القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ عبد الصمد عدنان
دكتور في الحقوق
تحت عدد: 370
ملف عدد: 16/1474، رقم: 16/992 م. د
الصادر بتاريخ 15 مارس 2016

 

أولا: نص القرار موضوع التعليق:

 

الحمد لله وحده،

المملكة المغربية                                                                                   

المجلس الدستوري

 ملف عدد : 16/1474       

قرار رقم : 16/992  م. د

 باسم جلالة الملك وطبقا للقانون

 المجلس الدستوري،

        بعد اطلاعه على القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة المحال على المجلس الدستوري بمقتضى رسالة السيد رئيس الحكومة المسجلة بالأمانة العامة للمجلس في 18 فبراير2016، وذلك من أجل البت في مطابقته للدستور؛

       وبناء على الدستور، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليو2011)، لاسيما الفصول  112 و132 و177 منه؛

      وبناء على المادة 48 من القــانون التنظيمــي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.139 بتاريخ 16 من شوال 1435 (13 أغسطس 2014)؛

        وبنــاء على القــانون التنظيمي رقـم 29.93 المتعلق بالمجلس الدستــوري،  الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.94.124 بتاريخ 14 من رمضان 1414 (25 فبراير 1994)، كما وقع تغييره وتتميمه، لا سيما الفقرة الأولى من المادة 23 والفقرة الثانية من المادة 24 منه؛

        وبعد الاطلاع على الوثائق المدرجة في الملف؛

        وبعد الاستماع إلى تقرير العضو المقرر والمداولة طبق القانون؛

أولا– فيما يتعلق بالاختصاص:

        حيث إن الفصل 132 من الدستور نص في فقرته الثانية على أن القوانين التنظيمية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، تحال إلى المحكمة الدستورية لتبت في مطابقتها للدستور؛

       وحيث إن المجلس الدستوري، القائم حاليا، يستمر في ممارسة صلاحياته إلى حين تنصيب المحكمة الدستورية، عملا بأحكام الفصل 177 من الدستور ومقتضيات المادة 48 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية التي جاءت تطبيقا له، الأمرالذي بموجبه يكون المجلس الدستوري مختصا بالبت في مطابقة القوانين التنظيمية للدستور؛

 ثانيا– فيما يتعلق بالشكل والإجراءات المتبعة:

       حيث إنه، يبين من الاطلاع على الوثائق المدرجة في الملف أن القـانون الـتنظيمـي رقــم 106.13 المتعلـق بالـنظــام الأســاسي للقضـاة المحـال علـى الـمجلس الدستوري اتخذ في شكل قانون تنظيمي، جرى التداول في مشروعه بالمجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 29 يناير 2015، طبقا لأحكام الفصل 49 من الدستور، وتم إيداعه بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب بتاريخ 3 أبريل 2015، وأن هذا المجلس لم يشرع في التداول فيه إلا بعد مرور عشرة أيام على إيداعه لدى مكتبه، وذلك خلال جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 27 أكتوبر2015 التي وافق خلالها على المشروع، في قراءة أولى، ثم صادق عليه نهائيا، في قراءة ثانية، في الجلسة العامة المنعقدة بتاريخ 10 فبراير2016 بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين، بعد أن تداول فيه مجلس المستشارين في الجلسة العامة بتاريخ 9 فبراير2016، وأدخل تعديلات على بعض مواده، والكل وفقا لأحكام الفصلين 84 و85 من الدستور؛

 ثالثا– فيما يتعلق بالموضوع:

        حيث إن الدستور يسند في فصله 112 إلى قانون تنظيمي تحديد النظام الأساسي للقضاة؛

      وحيث إن القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة،  المعروض على نظر المجلس الدستوري، يتكون من 117 مادة موزعة على باب تمهيدي وستة أقسام، يتضمن الباب التمهيدي أحكاما عامة (المادتان1و2)، ويتعلق القسم الأول بتأليف السلك القضائي (المواد 3-25)، والثاني بحقوق وواجبات القضاة (المواد 26-56)، والثالث بوضعيات القضاة (المواد 57-95)، والرابع بنظام التأديب (المواد 96-102)، والخامس بالانقطاع النهائي عن العمل (المواد 103-107)، والسادس والأخير بأحكام انتقالية ومختلفة (المواد 108-117)؛

       وحيث إنه، يبين من فحص هذه المواد مادة مادة أنها تكتسي طابع قانون تنظيمي وفقا لأحكام الفصل 112 من الدستور، وأنها من حيث مطابقتها للدستور تثير الملاحظات التالية؛

 في شأن المادة 43 (الفقرة الأخيرة):

        حيث إن هذه المادة تنص في فقرتها الأخيرة على أنه "كما يلتزم قضاة النيابة العامة بالامتثال للأوامر والملاحظات القانونية الصادرة عن رؤسائهم التسلسليين"؛

        وحيث إن الدستور نص في الفقرة الأخيرة من فصله 110 على أنه يجب على قضاة النيابة العامة، أولا وقبل كل شيء، "تطبيق القانون"، وفي حدود تطبيق القانون فرض على هؤلاء القضاة "الالتزام بالتعليمات الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها"، كما أن الدستور اشترط أن تكون هذه التعليمات الملتزم بها كتابية وقانونية في ذات الوقت؛

        وحيث إنه، في غير الحالات التي تهم تسيير شؤون النيابة العامة وتنظيم أشغالها، فإن الأوامر الواردة في الفقرة الأخيرة من المادة 43 المذكورة أعلاه، الموجهة إلى قضاة النيابة العامة من طرف رؤسائهم التسلسليين، لا يمكن أن تلزم هؤلاء القضاة، إذا كانت تهم اتخاذ النيابة العامة لمقرراتها، إلا إذا كانت في شكل تعليمات كتابية؛

        وحيث إنه، مع مراعاة هذه الملاحظة، فإن ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 43 ليس فيه ما يخالف الدستور؛

        لهذه الأسباب:

        أولاـ يصرح:

 1ـ ...

 2ـ ...

 3ـ بأن باقي مقتضيات هذا القانون التنظيمي، ليس فيها ما يخالف الدستور؛

  4ـ بأن عبارة "بصفة خاصة" الواردة في الفقرة الثانية، والبند الأول من هذه الفقرة، والمقطع الثاني من البند التاسع من نفس الفقرة من المادة 97 المذكورة أعلاه، المصرح بعدم مطابقتها للدستور، يمكن فصلها عن أحكام هذه المادة، ويجوز بالتالي إصدار الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، باستثناء هذه المقتضيات؛

        ثانياـ يأمر بتبليغ نسخة من قراره هذا إلى السيد رئيس الحكومة، وبنشره في الجريدة الرسمية.

 

        وصدر بمقر المجلس الدستوري بالرباط في يوم الثلاثاء 5 من جمادى الآخرة 1437

                                                                          (15 مارس 2016)

الإمضاءات:

 محمد أشركي          محمد الصديقي         ليلى المريني           أمين الدمناتي   

عبد الرزاق مولاي ارشيد      حمداتي شبيهنا ماء العينين        محمد أمين بنعبد الله    

ثانيا: التعليق:

بت القرار الصادر عن المجلس الدستوري أعلاه في مدى مطابقة القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة لمقتضيات الدستور الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91[1].

وبعد أن أقر المجلس الدستوري اختصاصه في مطابقة القانون التنظيمي موضوع الدراسة للدستور، عرج على الجوانب الشكلية الواجب التقيد بها[2]، والمتمثلة في ضرورة تداول المجلس الوزاري في مشروع القانون التنظيمي[3]، وأسبقية إيداعه من طرف رئيس الحكومة لدى مكتب مجلس النواب، ثم التداول في مشروعه من طرف المجلس برمته بعد مضي عشرة أيام من تاريخ إيداعه، ثم المصادقة عليه بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين من المجلس[4]، ليتوقف عند جوهر بعض النصوص التي ارتأى أنها تثير بعض الملاحظات.

وباستثناء بعض المقتضيات الواردة في المادة 97، وتحديدا عبارة "بصفة خاصة" الواردة في الفقرة الثانية، والبند الأول من هذه الفقرة، والمقطع الثاني من البند التاسع من نفس الفقرة، اعتبر القرار أن مقتضيات القانون التنظيمي المذكور ليس فيها ما يخالف الدستور[5].

وما يهم من هذه الدراسة هو تحليل الأسانيد القانونية التي أسس عليها المجلس الدستوري قراره، ومعرفة ما إذا كان موفقا في ممارسة وظيفته الرقابية التي من المفترض أن تتمم القواعد القانونية المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية[6]، خاصة في ظل تفاعل هذه الوظيفة في سياق الدستور الجديد مع معطيات الحقل السياسي والأفكار والمرجعيات التي تحرك عمله وطريقة تأويله للنصوص، ومدى مراوحتها بين المحافظة على الموروث والرغبة في التغيير، على اعتبار أن عملية التأويل ليست عملية محايدة ولكنها عملية خلاقة تؤدي في العمق إلى تعديل محتوى الدستور دون المرور بالطرق المشرعة لمراجعته أو تعديله؟

فالمشرع الدستوري لما وضع الآليات الأساسية لاستقلال السلطة القضائية ترك الباب مفتوحا من أجل استكمال البنية النموذجية للسلطة القضائية، تلك البنية التي لن تتضح معالمها إلا من خلال البحث في مدى ملاءمة المنظومة التشريعية المتعلقة بالسلطة القضائية تنظيما وتأسيسا وتحديدا للقواعد الدستورية .

وعلى ذلك، فإن الحديث عن المفهوم الدستوري للسلطة القضائية يبدوا مؤثرا فيما يمكن أن يصدر من قوانين وتشريعات تهم هذه السلطة التي حظيت بنوع خاص من المعالجة الدستورية.

في هذا الجزء من هذه الدراسة سيتم العمل على تحليل قرار المجلس الدستوري بشأن الفقرة الأخيرة من المادة 43 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء حينما اعتبر أن الأوامر الواردة في المادة أعلاه الموجهة إلى قضاة النيابة العامة من طرف رؤسائهم التسلسليين، لا يمكن أن تلزم هؤلاء القضاة إذا كانت تهم اتخاذ النيابة العامة لمقرراتها، إلا إذا كانت قانونية وفي شكل تعليمات كتابية.

فتحليل هذا القرار يستلزم أولا تحديد المقصود بمصطلح القانونية الوارد في المادة 110 من الدستور الذي يطرح أكثر من سؤال، ومنه تحديد المعايير التي يمكن اعتمادها للتمييز بين التعليمات القانونية وغير القانونية. وبالتالي، إيجاد حلول للحالات التي يقع فيها اختلاف بين الرئيس ومرؤوسه حول تعليمات معينة يعتبرها الأول قانونية في حين يرى الثاني أنها غير قانونية، على اعتبار أن الجانب القانوني يتطلب وجهات نظر مختلفة، ومعرفة ما إذا كان هذا المرؤوس سيتعرض للمساءلة في حال لم يطبق التعليمات إذا ما اعتبرها غير قانونية لكنها في واقع الحال كذلك.

كما أن تحليل هذا القرار يستلزم ثانيا معرفة ما إذا كان في قرار المجلس الدستوري بدستورية المادة أعلاه تناقض مع الفصول الدستورية 107 و109، وذلك بمحاولة الإجابة عن تساؤل مفاده: "هل يمكن اعتبار مبدأ خضوع النيابة العامة للسلطة الرئاسية حدا لاستقلاليتها؟ أم إن الأمر هو جوهره تكريس لهذه الاستقلالية؟". أو بعبارة أخرى، هل استقلال النيابة العامة وخضوعها للسلطة الرئاسية مفهومان متناقضان؟ أم إنهما متكاملان؟

على أن التساؤل الذي يمكن اعتباره أساسيا في هذا الإطار هو ذاك المتمثل في السبب الحقيقي الكامن وراء دسترة مشروعية هذه التبعية التي يخضع لها قضاة النيابة العامة.

إن أول ما يمكن ملاحظته في هذه الدراسة هو اعتماد المجلس الدستوري لإقرار دستورية الفقرة الثانية من المادة 43 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء فقط على الفصل 110 من الدستور.

هذا الفصل يلزم أعضاء النيابة العامة بتنفيذ التعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها. فالتعليمات الواجبة التنفيذ ينبغي أن تكون دوما مطابقة للمقتضيات القانونية، إذ المفروض أن أعضاء النيابة العامة ملزمون بتطبيق القانون، وهم بحكم طبيعة مهامهم يخضعون للسلطة التي يعملون تحت إمرتها. فلوكيل الملك بالمحكمة الابتدائية سلطة على نوابه (المادة 39 من ق.م.ج)، وللوكيل العام لدى محكمة الاستئناف سلطة على نوابه، وعلى وكلاء الملك ونوابهم (المادة 49 من ق.م.ج)، في تراتبية هرمية على رأسها الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.

  فالفصل المذكور تضمن واجبين اثنين مفروضين على قضاة النيابة العامة، قد يبدوا للوهلة الأولى أنهما واجبان متناقضان، وهما:   

-         واجب تطبيق القانون: "يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون...".

-         واجب الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية: "...كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعونها".

غير أن الأمر ليس كذالك، فقضاة النيابة العامة ملزمون بتطبيق القانون حسب قناعاتهم وتكييفهم للقواعد القانونية التي قد تصطدم بالتعليمات الكتابية القانونية، بمعنى أنهم ملزمون بتطبيقها إذا كانت منسجمة مع القانون، وقد يرون غير ذلك ولهم تعليلهم[7].

كما أنه، وبقراءة متأنية لهذا الفصل وللحيثية التي وردت في قرار المجلس الدستوري، يمكن الخروج بعدة استنتاجات بخصوص إلزام قضاة النيابة العامة بتطبيق تعليمات السلطة التي يتبعون لها، والتي تهم تسيير شؤون النيابة العامة وتنظيم أشغالها:

-         هذا الإلزام مشروط بأن تكون هذه التعليمات قانونية وكتابية.

-         هذا الإلزام لا يخص الأوامر الشفوية كيفما كانت.

-         هذا الإلزام لا يخص الأوامر غير القانونية كيفما كانت.

-         هذا الإلزام لا يخص إلا الأوامر الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها، دون غيرها من السلط الأخرى.

-          لا يمكن إعذار قاضي النيابة العامة في حالة تطبيقه لتعليمات شفوية غير قانونية، لأن الدستور يؤكد على التعليمات الكتابية والقانونية.

من جهة أخرى، إذا كان مصطلح كتابية الوارد في المادة 110 من الدستور لا يثير أدنى إشكال، فإن الأمر يختلف مع مصطلح القانونية. وبالتالي، هل هناك معايير يمكن الاعتماد عليها للتمييز بين التعليمات القانونية وغير القانونية؟

والمقصود بالتعليمات القانونية في هذا الإطار هي تلك التي حددها الدستور بصفة حصرية، والتي لا تخالف القواعد القانونية الصريحة. أما باقي التعليمات أو الأوامر أو الضغوط أو الممارسات التي تهدف إلى التأثير على قاضي النيابة العامة، فإنها محظورة بقوة القانون، ومن واجب هذا الأخير أن يفضح مرتكبيها، إن هي مورست عليه.

وبالتالي، فكلما كانت هناك تعليمات قد تستوعب وصفا مشتركا بأنها قانونية وغير قانونية، إلا وجب على قاضي النيابة العامة تطبيقها. بمعنى أن احتمال نعتها بكونها قانونية ينهض لوحده سببا لوجوب تطبيقها.

والسبب الكامن وراء ذلك يكمن في أن اعتماد هذا التمييز قد يفتح الباب نحو سيل من التقديرات الشخصية حول ما هو قانوني وما هو غير قانوني، مما يعطي الفرصة لبعض المرؤوسين للتملص من تعليمات رؤسائهم بدعوى أنها غير قانونية، وهو ما سيجعل النيابة العامة تعيش على وقع التمرد الدائم الذي يشكل خطرا داهما على وحدة الجهاز وتماسكه[8].

وهو ما قد يؤدي إلى فقدان جهاز النيابة العامة التحكم في أعضائها بذريعة عدم قانونية التعليمات، ويؤدي تبعا لذلك إلى إفراغ نظام التبعية والسلطة الرئاسية من مضمونه.

وأعتقد أنه لا بد من نصوص توضيحية تضع حدودا لهذه التعليمات، التي لا يجب أن تمس جوهر القضايا، دون تعسف أو شطط، وفي أضيق الحدود، كالتعليمات المتعلقة بإجراء البحوث أو التحقيقات.

ومنه، يجدر التساؤل عن مدى اعتناء المشرع بتحصين قضاة النيابة العامة الذين ينفذون التعليمات التي يتلقونها كتابة أيا كانت طبيعتها. وبتعبير آخر، كيف ستتم  حماية قضاة النيابة العامة من تعليمات خاطئة أعطاها لهم  عضو السلطة التنفيذية أضرت بمواطن؟ وكيف سيتم حمايتهم من كل عواقب محتملة على مسارهم المهني؟

إن إخضاع أعضاء النيابة العامة لواجب طاعة تعليمات الرؤساء التسلسليين لا يعني عدم تحديد المسؤوليات في حالة الخطأ المهني الجسيم، إذ يبقى لهم حق رفض تنفيذ تلك التعليمات إذا كانت غير قانونية وستؤدي لضرر بالمواطن الذي أصبح له دستوريا الحق في المطالبة بالتعويض عن الخطأ القضائي، وهو ما أقره الدستور في الفصل[9].

كما أن إلزام الدستور لهذه الفئة من القضاة بتطبيق التعليمات القانونية الكتابية لا ينفي حقهم في عدم التنفيذ متى تبين لهم إنها غير مطابقة للقانون وستؤدي إلى ضرر للمواطن وإلى مسؤوليتهم الشخصية عن القرار القضائي.

وفي ختام هذه النقطة يحق لنا أن نتساءل عن إمكانية اعتبار مقتضيات المادة 116 من الدستور التي ورد فيها أنه يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة تقارير التقييم المقدمة من قبل السلطة التي يتبعون إليها، آلية للضغط على قضاة النيابة العامة لتنفيذ مقتضيات المادة 110 منه.

هذه الفقرة تتضمن كلمتين تتطلبان نوعا من التوضيح، فماذا تفيد كلمة يراعي؟ هل تفيد غل يد المجلس الأعلى للسلطة القضائية للبت في وضعية قضاة النيابة العامة، وبالتالي التضييق من سلطته التقديرية في هذا الإطار؟ أم إن الكلمة تفيد أن تلك التقارير ليست معيارا حاسما للبت في وضعياتهم، وأن اعتماد المجلس لتلك التقارير هو على سبيل الاستئناس؟

على أن السؤال الذي سيطرح تبعا لذلك، هو: كيف يمكن لقاضي بالنيابة العامة يخضع قانونا للتعليمات التي يتلقاها من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، أي من جهة تتحكم في مساره المهني عبر المجلس الأعلى للسلطة القضائية - بما في ذلك مسطرة التأديب - أن يرفض أو حتى يناقش تطبيق الأوامر؟

أما بخصوص النقطة المرتبطة بمعرفة ما إذا كان في قرار المجلس الدستوري بدستورية المادة أعلاه تناقض مع الفصول الدستورية 107 و109، فيمكن القول بأنه نظرا لاختلاف المهام المنوطة بالقضاة الجالسين عن تلك المنوطة بقضاة النيابة العامة، فإنه يصعب القول باستقلال هؤلاء دون السقوط في تناقض مع مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 110 من الدستور التي تحملهم واجب تطبيق التعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها[10].

فالنيابة العامة قضاء من نوع خاص عهد إليه المشرع بالسهر على التطبيق السليم للقانون، بالإضافة إلى دورها التقليدي في محاربة الجريمة من خلال إشرافها على عمل الشرطة القضائية وتحريكها للمتابعات في حق المخالفين للقانون الجنائي.

ونظرا لما لها من أدوار في تحقيق المحاكمة العادلة، والمساهمة بشكل فعال في إدارة العدالة، وحماية المواطنين من الجرائم والانتهاكات، فهي تعتبر بامتياز مؤسسة مواطنة وديمقراطية[11].

ومن خصائصها إلى جانب الاستقلال ووحدة أعضائها خضوعها لمبدأ التسلسل الرئاسي، والذي يعني خضوع كل عضو من أعضائها– في ممارسة اختصاصاته – لتوجيهات وتعليمات رئيسه، وبما له عليه من رقابة في التنفيذ. وأي عضو من أعضائها يعتبر ممثلا لهذه الهيئة، وأي عمل صدر عنه يعتبر وكأنه صدر عن الهيئة برمتها. فإمكانية الحلول هاته، هي التي تعرف بوحدة النيابة العامة، أو مبدأ عدم التجزئة[12].

وحاصل القول، أن النيابة العامة تستمد قوتها كجهاز من وحدة وتماسك أعضائها، مما يفرض أن تكون قيم الانضباط هي السائدة داخل هذا الجهاز. وهي بذلك، توصف بأنها قضاء التعليمات التي غالبا ما تكون شفوية نظرا للسرعة التي تتطلبها طبيعة عمل هذه المؤسسة.

 وقد حافظ الدستور على نفس الروح الوحدوية والانضباطية من خلال إلقاء واجب طاعة المرؤوسين للتعليمات الكتابية الصادرة عن رؤسائهم.

 وللتدليل بأن تنصيص المشرع على خضوع أعضاء النيابة العامة للسلطة الرئاسية وللتعليمات الموجهة إليهم ليس فيه ما يناقض مبدأ الاستقلال، يكفي استحضار بعض الحالات التي تجسد روح استقلال النيابة العامة، وتجعل من وفاء قاضي النيابة العامة هو أولا وأخيرا لحكم القانون وليس لجهة إدارية معينة. ومن هذه الحالات على سبيل المثال، لا الحصر:

-         طبيعة عمل النيابة العامة الأساسي الذي هو ممارسة سلطة الاتهام، مما يستوجب الخضوع للتعليمات الداخلية التي يوجهها بعضهم إلى بعض، أي تلك التي يوجهها رؤساؤهم إلى مرؤوسيهم بحكم التبعية.

-         صحة وسلامة الإجراءات التي يقوم بها عضو النيابة العامة بالرغم من أنها قد تباشر بالشكل الذي تتعارض مع أوامر وتعليمات رئيسه[13].

-         حرية ممثل النيابة العامة في تقديم جميع الملتمسات الشفوية التي يراها ضرورية لحسن سير العدالة، ولا يقيده في ذلك إلا القانون وضميره. وذلك، بالاقتصار على تنفيذ التعليمات من خلال ملتمساتها الكتابية، والإفصاح عن قناعتها الشخصية شفويا أثناء جلسات الحكم[14].

 ففي حالة وجود تعارض بين التعليمات الموجهة للنيابة العامة وبين مجرى القضية، كما لو ظهرت أثناء سير الدعوى العمومية معطيات جديدة قد تغير مجرى القضية، لا يمكن لممثل النيابة العامة الذي تلزمه أخلاقيات المهنة على العمل على تحقيق المحاكمة العادلة أن يتصرف وفق هذه التعليمات، وإنما يتعين عليه أن يتصرف وفق ما تلجلج في وجدانه واستقر عليه اعتقاده.

 ذلك أن الأدوار الموكلة إلى النيابة العامة لا تعني أنها دائما تقف ضد المتهم، وإنما تعني أنها خصم شريف، باعتبارها تمثل الحق العام وتدافع عن كل إخلال قد يهدد أمن واستقرار المجتمع.

 فعندما تقيم النيابة العامة الدعوى العمومية في مواجهة أحد الأشخاص، فإنها لا تقوم بذلك إلا من خلال ما تكون لديها من قناعة ووسائل الإثبات. أما إذا حصل وظهر لديها عناصر جديدة بعد إقامة الدعوى العمومية تؤكد براءة الظنين من المنسوب إليه، فإنها آنذاك تكون ملزمة بالوقوف إلى جانبه والدفاع عن براءته.

 فالنيابة العامة، باعتبارها الجهة القضائية الموكول لها مهمة الدفاع على حقوق المجتمع في إطار القانون، ارتبطت في ذهن أفراد المجتمع  بكونها "المغرق". وهي عبارة تدل على كون هذه المؤسسة لا تعبأ بتحقيق المحاكمة العادلة، وأن عملها خارج عن الضوابط القانونية. كما تدل هذه العبارة على كون النيابة العامة تحاول إلصاق التهم بالأفراد بأية وسيلة كانت.

 لكن في حقيقة الأمر، هي خصم شريف، تعمل وفق القانون وبالالتزام بأحكامه، مع ما يتطلب ذلك منها من الالتزام بالحياد والتجرد، بما يعني ذلك من الوقوف مسافة واحدة من جميع الأطراف.

فتطور البنى الفكرية والتقدم الحاصل في الالتزام بالمنظومة الحقوقية دفعا بالنظرة التقليدية لدور النيابة العامة إلى الاضمحلال تدريجيا لتحل محلها النظرة القانونية والحقوقية للدور الذي يجب أن تلعبه هذه المؤسسة، وهو الدور الذي يجب أن يكون مجسدا للقواعد والمبادئ الرامية لتحقيق العدالة[15].

وخلاصة القول: إن النيابة العامة هيأة قضائية، تمارس سلطة الاتهام نيابة عن المجتمع، بما تقيمه من دعاوى عمومية، ضد كل من يرتكب فعلا يجرمه القانون ويعاقب عليه، وأن طبيعة عملها الذي تحكمه مبادئ فصل سلطة الاتهام عن سلطة الحكم، وعن سلطة التحقيق، يجعلها مستقلة عن كل هذه الجهات، وخاضعة فقط، ومن الداخل لأعضائها حسب تسلسلهم الرئاسي.

وفي نهاية هذه النقطة، وجب التأكيد على أربع نقاط:

·        إن قضاة النيابة العامة يتلقون التعليمات بقوة النص الدستوري.

·        إن استقلال قاضي النيابة العامة يختلف من حيث مضمونه وتجلياته عن استقلال قاضي الحكم.

·        إن حصر التعليمات في الكتابية والقانونية هو الاستقلال بعينه.

·        إن المشرع أراد للنيابة العامة أن تلعب أدورا إيجابية ومحايدة وفق الضوابط القانونية.

هكذا، نصل إلى الإشكالية المحورية في هذا الإطار، والمتمثلة في السبب الحقيقي الكامن وراء دسترة مشروعية هذه التبعية التي يخضع لها قضاة النيابة العامة.

إن القراءة المتأنية لفصول الدستور تعطي انطباعا واضحا بأن وضعية قضاة النيابة العامة قد تغيرت، إذ إن هذا الجهاز لم يعد فضاء مطلقا للتعليمات كما كان عليه من قبل، وإنما أضحى قضاة النيابة العامة لا يتقيدون إلا بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.

وهو ما يعني توجه المشرع الدستوري بشكل واضح نحو تضييق مجال التعليمات الموجهة إلى قضاة النيابة العامة بشكل يعزز استقلاليتهم، ويضمن فصلا تاما بين عمل النيابة العامة، وما يمكن أن يتأثر به أعضاؤها من تعليمات.

وانسجاما مع مقتضيات الدستور الذي يجب أن يؤخذ كوحدة، فقد انتقلنا من نظام ملائمة المتابعة الذي يعطي لقضاة النيابة العامة سلطة تقديرية واسعة في الحفظ أو المتابعة إلى نظام قانونية المتابعة، فلا تملك النيابة العامة أن تقوم بحفظ مسطرة أنجزت، وإلا تمت مساءلتها من المتضرر من خطأ قضائي محتمل كما يخول له الدستور ذلك.

لكن، ذلك لا يعني إنهاء العمل بسلطة ملاءمة المتابعة، وإنما يعني تقنين العمل بها وتضييقها إلى أبعد الحدود.

فالمقتضيات الواردة في الفصلين 109 و110 تفرض التأمل في أدوار النيابة العامة التي تختلف عن تلك التي يختص بها القضاء الجالس، حيث تسهر على تنفيذ السياسة الجنائية، ولها من الصلاحيات ما يمس جل المجالات العمومية ويمس بالنظام العام، إضافة إلى الأدوار المزدوجة التي تلعبها - القانونية والاجتماعية -[16].

وبالتالي، فطبيعة عملها الأساسي يستوجب الخضوع للتعليمات الداخلية التي يوجهها الرؤساء إلى مرؤوسيهم بحكم التبعية، كما تستلزم خضوعهم للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، باعتباره المسؤول عن تنفيذ السياسة الجنائية[17].

وهذه الصلاحيات لا يمكن ممارستها دون هامش كبير من سلطة الملاءمة، من حيث إجراء البحوث، وفتح التحقيقات، وتقديم الطعون، سلطة تساهم بقدر كبير في الحفاظ على التوازنات الاجتماعية الأساسية.

وسلطة الملاءمة هذه من خاصيات النيابة العامة التي يجب استحضارها في كل نقاش يهم موقع النيابة العامة في المنظومة القضائية.

 وإذا كان القانون هو الذي يجب أن يحكم قرارات النيابة العامة، فإن المنظومة التشريعية – باعتبارها معبرا حقيقيا عن الإرادة التشريعية الرسمية –  التي تحكم عمل هذه الأخيرة هي التي تحدد الإطار المناسب للحركة وحدودها؛ الشيء الذي يطرح التساؤل حول الحدود والنطاق الذي ارتضاه المشرع لدور النيابة العامة.

 فمن ناحية الاختيارات التشريعية، نجد أن جل النظم القانونية، إما أنها تتجه نحو تقييد حرية عمل النيابة العامة وهو ما يصطلح عليه بنظام قانونية عمل النيابة العامة، وبالتالي، تقييد حركاتها وسكناتها التي يجب أن تكون محسوبة، ولا يمكنها تجاوز تلك الحدود، وإلا عرضت عملها للبطلان ووقعت تحت طائلة المساءلة القانونية، أو أنها تضع بيدها سلطة الملائمة الذي يمكنها من تكييف مواقفها حسب كل حالة على حدة[18].

وبتعبير آخر، فالتشريعات تختلف في مدى ونطاق السلطات التي تعطيها لقاضي النيابة العامة في تدبير الوضعيات القانونية التي يتولى معالجتها. وهو أمر قرره الفقه قديما عندما قرار قاعدة "القلم أسير واللسان حر".

 وجدير بالذكر، أن هذه الاختيارات التشريعية لأدوار النيابة العامة غير اعتباطية، ولكنها مرتبطة بمستوى تطور المجتمع ومدى احترامه للقانون وقواعده.

فكلما كان المجتمع أفرادا ومؤسسات تحترم القانون بصورة تلقائية وذاتية، كلما كان الاتجاه نحو تبني نظام قانونية عمل النيابة العامة، وكلما كان هناك استهتار بالحقوق وعصف بالالتزامات إلا وكان الاتجاه نحو اعتماد نظام الملائمة.

 وبين النظامين بون كبير يكمن في كون نظام قانونية المتابعة لا يعني أن نظام الملائمة غير قانوني، وإنما يعني أن كلا منهما له قواعده الخاصة التي حددها المشرع نفسه.

وبالتالي، فإن النيابات العامة في المجتمعات التي تحترم القانون لا تجد نفسها مضطرة للعب دور مزدوج (قانوني – اجتماعي)، وإنما تكتفي فقط بمراقبة جوانب خرق النظام العام المحدد سلفا بقواعد قانونية آمرة تفرض على النيابة العامة التدخل الإجباري في حال حدوث خرق. كما تراعي التطبيق الصارم للقانون في حالة المس بالنظام والأمن العامين[19].

كما أن عمل النيابة العامة في ظل نظام قانوني يتبنى القانونية يتسم بالصرامة والقسوة، ويجد في ذلك مساندة مجتمعية لأن الأفراد أنفسهم يحترمون قواعد القانون ويتمثلون لأحكامه ويجسدونها سلوكا يوميا.

وبالتالي، فإنهم يعتقدون أن أي خروج عن تلك القواعد والنواميس، إنما هو تهديد للنظام العام وبنية السلم الاجتماعي، مما يستوجب الزجر الفوري ليكون رادعا لكل من سولت له نفسه الخروج عن الضوابط القانونية.

 غير أن البيئة الاجتماعية التي لا تقدر فيها قيمة القاعدة القانونية، إنما هي بيئة لا تحترم عمل المؤسسات العامة بما في ذلك عمل السلطة القضائية. وهي بيئة  تتميز بالخرق اليومي والمتكرر للقانون، الشيء الذي يفرض على المشرع أن يتبني نظاما يحكم عمل النيابة العامة يتلاءم مع هذه البيئة الاجتماعية.

ولا يعني ذلك أن نظام ملاءمة المتابعة لا تتبناه إلا الدول "المتخلفة اجتماعيا" أو تلك التي لا تزال في طور النمو، وإنما قد نجد هذا النظام في نظم قضائية متطورة.

وهو ما يعني أن تبني نظام الملاءمة هو اختيار واعي من المؤسسات التشريعية وترجمة عملية للاختيارات الرسمية لنطاق ومدى حركة النيابة العامة من أجل الحفاظ على النظام العام وحماية السلم الاجتماعي.

وإذا كان نظام قانونية عمل المتابعة يقيد تحرك النيابة العامة بقواعد قانونية صارمة تتجسد بصورة جلية في لحظة تحريك الدعوى العمومية وعرض الأفراد المفترض خرقهم للقانون على أنظار المحكمة، فإن نظام الملاءمة يعطى للنيابة العامة حرية التصرف في تحريك أو عدم تحريك الدعوى العمومية بعد أخذ مجموعة من الاعتبارات التي تبقى معقولة في بيئة لا يزال فيها القانون غير محترم.

ومن تلك الاعتبارات نجد الظروف التي تقترف فيها الجريمة أو يتم فيها التعدي على القانون وخرقه، كما أن من تلك الاعتبارات نجد ما يستلزمه الظرف الاجتماعي العام ومدى قدرة القرار المتخذ من طرف النيابة العامة على إحداث الأثر المتوخى منه، أم إنه سيساهم في إحداث اضطراب اجتماعي ويأتي بنتائج عكسية؛ على اعتبار أن عدم احترام الأفراد لروح القانون وقواعده وانتصارهم للمصالح الشخصية على حساب الحق والقانون هو المحرك الأساسي لسوء فهم بعض قرارات النيابة العامة.

 فالهدف إذن وراء دسترة مشروعية هذه التبعية التي يخضع لها قضاة النيابة العامة، يتجلى في ضرورة العمل على بلورة رؤية موحدة لاستكشاف الظروف الاجتماعية ومدى القدرة على رصد ما قد تسببه بعض القرارات من اضطراب اجتماعي.

وهنا، نلمس الفرق بين النظرة المؤسساتية للنيابة العامة والنظرة الشخصية لقاضي النيابة العامة في استجلاء جميع الآثار المحتملة للقرار المزمع اتخاذه.

وخلاصة القول في هذا السياق، أن النيابة العامة لا تتحرك في إطار ذاتي موسوم بالمزاجية والاعتباطية في اتخاذ القرارات، وإنما بناء على اختيار تشريعي مترجم لرغبة سياسية في إعطاء هذه الجهة القضائية دورها القانوني والاجتماعي بما يتلاءم مع طبيعة وخصوصية المجتمع.

 ومنه، فالحديث عن قاضي النيابة، إنما هو حديث عن عضو من أعضاء السلطة القضائية. ولذلك، فإن مسؤوليته في تطبيق القانون تبقى أمرا محسوما في ظل النظام الدستوري والإطار القانوني الذي يسمح له باتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، شريطة أن تكون تلك القرارات مطابقة للقانون وفي إطار التوجهات العامة التي تهدف إلى تحقيق السلم الاجتماعي.

 وبالتالي، فإن التعامل مع النيابة العامة كجهة مؤسساتية يختلف عن التعامل معها تجزيئيا باعتبارها مجموعة من الأفراد.


لائحة المراجع:

الكتب:

-         ذ. كريم لحرش: "الدستور الجديد للملكة المغربية: شرح وتحليل، سلسلة العمل التشريعي والاجتهادات القضائية، مطبعة فضالة، العدد 3، 2012. 

المقالات:

-         ذ. بجي فيصل: "النيابة العامة بين الاستقلال والتبعية: أي نموذج يجانب المغامرة؟"، مقال منشور بمجلة الفقه والقانون، العدد 31، ماي 2015، ص: 60-67.

-         ذ. البوفي إدريس: "المحاكمة العادلة ومتطلبات الإصلاح القضائي": مقال منشور بمجلة مسالك، العدد 35/36، 2015، ص:107-123.

-         ذ. وهابي يوسف: "النيابة العامة سلطة خاضعة بطبيعتها ونص الدستور وروحه يؤسسان لخضوع النيابة العامة وليس لاستقلالها"، مقال منشور بمجلة الفقه والقانون، العدد 4، فبراير 2013، ص: 1-5.

-         ذ. عبد النبوي محمد: "الدور الاجتماعي للنيابة العامة في ظل قانون المسطرة الجنائية المغربية الجديد"، مقال منشور بمجلة الملحق القضائي، العدد 37، 2004، ص: 84-101.

-         ذ. بوكرمان محمد: "إنصاف القضاة كآلية لإنصاف المتقاضين"، مقال منشور بمجلة المحامي، العدد 41، 2002، ص: 15-27.

-         ذ. الزيتوني إبراهيم: "سلطة القضاء في الدستور مقومات الاستقلالية ورهانات الإصلاح"، مقال منشور بمجلة مسالك، العدد 35/36، 2015، ص: 15-27.

-         ذ الحجاجي منير: "قراءة في ميثاق إصلاح العدالة ومخرجاته التشريعية"، مقال منشور بمجلة مسالك، العدد 35/36، 2015، ص: 79-93.

-         ذ. لكريني إدريس: "استقلالية القضاء ورهانات الديمقراطية والتنمية"، مقال منشور بمجلة المنبر القانوني، العدد 6، أبريل 2014، ص: 95-103.

النصوص القانونية:

-         الدستور الجديد للملكة المغربية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011.

الخطب الملكية:

-         نص خطاب جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله بمناسبة ظهور النتائج الرسمية للاستفتاء الدستوري، وارد في سلسلة خطب وندوات صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني 1992-1993، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، 1994. 

القرارات والأحكام القضائية:

-         قرار المجلس الدستوري رقم: 16/992، بتاريخ 15 مارس 2016.

-         قرار المجلس الدستوري رقم 586/2004، بتاريخ 10 غشت 2004.

-         قرار المجلس الدستوري رقم 382/2000، بتاريخ 15 مارس 2000.



[1] ينص الفصل 112 من الدستور على أن النظام الأساسي للقضاة يصدر بقانون تنظيمي.

[2] وفقا للمسطرة المنصوص عليها في الفصل 84 من الدستور.

[3] الفصل 49 من الدستور.

[4] الفقرة الأولى من الفصل 85 من الدستور.

[5] إذا قضى المجلس الدستوري بأن قانونا يتضمن مادة غير مطابقة للدستور ولكن يمكن فصلها عن مجموعه، يجوز إصدار الأمر بتنفيذ القانون باستثناء المادة المصرح بعدم مطابقتها للدستور، ومثال ذلك ما جاء في القرار 382/2000 بتاريخ 15 مارس 2000 الذي صرح فيه المجلس الدستوري بأن أحكام المادة 142 من القانون رقم 97-15 المعتبر بمثابة مدونة لتحصيل الديون العمومية غير مطابقة للدستور، وصرح بأن المادة 142 المذكورة يمكن فصلها عن باقي أحكام القانون، وبالتالي أمر بتبليغ القرار إلى السيد الوزير الأول ونشره في الجريدة الرسمية.

 كما أنه يمكن أن يقتصر التصريح على عبارة فقط داخل نص قانوني في حالة مخالفتها للمقتضيات الدستورية، ومثال ذلك ما جاء في القرار رقم 586/2004 والصادر بتاريخ 10 غشت 2004 الذي جاء فيه أن القانون رقم 01-17 المتعلق برفع الحصانة البرلمانية مطابق للدستور ما عدا عبارة (الذي لا يمكنه رفض الإدلاء به) الواردة في الفقرة الأولى من المادة الثانية منه، حيث صرح بأن العبارة المقضي بعدم مطابقتها للدستور يمكن فصلها عن باقي الأحكام الواردة فيها، وبالتالي جاز نشر المادة المعنية ضمن مجموع القانون المعروض على المجلس الدستوري بعد حذف العبارة المذكورة.

[6] "فالهدف من خلق هذا المجلس هو الزيادة من التمكن في تفسير الدستور ومعطياته ومعانيه وأهدافه. أسس هذا الدستور المجلس الدستوري الذي سيكون بمثابة ذلك المجلس الذي سيقول لنا هذا شيء دستوري، وهذا شيء غير دستوري دون أن يكون فوق السلطات الأخرى، ولا أن ينصب نفسه سلطة فوق السلط. إلا أن كلمته وقضاءه سوف يكونان ملزمين للجميع". مقتطف من نص خطاب جلالة الملك الحسن الثاني بمناسبة ظهور النتائج الرسمية للاستفتاء الدستوري- نص الخطاب الملكي السامي، وارد في سلسلة خطب وندوات صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني 1992-1993، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، ص 92-93. 

[7] ذ. بجي فيصل: "النيابة العامة بين الاستقلال والتبعية: أي نموذج يجانب المغامرة؟"، مقال منشور بمجلة الفقه والقانون، العدد 31، ماي 2015، ص: 69.

 

[8] ذ. وهابي يوسف: "النيابة العامة سلطة خاضعة بطبيعتها ونص الدستور وروحه يؤسسان لخضوع النيابة العامة وليس لاستقلالها"، مقال منشور بمجلة الفقه والقانون، العدد 4، فبراير 2013، ص: 3.

[9] ذ. بوكرمان محمد: "إنصاف القضاة كآلية لإنصاف المتقاضين"، مقال منشور بمجلة المحامي، العدد 41، 2002، ص: 22.

 

[10] وهو ما جعل البعض يحصر استقلال قضاة النيابة العامة في الضمانات التي تحصن مسارهم المهني بقوة الفصل 109 من الدستور.

[11] ذ. كريم لحرش: "الدستور الجديد للملكة المغربية: شرح وتحليل، سلسلة العمل التشريعي والاجتهادات القضائية، مطبعة فضالة، العدد 3، 2012، ص: 89. 

[12] استنادا لما ورد في الباب الثالث من الكتاب التمهيدي من قانون المسطرة الجنائية في الفصول 36 وما يليه، فإن النيابة العامة هي الجهاز القضائي المخول له قانونا حق إقامة الدعوى العمومية ومراقبتها والمطالبة بتطبيق القانون وتنفيذ مقررات هيئة الحكم والتحقيق.

كما أنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، فإن النيابة العامة تسهر على إثارة الدعوى العمومية وتمارسها إلى جانب الموظفين المكلفين بذلك قانونا.

[13] ومع ذلك، فإن الرئيس الذي يكون معارضا لتوجهه يمكن له أن يغيره بأحد زملائه لإتمام باقي الإجراءات وفق توجهاته، أو أن يعطي تعليماته لعضو آخر من أعضاء النيابة لكي يمارس بشأن الإجراءات الأولى طرق الطعن المخولة له أن يمارسها أو أن يمارسها بنفسه.

[14] تنص المادة 138 من قانون المسطرة الجنائية على أنه: "يجب على النيابة العامة أن تقدم ملتمسات كتابية طبقا للتعليمات التي تتلقاها ضمن الشروط المنصوص عليها في المادة 51. وهي حرة في تقديم الملاحظات الشفهية التي ترى أنها ضرورية لفائدة العدالة".

[15] ذ. البوفي إدريس: "المحاكمة العادلة ومتطلبات الإصلاح القضائي": مقال منشور بمجلة مسالك، العدد 35/36، 2015، ص:112.

 

[16] ذ الحجاجي منير: "قراءة في ميثاق إصلاح العدالة ومخرجاته التشريعية"، مقال منشور بمجلة مسالك، العدد 35/36، 2015، ص: 82.

[17] ذ. لكريني إدريس: "استقلالية القضاء ورهانات الديمقراطية والتنمية"، مقال منشور بمجلة المنبر القانوني، العدد 6، أبريل 2014، ص: 101.

 

[18] ذ. الزيتوني إبراهيم: "سلطة القضاء في الدستور مقومات الاستقلالية ورهانات الإصلاح"، مقال منشور بمجلة مسالك، العدد 35/36، 2015، ص: 13.

 

[19] ذ. عبد النبوي محمد: "الدور الاجتماعي للنيابة العامة في ظل قانون المسطرة الجنائية المغربية الجديد"، مقال منشور بمجلة الملحق القضائي، العدد 37، 2004، ص: 96.

 

بقلم ذ عبد الصمد عدنان
دكتور في الحقوق
 


أعلى الصفحة