القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ إسماعيل الهدار
باحث في القانون العام بكلية الحقوق بصفاقس
تحت عدد: 301
يقتضي تسير المرافق العامة جملة من المبادئ

المكرسة إما دستوريا أو تشريعا كمبدأ الشفافية و النزاهة و استمرارية المرفق العام. و نظرا  لتعدد المتطلبات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية داخل مجتمع معين، فإن تسير دواليب الدولة  يحتاج إلي تطوير هذه المبادئ أو إضافة مبادئ أخري لضمان  حسن سير المرفق العام واستجابته لمختلف المتطلبات  الجديدة.

و عليه  فإن  الفقه  الإداري  قد سعي  لإيجاد  مجموعة من المبادئ و ذلك  لإضفاء نوع من الحيوية علي  القانون الإداري, و تخليصه نوعا ما  من  الطابع  السلطوي  الذي كرسه و الذي يعد جزاء لا يتجزأ من ماهيته. فضلا  عن هذا و باعتبار و أن القانون الإداري ليس هو بقانون الإدارة، إنما هو مجموعة من القواعد القانونية التي  تحكم سير المرفق العام و  التي تسعي لتحقيق المصلحة العامة. فإن  تحقيق هذه المصلحة يقتضي  جملة من المبادئ الجديدة التي وجب تكريسها فعليا  من قبل  المشرع، كتكريس مفهوم الحوكمة  أو مبادئ الحوكمة الرشيدة و  الاستعمال العقلاني للموارد و مفهوم الإدارة الجيدة او ما يعبر عنه بالحق في إدارة جيدة الذي يعد موضوع هذا المقال.

   يعريف مصطلح  الإدارة الجيدة  بكونه جملة  من المبادئ الإجرائية القانونية و التي تتمثل في  معالجة   شؤون الأفراد بنزاهة و علي نحو ملائم و في أجل معقول، إضافة لتعليل  جل القرارات الإدارية و  تعميم مبدأ حق الدفاع في مختلف المواد الإدارية و أخيرا التعويض الفعلي عن الأضرار التي تسببت فيها التصرفات الإدارية سواء مادية أو قانونية.

 وضمن هذا السياق  فإن خصوصية  مفهوم الإدارة الجيدة يتجسد في طابعه الحمائي و الوقائي باعتباره يعد ضمانا لحقوق الأفراد أمام إدارة أو هيئة إدارية تتمتع بصلاحيات السلطة العامة و وسائل قمعية. و ستتدعم  خصوصية هذا المصطلح موضوع المقال من  خلال اعتباره  جملة من  القيود و الواجبات المحمولة علي عاتق الإدارات أو  الهيئات الإدارية، الأمر الذي يجعل منه مجالا فعالا لقيام المسؤولية الإدارية علي أساس انتهاك الحق في إدارة جيدة أو احد مبادئه العامة كعدم احترام  الآجال المعقول أو عدم تمكين المعني بأمر  من  حقه في الدفاع في أجل معقول.   و باعتباره مجموعة من الواجبات، فإن مصطلح الإدارة الجيدة من شأنه أن يساهم  في  تقليص  ظاهرة  البطء و الفساد الإداري و الحد كذلك من  التعسف الإداري الذي يعد سببا رئيسيا لإهدار الحقوق و الحريات الفردية، مما يؤدي إلي تجسيد فعلي  لمبدأ  حسن تسير المرفق العام الذي بدوره يمثل ضمان  لاستمرارية المرفق العام و  حماية الأموال العامة.

كما أن تكريس الحق في إدارة جيدة   يساهم في تدعيم مبادئ الشفافية و الجودة و النخاعة الذي من شأنه أن  يؤدي لبلورة معطي المواطنة الإدارية التي تساهم بدورها في إضفاء بعض المرونة علي مفهوم القانون الإداري و ذلك من خلال  تمكين  الأفراد  من تسير المرافق العامة بناءا علي مبادئ الديمقراطية التشاركية و  التمثيلية و الاستشارية الفعلية.

وتتجلي أهمية   مصطلح الإدارة الجيدة نظرا لدوره الاقتصادي الهام باعتباره معطي رئيسي لاستقطاب و للتشجيع علي  الاستثمار المحلي و الدولي، الأمر الذي يجعل من تكريسه دستوريا أو تشريعيا  حاجة ماسة لإرساء منظومة قانونية ملائمة لتجنب مظاهر البيروقراطية و التعطيل الإداري  الذي من شأنه أن  يقلص الاستثمارات و الحد من الرقي و التقدم الاقتصادي.

و تجدر الإشارة أخيرا، إلي أن  المنظومات القانونية  لدول النامية  مطالبة  بإعادة هيكلة مفهوم القانون الإداري  من جهة  و تدعيم جانبه الديمقراطي لضمان اساهم  أوسع و ملائم للمواطنين من جهة و عقلنة العمل الإداري  من جهة أخري لتجسيد مفهوم الحكومة الرشيدة. 

بقلم ذ إسماعيل الهدار
باحث في القانون العام بكلية الحقوق بصفاقس
 


أعلى الصفحة