القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ علي ارجدال
طالب باحث ماستر العمل السياسي والعدالة الدستورية
تحت عدد: 611
لقد شاع استخدام الرأي العام في بمدلوله الحديث في خضم الثورة الفرنسية، ولا عجب في ذلك ، فالثورة الفرنسية كسائر الثورات الكبرى ليست سوى لون من الوان التعبير عن الرأي العام.

هذا الأخير كان قائما بصورة أو أخرى على مر العصور، فالرأي العام مرتبط بالمجتمع الإنساني أينما وجد، ولاشك أن أحداثا ضخمة في تاريخ البشرية ما كان لها ان تتحقق وتحدث لولا إجماع كلمة الشعوب عليها، ففي المجتمعات القديمة ، عرفت مدن اليونان المستقلة "الدولة المدنية" الرأي العام ، واختبرت سطوته ونفوذه ، قرونا عديدة ، فقد كان الرأي العام هو الحاكم الفعلي والمسيطر المطلق على كل أوجه النشاط في المدينة ، ففي المدن اليونانية القديمة كانت السيادة المطلقة لهيئة المواطنين مجتمعين ، أو بمعنى اخر ، لكافة سكان المدينة والريف والمحيط بها باستثناء الأطفال والنساء .

وكانت هذه الهيئة أو الجمعية تمثل في الوقت نفسه ما يعرف اليوم بالبرلمان والحكومة والقضاء ، أو السلطة التشريعية أو التنفيذية أو السلطة القضائية جميعا .

وكانت القرارات في اجتماع جمعية المواطنين تتخذ بأغلبية أصوات المواطنين الحاضرين، ولم تترك جمعية المواطنين ميدانا إلا طرقته ، فقد كانت تختار قادة الجيش والمواطنين ، وهي التي كانت تعلن الحرب وتعقد المعاهدات ، وتأمر بإقامة الاحتفالات العامة ، وتسن القوانين وتفرض الضرائب ، وتحكم في القضايا المدنية والجنائية ، وتصدر الأحكام دون المحاكمة ، وتعتبر قراراتها نهائية ولا تقبل الطعن والتعقيب.

وقد اصبح الرأي العام في المجتمع الحديث قوة كبيرة وذلك نتيجة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، نظرا لتقدم العلم والتكنولوجيا وخاصة تكنولوجيا الاتصال ، ولم يعد في استطاعة أي حكومة من الحكومات اليوم الاستمرار في الحكم دون الحصول على الحد الأدنى من موافقة عامة الناس .

ويعتبر تحديد كيفية تكون الرأي العام على وجه الدقة امرا عسيرا ، فمعظم الانتاج الفكري في هذا المجال انتاج نظري ، ولا يصل إلى حقائق ثابتة .

ومنه يمكن تناول النظريات التي تعبر عن الدراسات الجارية في مجال تكوين الرأي العام في واحد من الاشكال التالية :
منهج العامل الواحد
منهج العوامل المتعددة
منهج المراحل المحددة
منهج محاولات وضع قوانين الرأي العام

اولا ـ منهج العامل الواحد
يرتكز هذا المنهج على احد العوامل البارزة في عملية تكوين الرأي العام ، فقد اكد بعض الباحثين مثلا على اهمية عامل الوراثة ، واكد اخرون على تأثير الوسط المحيط ، فكارل ماركس على سبيل المثال ركز على اهمية العوامل الاقتصادية في تكوين الرأي العام ، بينما ركز فرويد على العوامل الجنسية "نظرية الليبيدو" ، واخرون اهتموا بدور العرق والموقع الجغرافي ، والتكنولوجيا ، وصراع القوة والجماعات السياسية والدينية ثم التقاليد و قادة الرأي ووسائل الاعلام وغيرها من العوامل

ثانيا ـ منهج العوامل المتعددة

يرتكز هذا المنهج على مجموعة من العوامل التي تعتبر السبب في تغيير الرأي العام او عدم تغييره ، ولايكتفي بعامل واحد ، فقد توصل العالم بول لازرس فيلد Paul Lazers Fieldمثلا في دراسة السلوك الانتخابي الى التعرف على هذا السلوك عن طريق ثلاثة عوامل :

الوضع الاجتماعي والاقتصادي
محل الاقامة (قروي ـ بدوي(
الديانة
ويعتبر منهجا العامل الواحد والعوامل المتعددة اكثر المناهج استخداما في دراسة تكون الرأي العام .
ثالثا ـ منهج المراحل المحددة
يقدم بعض الباحثين عملية تكوين الرأي العام بصفة كلية شاملة مع التركيز على بعض العوامل المحددة ، ولهذا فهم يرون ان عملية تكون الرأي العام بالنسبة لقضية معينة تمر عادة من خلال مراحل متعددة ، فهم ينظرون الى هذه العملية بصفة كلية شاملة ، وهذا ما يطلق عليه بمنهج المراحل المحددة ، ومن امثلة هذا المنهج :

يرى العالم كلايد كنج Clyde King ان تكوين الرأي العام يمر عبر اربع مراحل :

تتمثل المرحلة الاولى في الاستياء الذي تشعر به جماعة ما حيال احدى القضايا ، ويعتقد انه بالامكان علاج المشكلة الناجمة عن طريق الجماعة ، اما المرحلة الثانية فيعم فيها الاستياء ويظهر وعي لدى المواطنين وحاجة عامة للعلاج والعمل ، والمرحلة الثالثة تتميز ببلورة القضايا بناء ا على المناقشة وطرح اوجه النظر المختلفة في الصحافة ، ورابعا واخيرا مرحلة الحكم واتخاذ القرار
ويرى جيمس برايس: James Bryce
ان الرأي العام يتكون عند انتقاله من مرحلة الرأي السلبي الى الرأي العام الواعي النشط الذي لا يسود فقط بل يحكم ، ويمكن تمييز ذلك عبر التطور الانساني في المراحل الاربعة التالية :

ـ تعبر المرحلة الاولى عن الاشكال البسيطة للمجتمعات السلبية حيث يكون الرأي العام سلبيا ، فهو راض بالسلطة الموجودة اكثر منه مؤيد لها مهما كان اخطاؤها ، لانه لا يعرف شيئا افضل ، او لانه لا يرى طريقا للاصلاح .

ـ وتتميز المرحلة الثانية بالتصادم والصراع ، حيث يبدأ الرأي العام في التحقق من قوته ويبدأ في السؤال عن حقوقه وواجباته ، وحقوق حاكميه وواجباتهم ، وينظم المعارضة والنقد من اجل التقدم والاصلاح .

وفي هذه المرحلة يعترف الحكام انهم وكلاء للمواطنين لا اكثر ، فيصبح الرأي العام فيها اجابيا وملتحما بحيث " يلعب الرأي العام دورا اساسيا في تحديد طبيعة النظام وفي تشكيل الافكار السياسية"

ـ اما المرحلة الاخيرة فتصبح فيها قوة الرأي العام اكثر اكتمالا ، وبالتالي يتحقق الحكم بواسطة الرأي العام " فلا تملك الحكومة من ان تضع خطة اقتصادية بمعزل عن اتجاهات الرأي العام ، او ان تتجاهل مطالبه "

ــــ اما دافيسون Davison فيرى مراحل تكون الرأي العام كما يلي :

دور الجماعة الاولية : لكي تنمو الافكار لابد لها ان تجد واحدا او اكثر من التجمعات الانسانية (تلقب احينا بدور الجماعة الاولية او الجماعات الصغيرة التي تمتص هذه الافكار ) وقد بين لاسويل اهمية وجود الجماعات الاولية باعتبارها النواة التي تشع الفكرة في المجتمع الكبير .

ظهور الزعامة او القيادة : تظهر هذه المرحلة قيادات ترتفع على الجماعات الاولية الاصلية ، وتحاول اعادة صياغة الافكار والمسائل بطريقة يفهمها اكبر عدد ممكن من الناس ممن لهم اهتمام او مصلحة في التعرف على هذه المسائل .

ـ مرحلة الاتصالات بين الجماعات المختلفة : تتميز هذه المرحلة بانتقال الافكار خارج الدائرة المباشرة للأشخاص او الجماعات الصغيرة الى اعداد كبيرة من الناس لا يعرف بعضهم بعضا ، وتعمل وسائل الاتصال والاعلام في المجتمعات المفتوحة على نشر الحقائق والمعلومات والاراء بسرعة بين اعداد الجماعات والاشخاص في كل المجتمعات التي لم تتطور فيها وسائل الاعلام وامكانياته وفي المجتمعات ذات الرقابة الصارمة على وسائل الاعلام

الصياغات الجديدة او القادة الجدد : وتكون نتيجة لزيادة حجم الاتصالات العامة التي تثيرها فئات اكثر واكثر ، حيث تشترك فيها جماعات وافراد جدد ، وهذا بدوره يؤدي الى مزيد من الاتصالات ، وعليه فان معظم ال الناس يدخلون في عملية تكوين الرأي العام

ـ توقعات سلوك الآخرين : عادة ما يعترف الاشخاص على الاخرين خارج دائرتهم المباشرة ، وذلك اثناء عملية تكوين اتجاههم بالنسبة للمسائل العامة ، فمعرفتهم بآراء وسلوك الجماعات الاخرى تؤثر على اتجاههم وآرائهم بالنسبة للقضايا التي تحتاج الى مناقشة عامة ، ويستتبع ذلك تعديل الآراء والسلوك ، ومتى يحدث هذا التوافق او التعديل السلوكي ، فإن الرأي العام يكون قد تَكَوّن.

ـ مرحلة التفكك والاختفاء : يختفي الرأي العام المتصل بالاتجاهات والسلوك الذي يدور حول مسألة معينة عندما ينجح في وضع تلك المسألة التي دارت حولها المناقشات في قوانين رسمية اوفي الدساتير او غير ذلك من التشريعات او الوثائق الرسمية .
رابعا ـ منهج محاولات وضع قوانين الرأي العام : يشبه هذا المنهج الى حد كبير منهج المراحل المحددة ، فقد توصل هاردلي كانتريل ... بعد دراسته لتقلبات الرأي العام الامريكي بالنسبة لاحداث الحرب العالمية الثانية الى عدد من النتائج الخاصة بعملية تكوين الرأي العام والتي اطلق عليها بصفة عامة المبادئ النفسية .

وتشير هذه المبادئ النفسية الى ان نقطة البداية في اي تحليل لعملية تكون الرأي العام هي قبول افتراض ان الانسان هادف بطبيعته ، وان الاراء لا تتكون الا عندما تكون هناك خيبة امل في تحقيق الاهداف المرغوبة ، بينما توجهها عوامل اخرى بعد ذلك ، تشمل الخبرات السابقة والمعلومات ودرجة فهم الامور والتفكير العقلاني والمنطقي ، وتغير الاهداف او اثباتها ووجود ظروف جديدة ، والاحداث وغيرها من العوامل التي يمكن ان تدخل في عملية تكوين الرأي العام وما شابه ذلك وتشكيله

المراجع
محمد عبد القادر حاتم، الرأي العام وتأثره بالإعلام والسياسة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006، ص204
احمد أبو زيد ، سيكولوجية الرأي العام ، عالم الكتب ، القاهرة ، الطبعة الاولى ، 1968
ابراهيم امام ، العلاقات العامة والمجتمع ، مكتبة الانجلومصرية ، القاهرة ، الطبعة الاولى ، 1976
ثروت بدوي ، اصول الفكر السياسي، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1967
شاكر ابراهيم ، الاعلام ووسائله ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، دار المعرفة ، القاهرة ، 1975
Davison, w.p , The public opinion process , Summer : New york , 1958
Laswell , Harold , Psychopathology and politics , University of Chicago press :
Newyork , 1930
احمد بدر ، الرأي العام طبيعته وتكوينه وقياسه ودوره في السياسة العامة ، دار قباء ، 1998
بقلم ذ علي ارجدال
طالب باحث ماستر العمل السياسي والعدالة الدستورية
 


أعلى الصفحة