا التدبير الجديد للمحاكم المغربية لبنة لنقل عنها ليست قوية وإنما تمهيدا نحو تفعيل مقاربة الحكامة القضائية وهو ما سنعمل على توضيحه في النقطة الموالية.

ثانيا : مدى مساهمة مشروع قانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي في تحقيق الحكامة القضائية.

فقبل الحديث عن إلى أي حد جسد مشروع قانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي في تحقيق الحكامة القضائية المرجوة، لابد من عمل إطلالة مبسطة حول مفهوم الحكامة القضائية التي نتحدث عنها ؟.

إذ تتجسد الحكامة القضائية من خلال العناصر الإرشادية التي يمكن استحضارها في كل توجه له، وهي الاستقلالية والمسؤولية والشفافية والفعالية والنزاهة، هذه العناصر تساعد على جعل إصلاح القضاء مقاربة حكماتية.

والحكامة القضائية تعتبر مقدمة لكل إصلاح مرتقب للجهاز القضائي، هذا الشرط يتأسس على الاستقلالية والحيادية والشفافية والفعالية في العمل القضائي، وانعدام سيادة منطق التعليمات علما أن  الدستور المغربي أكد على استقلالية السلطة القضائية تحقيقا لرهان دولة الحق والقانون، إذ الضمانة الأساسية لحقوق الإنسان التي كرسها الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 هي السلطة القضائية المستقلة النزيهة والفعالة (3).

ومن تم، ومما لاشك فيه أن مشروعنا المومأ إليه قد تحدث بصورة ليست  واردة بنص قانوني واضح يبين تعريف الحكامة القضائية، وإنما تظهر صور هذه المقاربة عندما تم نهج استراتيجية تحديث المحاكم المغربية عن طريق مخططات تروم الى رقمنة الخدمات القضائية في مواقع إلكترونية، وهو في الحقيقة إن دل فإنه يدل على وجود هذه المقاربة من خلال خلق آلية جديدة للتدبير والتسيير لمرفقنا القضائي حتى يكون الولوج إلى العدالة سهلا وميسرا للمتقاضي، ويخدم مصالحهم واستصدار أحكام ذو جودة تهدف إلى إحقاق حقوقهم.

وهو الأمر البين الذي أوردته المادة 22 من مشروع التنظيم القضائي الجديد التي تنص على أنه " تعتمد المحاكم الادارة الالكترونية للإجراءات والمساطر القضائية وفق برامج تحديث الادارة القضائية تنفذها الوزارة المكلفة بالعدل ". وهو في اعتقادنا أن المشرع المغربي من خلال هذا المشروع تبنى عن حق مقاربة الحكامة القضائية ومطمحه بتفعيلها داخل أروقة المحاكم القضائية.

كما تظهر معالم هذا النوع من الحكامة أيضا  - فضلا عن رقمنة خدمات المحاكم – في الاعتراف بالدور الفعال للمهن القضائية باعتبارها تعد من مساعدي القضاء، وذلك عن طريق إشراكهم في لجان البحث ودراسة صعوبات سير العمل بالمحاكم، ووضع الحلول المناسبة لها ، مع مراعاة مبدأ التخصص للقضاة عند تعيينهم في قسم من أقسام مختلف المحاكم المغربية.

هذا بالاضافة إلى إحداث قضاء القرب كتجسيد للحكامة القضائية، مع تبسيط الإجراءات المسطرية للمتقاضين المتوافدين على المحاكم بمختلف درجاتها حتى يسهل لهم الولوج الى إقامة دعواهم واقتضاء حقوقهم في جو يسوده الحق والعدالة (4).

وبالفعل، ومن وجهة نظرنا يشكل مشروع التنظيم القضائي الجديد لبنة أساسية في تجسيد الحكامة القضائية للمملكة، لكن السؤال العريض العام الذي يطرح نفسه هو أنه باطلاعنا على مشروع قانون التنظيم القضائي  رقم 18.35  نجده في الحقيقة تبنى توجها جديدا يرسخ ويعزز المبدأ الدستوري وهي الحكامة القضائية، هذا التوجه إن طبق بالشكل الذي جاءت به مواد المشروع المذكور سنكون لا محالة أما قضاء نموذجي يحتذى به وطنيا وعالميا، وسوف يبعث في نفوس المتقاضين الطمأنينة فيما يدعونه من حقوق؟.

أما بالنسبة للسؤال العريض الخاص وهو هل سيتم تنفيذ هذا المشروع وإخراجه الى حيز التنفيذ ؟، خصوصا أنه تمت المصادقة عليه بالأغلبية في ظل الحكومة السابقة ولم ينفذ، على أمل أن يتم ذلك في ظل الحكومة الجديدة المعينة في سنة 2017.      

 

- (1)- أنظر ميثاق إصلاح منظومة العدالة الذي تم اعتماده بتاريخ 30 يوليوز 2013.

- (2)- فللمزيد من التوضيح أنظر المادة 21 من مشروع قانون رقم 15.38 المتعلق بالتنظيم القضائي صيغة 7 يونيو 2016.

- (3)- مقال قانوني أنجز من طرف الأستاذ أحمد الذيب بعنوان " الحكامة القضائية مدلولاتها وأهدافها  "منشور في الموقع الالكتروني: http://www.maqalaty.com/62068.html

- (4)- أنظر في هذا الاطار مقال حول " أبرز مستجدات التنظيم القضائي للمملكة " منشور في الموقع الالكتروني http://www.studies.ma/2016/02/justice.html

  

بقلم ذ كوثر الرفاعي
باحثة في القانون الخاص بجامعة عبد المالك السعدي – طنجة
 


أعلى الصفحة