//

 
قانون الأسرة

بقلم ذ حمزة التريد
طالب باحث بماستر ” الوسائل البديلة لفض النزاعات ” بكلية الحقوق بفاس
تحت عدد: 352
تعتبر مؤسسة الأسرة النواة الدستورية الأولى التي

أوكل لها المشرع الدستوري عملية التنشئة الاجتماعية والتي تتولى تنشئة أطفالها أو افرادها في مراحلهم العمرية الأولى المختلفة1 ، هذه الدسترة لم تكن لولا مجيء مدونة الأسرة التي كانت نتاجا خالصا لها قبل أن يحمل التعديل الجديد لدستور المملكة 2 في طياته بلورة دستورية أتت معالمها في فصل احتل عتبات الوثيقة الدستورية ليحدثنا عن كون "الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع. تعمل الدولة على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية و الاقتصادية للأسرة، بمقتضى القانون، بما يضمن وحدتها و استقرارها و المحافظة عليها. تسعى الدولة لتوفير الحماية القانونية، و الاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية. التعليم الأساسي حق للطفل و واجب على الأسرة و الدولة. يحدث مجلس استشاري للأسرة و الطفولة"3.

  اليوم ، وبعد مرور اثني عشر سنة على اعتماد مدونة الأسرة وباعتبارها كجانب مهم من جوانب تقنين العلاقات الأسرية ، وكذا انطلاقا من الطرح الذي أتاه الدستور من خلال تحميله الدولة مسؤولية توفير الحماية القانونية للأسرة ، هذه المسؤولية اليوم وفي ظل غياب ملامح الاستقرار التي أصبحت تغيب عن الأسر المغربية ، برزت ضرورة البحث عن سبل قصد توفير الحماية القانونية لها بشكل يضمن وحدتها واستقرارها وكذا الحفاظ عليها .          

بحيث ان المتتبع للنقاش الأخير الذي طال عتبات الاستقرار الأسري بالمغرب لا يملك الا أن يسجل القفزة العملاقة في اتجاه ارساء معالم ألية جديدة تنضاف بذلك الى خانة الأليات المرصدة للحفاظ على كيان الأسرة من الضياع والتشتث هذا من جهة ، كما لا يمكنه الا ان يقف أيضا عند أهم الخلاصات التي استنتجها المشاركون باللقاء الدولي بالصخيرات حول "الوساطة الأسرية ودورها في الاستقرار الأسري" من خلال سعيهم وراء التأكيد على فشل نظام الصلح القضائي في تسوية النزاعات الأسرية في كثير من الحالات 4 من جهة أخرى .

 استنثاج لم يكن وليد التظاهرة الدولية ، بل كان أساس أرضية العمل وخارطة الطريق نحواحتضان مولود جديد على حساب نظام (الصلح الأسري ) حظي باهتمام تشريعي أبانت من خلاله مدونة الأسرة عن المرجعية الدينية لها في مجال الاصلاح الأسري نظرا للاستراتيجية الدينية التي تنبني عليها المملكة المغربية ، هذا الاستنتاج اليوم أصبح يفتح الباب على مصراعيه لتساؤل يحاكي أسباب عجز نظام الصلح الأسري عن تحقيق الغاية المنشودة منه ، هل هو شلل على مستوى النص القانوني ؟ أم على مستوى التنزيل والتطبيق ؟

لعل الاجابة عن هذا التساؤل ، قد يرجعها البعض الى العجز الذي يعاني منه النص القانوني والذي سرعان ما أبان عن تناقض بين الفلسفة التشريعية للمشرع وبين الدور المنوط بمختلف المؤسسات المرصدة للصلح الأسري ، في حين يذهب البعض الأخر الى أن العجز عجز على مستوى التنزيل والتطبيق بدعوى أن الكثير من الايجابيات التي أتى بها النص لم تستطع أن تجد طريقها بشكل صحيح إلى الواقع . لكن لعل الاجابة الأقرب الى الصواب تنبني على مقاربة ثنائية للنص والتنزيل تفيد بأن العجز نتاج للمستويين معا ، بحيث أن النص القانوني هنا يقتضي تنزيلا سليما بشكل يراعي فلسفته من جهة وكذا روح مدونة الأسرة من جهة أخرى . وللتعمق أكثر في هذه المقاربة سنأخد احدى المؤسسات المنوط بها مهام الاصلاح الأسري نموذجا قصد ايضاح الرؤيا بخصوص أن الجمود والشلل لن يعدو سوى نتاجا للمستويين معا (النص والتطبيق) .

اذا ما أخدنا مجلس العائلة كنموذج ستكون الرؤيا أكثر وضوحا ، بحيث وباستقراء مقتضيات المواد المنظمة لمهام وصلاحيات مجلس العائلة ، وبالأخص الفقرة الأولى من المادة السابعة و المادة الثامنة من المرسوم الجديد رقم: 02.04.88 5 ، ستتضح لنا الرؤية معها بخصوص شلل هذه المؤسسة وعجزها بنص القانون عن مواكبتها لوظيفة القاضي الصلحية ، اما على مستوى التنزيل فالمحكمة نادرا ما تستجيب لنداء المادة 82 فيما يخص اتخاذها لكافة الاجراءات اللازمة من أجل انجاح محاولة الصلح بين الزوجين وفي مقدمتها مجلس العائلة ، الأمر الذي يمكن القول معه بأن عجز نظام الصلح الأسري قد أتى كنتاج لتنظيم تشريعي تناول بعض الجزئيات وترك بالمقابل الجانب الأهم وكذا تنزيل غابت عنه معالم التشبع بالثقافة التصالحية . لذا ياترى مالغاية من زخم تشريعي في ظل غياب تدابير تطبيقية قادرة على توفير أرضية تتطلع لكسب رهان ارساء معالم العدالة التصالحية على مستوى تعاطي القضاء الأسري مع النزاعات الأسرية ؟

    وفي ظل الفشل الذي أجمع عليه المشاركون بالمؤتمر الدولي بالصخيرات بخصوص ألية الصلح الأسري ، والانفتاح على رهان جديد سيشكل منعطفا حاسما في مجال الاصلاح الأسري ببلادنا ، لذا وقبل ابداء مقاربتنا لهذا الرهان الجديد ، استوقفنا تساؤل مافتىء أن طرح نفسه بشدة ألا وهو : مالغاية من كسب رهان تجربة جديدة بدل النهوض بمقاربة جديدة لألية الصلح تأتي كرد فعل عن القصورالتي أبانت عنها الممارسة العملية لها أمام القضاء الأسري ؟

 لعل الاجابة هنا ، تجد سندها منذ البداية في الأولوية التي أبانت عنها الارادة الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة ابداء النظر في مشروع مدونة الأسرة ، أولوية حملت في طياتها هدفا اصلاحيا أبان عن التوجه الاصلاحي الذي تحدو نحوه معالم التشريع الأسري ببلادنا منذ الاعلان عن خروج مدونة الأسرة حيز التطبيق ، لتليها بذلك المبادرات الرسمية نحو اضفاء الطابع المؤسساتي الرسمي على الوساطة كتجربة ستجنب لا محالة القضاء الأسري أزمة ارتفاع قضايا انهاء العلاقة الزوجية ، في مقابل غياب أي تصور اصلاحي أو أية مقاربة اصلاحية لوظيفة القاضي الصلحية و كذا المؤسسات (مجلس العائلة والحكمين ) التي قد يرصدها لتحقيق وظيفته.

 هذا ان دل على شيء فانما يدل على كون الوظيفة الصلحية للقاضي وكذا المؤسسات المرصدة للصلح الأسري لا تعدو سوى تجربة غلب عليها الطابع الشكلي والتنظيمي أكثر من  التطبيقي أتاها المشرع وهو على يقين بفشلها لتفتح الباب على مصراعيه لرهان نابع عن ارادة ملكية واستفاد من أولوية تجعلنا نتسائل : عن التوجه الذي تحدو نحو معالم التشريع الأسري ببلادنا في أفق كسب تجربة الوساطة الأسرية ، هل يتلائم وخصوصية مجتمعنا وتركيبة الأسرة التي تشكله ؟ هل يأخد بعين الاعتبار خصوصية الأسرة المغربية كأسرة مسلمة لها عاداتها وتقاليدها ، أم أنها لن تعدو سوى تجربة أتت لتبقى بعيدة كل البعد عن واقع الأسرة المغربية وتعيد نفس السيناريو الذي أبانت عنه تجربة الصلح الأسري؟  

اذا كان اليوم الحديث عن التوجه الجديد لمعالم التشريع الأسري قد لخصه المشاركون في المؤتمر الدولي بالصخيرات في جملة من التوصيات ، لعل القارىء لها سيقف عند غياب فلسفة واضحة وخط ناظم يضمن الانسجام بين جميع التوصيات ، والتناقض في صياغة بعضها ، الأمر الذي يدفعنا الى القول بأن غياب وعدم توفير بيئة قانونية واجتماعية وتربوية ملائمة تجعل أي تعديل قانوني مهما كانت درجة احكامه مجهضا منذ الولادة .

لذا وبالرجوع الى التوصيات التي خرج بها الورش الدولي بالصخيرات ، فنحن كباحثين مختصين في مجال الوسائل البديلة و من خلال استقرائنا لهذه التوصيات وكذا الوقوف على بعض الأليات والمناهج التي اعتمدتها بعض الدول السباقة للأخذ بنظام الوساطة الأسرية ، لا يسعنا سوى ابداء تصوراتنا واقتراحاتنا بخصوص هذه الألية البناءة ، وذلك على الشكل الأتي :

- اذا كان من بين توصيات المؤتمر الدولي بالصخيرات وضع سياسات عمومية ومخططات وطنية قصد النهوض بأوضاع الأسرة ، فانه بدورنا نقترح أن تكون في مقدمة هذه المخططات الوطنية احدات مجلس وطني استشاري للوساطة الأسرية يخضع لوصاية احدى أهم المجالس الدستورية 6 التي أوكل لها دستور المملكة مهمة تتبع وضعية الأسرة والطفولة 7 والذي لازال الى حد كتابة هذه الأسطر لم يرى النور بعد ، توكل اليه مهام تتبع ورصد ومراقبة مدى حسن تطبيق الميثاق الخاص بالوساطة الأسرية من طرف الجهات المناط بها مهام الوساطة ، وكذا الانتقال الى اماكن المراكز والمؤسسات المعهود لها تكوين الأطر والكفاءات في مجال الوساطة الأسرية واعداد تقارير حول زياراته تتضمن ملاحظاته وتوصياته ضمانا لمواكبة دائمة تحرص على توفير أرضية ملائمة لانجاح الوساطة الأسرية  .

- وفي اطار النهوض بالأطر والكفاءات في مجال كسب تنقيات الوساطة الأسرية ، نقترح اخضاع طلبة التعليم العالي الخريجين الحاصلين على دبلوم الدراسات العليا في وحدات التكوين والبحث التي تأخد من الوساطة عينة للدراسة والبحث ، الى دورات تكوينية بمؤسسات أو مراكز التكوين الخاصة بالوساطة الأسرية داخل حيز زمني يتلائم ومستواهم التكويني الاستباقي في مجال الوساطة الأسرية .

 

1 - كريم لحرش ، الدستور الجديد للمملكة المغربية –شرح وتحليل - ، سلسلة العمل التشريعي والاجتهاد القضائي (3) ، ص : 49.  

2 -  دستور المملكة المغربية لسنة 2011.

3 - نص الفصل 32 من الدستور المغربي  .

4 -  أهم خلاصات المؤتمر الدولي حول "الوساطة الأسرية ودورها في الاستقرار الأسري" ، منشور بمجلة العلوم القانونية .

5 - مرسوم رقم :2.04.88 الصادر في 25 من ربيع الآخر 1425هـ الموافق ل14 يونيو 2004م ، الجريدة الرسمية عدد: 5223، ص: 2671-2672 .

6 -  المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة .

7 -  هذا ما أتاه الفصل 169 من الدستور المغربي فيما يخص وظائف ومهام المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة .


بقلم ذ حمزة التريد
طالب باحث بماستر ” الوسائل البديلة لفض النزاعات ” بكلية الحقوق بفاس
 


أعلى الصفحة