القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ عدي البشير
طالب باحث بسلك الدكنوراه بكلية الحقوق بجامعة ابن زهر
تحت عدد: 432
بالنظر للأهمية التي يحظى بها الدستور في

 الدول الديمقراطية، باعتباره تعاقدا سياسيا واجتماعيا يحدد قواعد ممارسة السلط، وطبيعة نظام الحكم في الدولة واختصاصات السلطات العامة، والعلاقة بين السلط وحقوق وحريات الأفراد والجماعات، الوثيقة التي تهدف الى حفظ ذلك التوازن بين السلطة و الحرية، تتميز بالسمو، ,إذ يخضع لها جميع الفاعلين السياسيين ,إنها المرجع المحدد لشرعية الممارسات السياسية لهؤلاء الفاعلين السياسيين، إنها ملزمة للجميع لتحظى الوثيقة الدستورية بالمغرب، باهتمام كبير من قبل كل الفاعلين السياسيين والمدنيين وكذلك بالمواطنين ويرجع بطبيعة الحال هذا الاهتمام إلى الرغبة في تحقيق صياغة مشتركة لبنود الدستور الذي يعد أسمى وثيقة قانونية في الدولة.

بالنظر لهذه الأهمية الرفيعة التي يحتلها الدستور، فهو يأتي في قمة الهرم القانوني للدولة، يجب على كل المؤسسات والسلطات والهيئات وعموم المواطنين، احترام مقتضياتها والالتزام بها، وعدم انتهاكها أو خرقها، وكل فعل من هذا القبيل يجب أن يترتب عنه جزاء.

 لتاتي القوانين التنظيمية ثاني درجة حيث هي مجموعة من القوانين التي يضفي عليها الدستور صفة القوانين التنظيمية والتي يصوت عليها البرلمان وفق اجراءات خاصة مغايرة لتلك المتبعة في وضع وتعديل القوانين العادية[1]. هي قوانين مكملة للوثيقة الدستورية تشكل جزءا من الكتلة الدستورية واسند المشرع الدستوري هدا الاختصاص الى البرلمان في إطار صلاحياته التشريعية مما يشكل تفويتا لجزء من السلطة التأسيسية الفرعية لفائدته، من خلال هدا يتضح ان للقانون التنظيمي مكانة خاصة تميزها عن باقي القوانين العادية وهو ما ينعكس على مسطرتها التشريعية، يعتبر الدستور الفرنسي لسنة 1958 أول دستور تصدى لتمييز ما بين القوانين العادية والتنظيمية.

فقد عرفت الحركة الدستورية في الدول النامية ولمغرب منها في النصف الثاني من القرن العشرين، فالمغرب عرف اول دستور سنة1962، ثم دستور1970 ودستور1972 ودستور1992 كان القاسم المشترك هو مقاطعة أحزاب الحركة الوطنية للاستفتاءات الشعبية إلا في تعديل 1992 صوت بنعم حزب التقدم والاشتراكية، المؤسسة الملكية هي التي تتخذ مبادرة التعديل كل هذه الدساتير وليأتي دستور1996 الدي نتج عنه التناوب التوافقي.

 ليأتي دستور 2011 في سياق إقليمي عرف بالربيع العربي وسياق وطني تمثل في نضال حركة 20فبراير وضغطها لتقوم المؤسسة الملكية بالإعلان عن تعديل دستوري تم تأطيره ب7  مبادئ حيث و بتم تعيين لجنة استشارية بالموازاة معها آلية لتشاور ليتم الاستفتاء ليصبح دستور 29يوليوز2011 و الملاحظ أن هذه الوثيقة جاءت طويلة إذ وصلت 180 فصلا كذلك أغرقت بشكل كبير في القوانين التنظيمية. 

تراوحت القوانين التنظيمية في المغرب مند دستور 1962 الى غاية دستور 1996 ما بين 7 و9 ان القوانين التنظيمية التي صدرت الى حدود دستور 1972 تمت عبر ظهائر ملكية ولم يتم البث البرلماني الا مع انطلاق التجربة البرلمانية الثالثة أي مند 1979، اما الدستور 2011 فقد تضاعف عدد القوانين التنظيمية مقارنة مع الدساتير السابقة حيث وصلت الى 19 قانونا[2] تنظيميا، لذا يمكن ان نسميه دستور القوانين التنظيمية.

فماهي الملاحظات التي يمكن اثارتها حول القوانين التنظيمية الدستور؟

أولا : ان الرهان على التأويل الديمقراطي للدستور من خلال القوانين التنظيمية يعكس ذلك التنازل من الطبقة السياسية على الضغط من أجل اخراج وثيقة دستورية تخضع لمعايير دستور الديمقراطي، هذا الرهان لم يكن سليما لهذه الطبقة السياسية اذ خرجت قوانين تنظيمية لم يتم فيها تأويل روح الدستور تأويلا ديمقراطيا و النموذج هو القانون التنظيمي حول التعيين في المناصب السامية رقم  12- 02[3] و هذا التأويل و التفعيل لا يخص اغلبية عن معارضة بل يهم كل الطبقة السياسية بكل أطيافها لأن الامر يتعلق باستكمال الوثيقة الدستورية  أي النصف الثاني من الوثيقة الدستورية.

مما جعل لها أهمية كبرى بالنسبة للدستور فتخويل سن مجموعة من القوانين التنظيمية التي للسلطة التنفيذية[4] والتشريعية، في سياق سياسي مغاير لسياق السياسي الذي جاء فيه دستور 2011 الذي يتميز بالاستقرار وافول الحراك المجتمعي الذي مما يؤثر على مضمون هذه القوانين التنظيمية ومدى توافقها وملاءمتها لروح الدستور، لذا يمكن ان نتحدث عن تمرير وتحويل جزء من السلطة التأسيسية الفرعية. 

ثانيا: ارتباطا بذلك خلق نقاش حول المسطرة التشريعية لهذه القوانين التنظيمية التي لا تختلف عن القوانين العادية الا بالإحالة أولا على المجلس الوزاري بعد المجلس الحكومي، و عدم إمكانية المناقشة باللجنة المختصة الا بعد عشرة الأيام من الإحالة ضمانا لأهمية هذا النوع من القوانين و تميزها عن القوانين العادية، ثم الإحالة الاجبارية على المحكمة الدستورية، الى هذا الحد تحدث الدستور عن مشاريع القوانين التنظيمية ذات الأصل الحكومي ماذا عن مقترحات القوانين التنظيمية التي خلقت نقاشا داخل الفرق البرلمانية عن احقيتها بالتقدم بمقترحات قوانين تنظيمية هل ستنفلت من الإحالة على المجلس الوزاري هنا المشكل قانوني صرف، لتاتي رسالة ملكية و تقول ان للبرلمان بمجلسيه  الحق بان يتقدم بمقترحات.

ثالثا: يلاحظ في الدستور 2011 توجد فيه كثرة الاحالات على القوانين التنظيمية في حين كان بالإمكان الاستغناء عنها بالإحالة الى قانون عادي نظرا لأنها تنظم مؤسسات عادية مثلا القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي، القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية، القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي فالوثيقة الدستورية تحدثت عن 19 قانونا التنظيمية ارتبط ارتفاع عددها بتأويل الفصل 146 المتعلق بالجماعات الترابية[5]، حيث تم سن ثلاث قوانين تنظيمية للجماعات الترابية و هو تأويل سوي للمنطوق الدستور، يمكن ان يتلافى ذلك بتجميعها في اطار مدونة للجماعات الترابية ، ثم الفصل 10 المتعلق بحقوق المعارضة الذي فتح الباب تنظيم حقوقها الى قوانين تنظيمية او قوانين غادية او فقط النظام الداخلي لمجلسي البرلمان.

رابعا: يتحدث الفصل 86 على ضرورة سن هذه القوانين بوجود أول حكومة بعد دستور2011، في التقييم للإنتاج التشريعي لحكومة عبد الاله بن كيران يلاحظ ان مجموعة من القوانين التنظيمية لم يتم سنها[6] وهذا ليس بخرق دستوري حيث يتحدث الفصل عن مشاريع القوانين التنظيمية لتبقى إمكانية سن هذه القوانين عن طريق مقترحات قوانين تنظيمية.



[1]  - مصطفى قلوش ، الاطار القانوني و الفقهي للقوانين التنظيمية ,المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية عدد47  نونبر دجنبر2002 ص11

 

[2]  - [2] - یتعلق الامر : بالقانون التنظيمي المتعلق بحق الاضراب، القانون التنظيمي المتعلق بمجلس الوصاية ، القانون التنظيمي لقانون المالیة القانون التنظيمي المتعلق باللجان النيابية لتقصي الحقائق، القانون التنظيمي المتعلق بتنظیم بالحكومة وتسییر اشغال الحكومة ، القانون التنظيمي المتعلق بالأمازيغية ، القانون التنظيمي المتعلق بملتمسات المواطنات والمواطنين في مجال التشريع ، القانون التنظيمي المتعلق بعرائض المواطنين والمواطنات الى السلطات العمومية،  القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الاساسي للقضاة ، القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية ، القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية ، القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ، القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الترابية .

[3]  -  من قبيل : العمومية التي تم بها التنصيص على المبادئ والمعايير المتبعة في التعيين في الوظائف السامية ثم  ماهي المعايير التي استند عليها واضع مشروع القانون التنظيمي ليصنف على أساسها مؤسسات ومقاولات باعتبارها استراتيجية، وأخرى باعتبارها غير ذلك حيث كان على القانون التنظيمي أن يوضح المعايير التي على أساسها صنفت هذه المؤسسات والمقاولات باعتبارها استراتيجية، و أخيرا غياب الإشارة إلى سلطة رئيس الحكومة على مديري المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية وامتلاكه الحق في إعفائهم كما يمتلك سلطة اقتراحهم، كذلك ان هذا القانون التنظيمي سيتعرض دائما لتعديل بظهور مؤسسات عمومية و استراتيجية لتحديد من سيعين فيها.

[4] - السلطة التنفيذية براسين الملك ورئيس الحكومة الذي براس المجلس الحكومي يتداول في القضايا ذات الاختصاص فبل التقرير في المجلس الوزاري.

[5]  - يتعلق الأمر بالقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات والقانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم والقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.

[6]  - القانون التنظيمي المتعلق بالأمازيغية، القانون التنظيمي المتعلق بالحق بالإضراب. 

بقلم ذ عدي البشير
طالب باحث بسلك الدكنوراه بكلية الحقوق بجامعة ابن زهر
 


أعلى الصفحة