//

 
القانون العام

بقلم ذ يونس الحكيم
دكتور في الحقوق باحث جامعي" كلية الحقوق، عبد المالك السعدي طنجة" - إطار بوزارة الداخلية.
تحت عدد: 269
تعد المرأة شريكا أساسيا في تحقيق أهداف التنمية وتطوير المجتمع، فلا تقدم فعلي دون إشراك المرأة في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

 

          وقد انتبهت الدول لأهمية إشراك المرأة في عملية التغيير والتنمية الشاملة، وبناء مجتمع ديمقراطي فعلي، عملت على إصدار عدة تدابير قصد تشجع هذه المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

           وفي المغرب استطاعت المرأة خلال العشريتين الأخيرتين تحقيق مكاسب مهمة في مجالات سياسية واقتصادية وقانونية متعددة، إيمانا بأن تقدم المرأة هو أحد مرتكزات تعزيز الانتقال الديمقراطي و بناء الدولة الحديثة.

           ولتشجيع التمثيلية النسائية  اتخذ المغرب مجموعة من الإجراءات القانونية والمؤسساتية من أجل الرقي بوضعية المرأة داخل المجتمع في أفق تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات تفعيلا للمقتضيات الدستورية.

          وهكذا انخرط المغرب منذ الانتخابات الجماعية لسنة 1960، في مسلسل طويل للامركزية الترابية والنهوض بالديمقراطية المحلية أملا في جعل الجماعة فضاء للتنمية، مرورا بالانتخابات الجماعية 1976 و الانتخابات الجماعية ل16 أكتوبر 1992 و13 يونيو 1997 كما تميزت الانتخابات الجماعية ل 12 شتنبر 2003، من جهتها بتطور على مستوى تمثيلية النساء بنسبة 5 بالمائة من المرشحين الذين حظوا بدعم 26 حزبا سياسيا خاضت غمار المنافسة مقابل 1.62 بالمائة خلال اقتراع 1997.

         وفي السياق نفسه، تم إطلاق عدة إصلاحات في أفق الانتخابات الجماعية ل 12 يونيو 2009، وخصوصا التعديلات التي تم إدخالها على مدونة الانتخابات من أجل تقليص

سن الترشيح من 23 إلى 21 سنة والرفع من نسبة تمثيلية المرأة إلى 12 بالمائة.
وبعد نصف قرن على تنظيم أول انتخابات فقد شكل إقتراع 4 شتنبر 2015 تكريسا للإصلاحات الديمقراطية العميقة التي أطلقتها المملكة المغربية وتتويجا لمسلسل لامركزية ترابية تتضمن تأهيل ملموس لورش الجهوية المتقدمة.

           وتؤكد حصيلة انتخابات 4 شتنبر 2015 نجاح سياسة المغرب في تشجيع ودعم مشاركة المرأة في مسلسل اتخاذ القرار و ضمان وصولها إلى المؤسسات التمثيلية بنسبة تفوق 27%.

           حاصل القول أن المشاركة النسائية  التي  ليس مطلبا ظرفيا وإنما هو مطلب يستهدف خدمة الديمقراطية التمثيلية وتحصينها من خطر لامبالاة الساكنة في اتجاه الحياة العامة، فمشاركة النساء من شأنه توفير قاعدة من المعطيات تساهم في تنوع الآراء والحلول للمشاكل المطروحة.

لهذا ولكي يتم الإحاطة بموضوع التمثلية النسائية، أقترح دراسته في محورين:

المحور الأول : التجليات القانونية للتمثيلية النسائية في المجالس المنتخبة  .

المحور الثاني  : السبل  القانونية  لتفعيل التمثيلية النسائية في المجالس المنتخبة. 

 

المحور الأول : التجليات القانونية للتمثيلية النسائية في المجالس المنتخبة

         يحث الدستور المغربي لفاتح يوليوز2011 على تفعيل المقاربة التشاركية في الإعداد والتفعيل والتنفيذ والتقييم للسياسات العمومية، وهي أساس الديموقراطية التشاركية التي يؤصل لها، وتعتبر شكلا متقدما للديمقراطية وتجسيدا للمواطنة الحقة، كما أنها واقع تفرضه ظروف تطور المجتمع وتنوع حاجياته وتعقدها في الألفية الثالثة.

         وبدون إشراك النساء في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لا يمكن الحديث عن هذه المقاربة التشاركية، الساعية للرفع من التمثيلية النسائية  في المغرب.

        علما أن دستور 2011 يؤكد على التزام المغرب بحماية الحقوق الإنسانية للنساء  و النهوض بها، كأحد دعائم بناء دولة الحق والقانون وذلك من خلال التزامه بمبادئ وقيم حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، والتنصيص على سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرفه على التشريعات الوطنية.

         كما جرم الدستور الجديد كل أشكال التمييز، وأرسى قواعد تعزيز المساواة بين الجنسين في سائر الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما أكد على إلزامية اتخاذ التدابير القانونية التي من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار السياسي.

        ولانخراط المغرب في الدينامية الدولية الرامية إلى المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، ووفاءا بالتزاماته المتعلقة بمقاربة النوع وفي إطار ملائمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية، أكدت مختلف القوانين الانتخابية على إدماج  النساء في مختلف المجالس  التمثيلية المنتخبة، عبر اعتماد إجراءات تحفيزية بغية تحقيق هذا الهدف حيث ثم إقرار التمييز الإيجابي " الكوطا " على المستويين الوطني و المحلي.

       وإذا كان نظام الكوطا أو الحصة يعتبر من أهم التدابير المتخذة لرفع التمثيلية النسائية، و شكل من أشكال التمييز الإيجابي لمساعدة المرأة على التغلب على العوائق التي تحد من مشاركتها السياسية مقارنة بالرجل، كما تساهم في تقليص الفجوة بين الجنسين  وتكون هذه "الكوطا" متدرجة تصل على الأقل إلى الثلث الذي يعتبر، عتبة دنيا لضمان تواجد دال للنساء في الهيئات المنتخبة،  فإنه من ناحية أخرى  يبقى نظام الكوطا حلاًّ مرحليًّا ومؤقتا لمجتمع لازالت تطغى عليه العقلية الذكورية، ولا يؤمن بقدرات المشاركة السياسية للمرآة وخاصة على مستوى القرار.

          وبالإضافة إلى هذا يعد تعزيز التمثيلية النسائية في المجالس المنتخبة، مؤشر للهدف الثالث من الأهداف الإنمائية للألفية  والمتمثل في ” تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة ” وأن ألا تقل نسبة النساء في المجالس النيابية عن30 %  كأحد أهداف برنامج عمل “بيجين”.

          كما اتخذت  المملكة المغربية عدة تدابير وإجراءات قانونية لدعم التمثيلية النسائية، من أهمها إحداث صندوق الدعم لتشجيع تمثيلية النساء في 30 دجنبر 2008 ، الموجه لتقوية قدرات النساء التمثيلية بمناسبة الانتخابات الجماعية والتشريعية  والتي عززتها تعديلات 2013  التي أدخلت على الإطار التنظيمي للصندوق والرامية بالأساس لتحقيق فعالية أكبر بالنسبة لأدائه، وتبسيط وضبط الإجراءات المسطرية، وعقلنة التمويل العمومي وضمان شفافيته مع تيسير الولوج إليه بالنسبة لحاملي المشاريع فضلا عن توسيع الاستفادة منه وفق ضوابط واضحة ومحددة.

           وتأتي مختلف هذه المبادرات تجسيدا لمضامين الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة الدورة الأولى للسنة التشريعية الثانية في أكتوبر 2008 ، والذي دعا فيه جلالة الملك الحكومة والبرلمان “إلى التعاون المثمر من أجل إيجاد الآليات الناجعة لتشجيع حضور ملائم وأوسع للمرأة في المجالس الجماعية، ترشيحا وانتخابا” لضمان تمثيلية منصفة للنساء في الجماعات المحلية و بالأساس، تمكين مجالسها من الاستفادة من عطاء المرأة المغربية المؤهلة بما هو معهود فيها من نزاهة وواقعية وغيرة اجتماعية.

         حيث يعد إدماج النساء في مسار تدبير الشأن العام خيارا اعتمده المغرب، سعيا وراء تكريس مجتمع قائم على القانون والمساواة و الكرامة من خلال نصوص قانونية و اتفاقيات دولية كما يلي :

 

* ينص الفصل  السادس من دستور المملكة  على أنه " تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية". أما الفصل التاسع عشر منه ، فقد أكد على أنه

 " يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها. تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء وتُحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز".

* يؤكد الفصل 146 من الدستور على أن يجعل من  ضمن مشمولات القانون التنظيمي المتعلق بالجهات والجماعات الترابية الأخرى، تحديد "أحكام تحسين تمثيلية النساء" داخل مجالس هذه الجماعات؛

* القانون/ رقم 08/17 المُغير والمتمم للميثاق الجماعي /المادة 14 من الميثاق الجماعي :...تحدث لدى المجلس الجماعي لجنة استشارية تدعى لجنة المساواة وتكافؤ  الفرص تتكون من شخصيات تنتمي إلى جمعيات محلية وفعاليات من المجتمع المدني يقترحها رئيس المجلس الجماعي... 

* المادة 36 من الميثاق الجماعي: ...يحدد المخطط الجماعي للتنمية الأعمال التنموية المقرر إنجازها بتراب الجماعة لمدة ست سنوات، في أفق تنمية مستدامة وفق منهج تشاركي، يأخذ بعين الاعتبار على الخصوص مقاربة النوع  فالتحول النوعي في الميثاق الجماعي الذي دقق ووسع الاختصاصات الاجتماعية للجماعات المحلية باعتماده مقاربة النوع الاجتماعي عند إعداد المخطط التنموي للجماعة، وكذا إحداث لجنة المساواة وتكافؤ الفرص، وإقرار مدونة الانتخابات آليات توسيع التمثيلية النسائية في الجماعات المحلية.

كما صادق المجلس الحكومي بتاريخ  25 يونيو 2015 على مرسوم رقم 450-15-2 في شأن مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات العامة الجماعية والانتخابات العامة الجهوية وكذا في تمويل الحملات الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية المشاركة في انتخاب أعضاء مجلس المستشارين  و اعتمد المرسوم مقتضيات لرفع مبلغ المساهمة في حالة انتخاب مترشحة وذلك من أجل تشجيع التمثيلية النسائية بالنسبة للانتخابات العامة الجماعية والجهوية، وبهدف تحفيز الأحزاب السياسية على إدراج أسماء مترشحات في المراكز المؤهلة للانتخابات.

   *  المادة 17/ الفقرة السادسة من القانون التنظيمي 113-14 المتعلق بالجماعات الترابية التي تنص على أنه  " يتعين العمل على ان تتضمن لائحة ترشيحات نواب الرئيس عددا من المترشحات لا يقل عن ثلث نواب الرئيس".

* كما تم التنصيص كذلك على تخصيص ثلث المقاعد على الأقل للنساء في كل دائرة انتخابية على أن لا يحول ذلك دون حقهن في الترشح برسم المقاعد المخصصة للجزء الأول من لائحة الترشيح (المادة 76 من القانون التنظيمي 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية)، كما نصت على أن "تشتمل كل لائحة ترشيح على جزأين يتضمن الأول عددا من الأسماء يطابق عدد المقاعد المخصصة لهذا الجزء مع بيان ترتيبهم فيه" (المادة 85 من نفس القانون).

  *  دورية وزارة الداخلية رقم 3834 D الصادرة بتاريخ 4 شتنبر 2015 حول موضوع انتخاب رؤساء مجالس الجهات و مجالس الجماعات و نوابهم و كتاب المجالس المذكورة و نوابهم  أكدت على الطابع الالزامي للتمثيلية النسائية ونصابها مؤكدة على ما يلي " و تجدر الإشارة إلى انه يتعين أن تتضمن كل لائحة من اللوائح المقدمة مترشحات لنواب الرئيس لا يقل عددهن عن ثلث النواب طبقا لأحكام المادة 17 من القانون التنظيمي 113-14
وتبرز أهمية هذه الدورية وصيانتها للمناصفة الانتخابية كونها تم تدعيمها بدورية أخرى أكثر تشبثا بمبدأ المناصفة و أكثر تقيدا بالطابع الإجباري للتمثيلية النسائية.

 ومن ناحية أخرى تجد المرجعيات القانونية المتعلقة بتحسين أحكام التمثيلية النسائية السياسية أصولها التاريخية في الوثائق والصكوك الدولية التي أكد الدستور المغربي في تصديره وجوب الالتزام بها باعتبارها تسمو على القوانين الوطنية ومن هذا المنطلق، انخرط المغرب في عدد من الاتفاقيات الدولية، من أبرزها:

 

 

-         العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية فقرات   3 و 1 و 26.

-         الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان المادة 14.

-         الاتفاقية الأمريكية لحماية حقوق الإنسان المادة 1.

-   الاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة لسنة 1952 التي تنص في مادتها الثانية على أن للنساء الأهلية في أن ينتخبن الهيئات المنتخبة بالاقتراع العام، والمنشأة بمقتضى التشريع الوطني بشروط تساوي بينهن وبين الرجال دون تمييز والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يقول في المادة "25 "، لكل مواطن الحق في المشاركة في تسيير الحياة العامة مباشرة أو عن طريق ممثلين مختارين".

-  اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 تنص في مادتها رقم" 7" على حق المرأة في التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، والأهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي تنتخب أعضاءها بالاقتراع العام والمشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفي تنفيذ هذه السياسة وفي شغل الوظائف العامة.

        على المستوى العملي، يبرز تحليل نتائج الانتخابات الجماعية لسنة 2009 كون تزايد عدد النساء المنتخبات أحدث أثرا إيجابيا مباشرا على مستوى مؤشرين رئيسيين:

ü  المؤشر الأول يتعلق بتشبيب النخب المحلية إذ أن 50 % من النساء المنتخبات يقل عمرهن عن 35 سنة مقابل 12% فقط من الرجال.

ü  المؤشر الثاني يهم ارتفاع المستوى التعليمي إذ أن 71% من النساء المنتخبات وفقط 52% من الرجال المنتخبين لهم مستوى تعليمي ثانوي أو عالي.

        وقد ثم الحصول على هذه النتائج بسبب تخصيص ثلث المقاعد على الأقل للنساء في كل دائرة انتخابية على أن لا يحول ذلك دون حقهن في الترشح برسم المقاعد المخصصة للجزء الأول من لائحة الترشيح (المادة 76 من القانون التنظيمي 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية)، كما نصت على أن “تشتمل كل لائحة ترشيح على جزأين يتضمن الأول عددا من الأسماء يطابق عدد المقاعد المخصصة لهذا الجزء مع بيان ترتيبهم فيه” (المادة 85 من نفس القانون).

      وتم فضلا عن ذلك اعتماد آلية تشريعية من شأنها الرقي بتمثيلية النساء داخل مجلس المستشارين تقوم على اعتماد مبدأ التناوب بين الجنسين بالنسبة للوائح الترشيح المقدمة في نطاق الهيئات الناخبة الممثلة في مجلس المستشارين كلما تعلق الأمر بإجراء الانتخاب عن طريق الاقتراع باللائحة

وبخصوص انتخابات 4 شتنبر 2015 يتضح ما يلي :

 أوضحت معطيات لوزارة الداخلية حول الانتخابات الجماعية والجهوية حصول النساء في الانتخابات الجماعية ليوم 4 شتنبر 2015 على 6673 مقعدا أي ما يعادل تقريبا ضعف العدد المسجل خلال الاقتراع الجماعي لسنة 2009.

وفي هذا الصدد عتبرت رئيسة بعثة ضمن منظمة "جندر كونسيرن إنترناشيونال"، صبرا بانو، ، أن مشاركة النساء، إلى جانب الرجال، في المسلسل الانتخابي، تعد مؤشرا "جد قوي" على التقدم الديمقراطي للمغرب.

        وتعد "جندر كونسيرن إنترناشيونال" منظمة دولية للتنمية مقرها في لاهاي بهولندا، وتعمل من أجل تشجيع النساء كفاعلات في التغيير والتنمية، كما تدعم الاندماج الكلي للنساء في المسلسلات الانتخابية واتخاذ القرارات لتحديد مستقبل بلدانهن.

        من جهة أخرى، أورد البحث الذي أجرته المديرية العامة للجماعات المحلية المساهمة النوعية للنساء المنتخبات في تحسين الحياة اليومية للسكان إذ يولين اهتماما أكبر للقضايا المتعلقة بالأمن، والبنيات التحتية الأساسية، والصحة، ورياض الأطفال، ومجانية التجهيزات الجماعية، وتكييف الزمن المدرسي وساعات العمل ....الخ، كما أن للمنتخبات علاقة أقرب بالسكان (يدخلن البيوت ويلتقين بالأسر بسهولة أكبر).

        إن هذه المكتسبات التي تم تحقيقها على مستوى الحقوق الإنسانية للنساء سواء على مستوى دسترة المساواة، المناصفة و تكافؤ الفرص أو على مستوى التنصيص على مجموعة من إجراءات التمييز الايجابي، و التي مكنت من الرفع من التمثيلية السياسية للنساء في المجالس المنتخبة السابقة ( البرلمان، المجالس الجماعية …) تضل رغم أهميتها بعيدة على طموح الحركة النسائية.

حيث يقتضي بلوغ هدف المناصفة أن تكون المجالس المنتخبة مكونة بعدد متكافئ من النساء والرجال لكن الواقع مختلف عن ذلك بسبب الهوة التي تكونت تاريخيا بإبعاد النساء عن تدبير الشأن العام.

لهذا نسجل مجموعة من الملاحظات نوردها في ما يلي :

·       عدم تفعيل أحكام الدستور ذات الصلة بإعمال مبدأ المساواة و تحقيق المناصفة و منع كافة أشكال التمييز.

·   عدم تفعيل المادة 14 من القانون 17-08 المتعلق بالميثاق الجماعي و الداعية إلى إحداث و تفعيل لجنة المساواة و تكافؤ الفرص.

·       انعدام آليات تتبع و تقييم السياسات العمومية في مجال الحقوق الأساسية للنساء.

·   إدماج المرأة في الحياة العامة  للدولة، لا يرتبط فقط بفتح باب مشاركتها وولوجها إلى المجالس المنتخبة بقدر ما يرتبط بتمكينها الفعلي من اتخاذ القرارات الحيوية داخلها.

·   ينبغي العمل على تخفيض نسبة الأمية داخل صفوف النساء وهذا ما يفرض تحدي تشجيع تمدرس الفتاة  ومواجهة آفة الأمية في النساء الراشدات.

·       ضعف مشاركة المرأة في ضعف تمثيلها في الهيئات السياسية داخل الدولة كالحكومة والنقابات والأحزاب.

 

      خلاصة القول  أن المساواة الفعلية بين النساء والرجال رهين بتشجيع تمثيلية ومشاركة متوازنة بين النساء والرجال في كل مستويات دوائر اتخاذ القرار محليا، جهويا ووطنيا، والتي تؤثر  سلبا في إرساء مبادئ الحكامة، وبإدماج متغير النوع الاجتماعي في ميزانية الجماعة المحلية، وفي مجموع الأنشطة والسياسات المحلية.

 

 

 

 

 

 

المحور الثاني  : السبل  القانونية  لتفعيل التمثيلية النسائية على مستوى المجالس المنتخبة   

         لقد أكد الدستور المغربي في فصله الثامن على أن الرجل والمرأة متساويان في التمتع بالحقوق السياسية، وهو حق كفل للمرأة منذ دستور 1962 الذي صدر بعد الاستقلال؛ غير أن واقع الحال أثبت بأن هذه المساواة تم اختزالها ميدانيا في حق التصويت؛ بينما ظلت تمثيلية المرأة محدودة وهزيلة، ذلك أن هذه الأخيرة لم تتمكن من ولوج المؤسسة البرلمانية إلا سنة 1993 من خلال نائبتين؛ فيما ظل حضورها ضمن مراكز القرار بمختلف الأحزاب ضعيفا  ولم يتم تطبيق ما تمنحها القوانين المنظمة للفعل السياسي على المستوى الدولي والمتمثلة في مجموعة من الاتفاقيات الدولية للمرآة حقوقاً واضحة، لوجود  عوائق أخرى تحول دون مشاركة قوية للمرأة المغربية، وهي عوائق ذات طابع ثقافي وبنيوي تسيء لصورة المرأة بصفة عامة والمرأة المغربية بصورة خاصة، أهمها التنشئة الاجتماعية، حيث تعتقد الغالبية أن قدرات المرأة بشكل عام هي أقل من قدرات الرجل و بخاصة في العمل السياسي واتخاذ القرارات المهمة، وأن الرجل أكثر عقلانية من المرآة فالقيم والعادات والتقاليد السائدة تمثل أحد العوامل التي تعيق دور المرأة في الحياة السياسية بالرغم من الاعتراف القانوني لها بهذا الحق، هذه العادات المنبثقة من الأسرة المغربية التي كانت و لا تزال الخلية الأساس للمجتمع والفاعل في إعادة الإنتاج والتنشئة الاجتماعية.

يجب الاهتمام بالمجالات الآتية

      * اعتماد أنماط اقتراع ومحفزات مناسبة لضمان حصول النساء على ثلث مقاعد المجالس المنتخبة للجماعات الترابية ومكاتبها وهيئاتها الأخرى طبقا لأهداف الألفية للتنمية.

     * الإدماج الممنهج لمقاربة النوع في السياسات العمومية والاستراتيجيات والحكامة على المستوى الجهوي، تصورا وتفعيلا ومتابعة وتقييما.

    * أخذ مقاربة النوع بعين الاعتبار عند وضع الميزانيات على صعيد الجهة والعمالة والإقليم تبعا للتجربة الجارية على الصعيد الوطني والجماعي في هذا الصدد.

   * إحداث من قبل كل مجلس جهوي لجنة لإنصاف النوع (équité genre)، تضم شخصيات كفأة من الجنسين ويكون بوسع هذه اللجنة الاستشارية لدى المجلس أن تعالج من تلقاء نفسها كل مسألة من اختصاصها بغية النهوض بالمساواة بين الرجال والنساء في الجهة.

* إقدام الدولة على تشجيع الأحزاب السياسية، لاسيما من خلال التمويل العمـومي، علـى تعزيز مشاركة النساء في العمل السياسي ضمن هياكلها الجهوية، وعلى تحفيزهن لتحمل المسؤوليات الانتخابية والتدبيرية.

* دعم منظمات المجتمع المدني النسائية لتعزيز مصالح المرأة.

* وضع جداول أعمال لسياسات جماعية، و عقد مؤتمرات وطنية للمرأة، وإشراك النساء في أولويات العمل السياسي و تقلد المناصب الرسمية ،ضرورة التنسيق وإنشاء تحالفات والعمل معا،  بناء القدرات والتدريب على تطوير المهارات والتكوين في خصوصيات  القوانين التنظيمية الداخلية للجماعات.

         وبما أن المقاربة التمثيلية للنساء، قد أصبحت مبدأ دستوريا فيحق التساؤل عن مدى مشروعية إحلال الجنس محل التنافسية السياسية لنيل استحقاق الانتداب الانتخابي لأن المرجعية الدستورية تؤسس للمساواة على قاعدة المواطنة لا على قاعدة الجنس
      *اعتماد أنماط اقتراع ومحفزات مناسبة لضمان حصول النساء على ثلث مقاعد المجالس المنتخبة. هذا المقترح رغم النوايا الحسنة التي حكمته كسابقه ينبئ عن نزوع للخيار السهل عندما يتعلق الأمر بتشجيع اقتحام المرأة للمجال السياسي، الذي عرف هيمنة ذكورية لحقب طويلة.

* الإدماج الممنهج لمقاربة النوع في السياسات العمومية و الاستراتيجيات و الحكامة على المستوى الجهوي تصورا و تفعيلا و متابعة و تقييما .

* كل مجلس جهوي مطالب بإحداث لجنة استشارية لإنصاف النوع تضم شخصيات كفة من الجنسين تعمل من اجل النهوض با لمساواة بين الجنسين في الجهة. يبدو أن هذا المقترح هو استنساخ للمادة 14 من الميثاق الجماعي التي نصت على إحداث لجنة سميت بلجنة المساواة وتكافؤ الفرص.

* تشجيع الدولة للأحزاب السياسية على تعزيز مشاركة النساء في العمل السياسي ضمن هياكلها  .

* العمل على تفعيل المقاربة التشاركية المبنية على النوع الإجتماعي، عبر خلق آليات تمكن كل الفاعلين المدنيين والسياسيين و الاجتماعيين من ضمان مشاركة متوازنة للمرأة المغربية في اتخاذ القرار وتنفيذه وتقييمه.

       إن اعتماد هذه المقاربات في تقاطعاتها و في بعدها الشمولي من شأنه أن يخلق توازنا في الأدوار و العلاقات الاجتماعية، و يغير الصورة النمطية للمجتمع اتجاه النساء، و يحقق  سياسة محلية مبنية على المساواة بين الرجال و النساء في كافة مجالات الحياة  و هو ما يتطلب العمل على تفعيل لجنة المساواة وتكافئ الفرص و توفير الإمكانيات المالية والبشرية من أجل اعتماد سياسة تنبني على مقاربة النوع لتحقيق المساواة بين النساء والرجال و إعطائها الصلاحية التقريرية لا الاستشارية.

* وبغية تشجيع المقاربة التمثيلية  للمرأة المغربية ينبغي على كل قنوات التنشئة الاجتماعية، كالإعلام والأحزاب والمدرسة والمؤسسات الدينية، الاشتغال أكثر على مسألة طرح وإيصال قيم جديدة داخل المجتمع، وتغيير الثقافة التقليدية السائدة.

* وإذا كانت للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تعتبر أداة للحفاظ وإعادة تشكيل التماسك الاجتماعي الترابي ومسلسلا مؤسساتيا وتنظيميا لبناء وضمان التوافق بين عمل مختلف الفاعلين في التنمية البشرية، عبر تبني نظرة مندمجة ومتماسكة من أجل تحقيق تنمية بشرية مستدامة فإنه بلوغ هذه الأهداف ينبغي التفعيل الحقيقي لمقاربة النوع الاجتماعي على مستوى البرامج أو أجهزة الحكامة المختلفة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية .

* وبغية تحقيق تمثيلية للقرب على الصعيد الوطني ينبغي على الوزارة الوصية على ملف المرأة، خلق مصالح خارجية على مستوى الجهات والأقاليم .

وبالإضافة إلى كل هذا، فإن آلية الكوطا لن تحقق الغاية المرجوة والمتمثلة في الرفع من تمثيلية النساء كما وكيفا، بدون توفرهن على الكفاءة والمسار السياسي المتميز داخل الأحزاب السياسية التي ينبغي عليها وضع آليات تمكن النساء من تدبير الشأن الحزبي والوصول إلى مواقع المسؤولية داخل الأجهزة الحزبية.

           حاصل القول أن المغرب قد حقق  مجموعة من المكتسبات على مستوى الرفع من التمثيلية السياسية للنساء في المجالس المنتخبة عبر تبني  إصلاحات مهمة على المستوى الدستوري والقوانين التنظيمية والمنظومة التشريعية المؤطرة لمشاركة المرأة في العمل السياسي. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن ضعف تمثيلية النساء لا يرتبط بغياب القدرات بقدر ارتباطه بإرادة النساء اللاتي تفتقرن للتحسيس بضرورة الاضطلاع بأدوارهن في مجال التمثيل السياسي٬ وتفعيل المنظومة القانونية إلى ممارسة.

 

 

 

 

 

 

 

بقلم ذ يونس الحكيم
دكتور في الحقوق باحث جامعي" كلية الحقوق، عبد المالك السعدي طنجة" - إطار بوزارة الداخلية.
 


أعلى الصفحة