القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ فيصــل بجــــــــــي
دكتور في القانون الخاص ناشــط حقــوقــي
تحت عدد: 330
نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة

للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948، على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأساسية، التي ينبغي أن يتمتع بها الإنسان. سنوات بعد ذلك حظي هذا الإعلان بقبول واسع النطاق، باعتباره المعيار الأساسي لحقوق الإنسان التي ينبغي للجميع احترامها.

    يشكل كذلك العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وبروتوكوليه الاختياريين، بالإضافة إلى العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يسمى بالشرعية الدولية لحقوق الإنسان، وإذا كانت المعاهدات الدولية والقانون الدولي العرفي تشكل العمود الفقري للقانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن هناك صكوكا أخرى مثل الإعلانات والخطوط التوجيهية والمبادئ المعتمدة على الصعيد الدولي تساهم كذلك في تنفيذه وتطويره.

    وإذا كان تحقيق الكرامة الإنسانية يتطلب ترسيخ سيادة القانون على الصعيدين الوطني والدولي، فإن السهر على احترام الحقوق والحريات؛ يستلزم من البلدان العمل على سن دساتير تنص على مقتضيات تلزم بضرورة احترام هذه الحقوق كما هي متعارف عليها عالميا، مع ترجمتها على أرض الواقع من خلال سياساتها وتشريعاتها وممارساتها.

    وبما أن مقياس تطور وتحضر الدول في العصر الراهن يرتبط إلى جانب معايير أخرى بمدى احترام منظوماتها للحقوق والحريات، فإن هذه البلدان تسعى إلى تحسين صورتها الحقوقية أمام المجتمع الدولي، وبدون شك تشكل التقارير الدولية والوطنية حول مدى احترام هذه الحقوق فرصة مناسبة للإطلاع على الوضعية الحقوقية السائدة في كل بلد.

    في هذا الصدد قدمت منظمة العفو الدولية مؤخرا[1]، تقريرها السنوي حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، واعتبرت من خلاله أن هذا الأخير عرف خلال العام الماضي، تراجعا كبيرا في مجال الحريات الأساسية على الرغم من الإصلاحات التي قام بها، وبذلك كانت المنظمة وفية لتقاريرها الأخيرة حول الوضعية الحقوقية لهذا البلد، وطبعا هذه وجهة نظر المنظمة، لكن هل تعتمد بالفعل على دراسات ومتابعات دقيقة ؟ وما مدى مطابقتها للممارسة الواقعية ؟ وماهي خلفيات هذه التقارير ؟

    طبعا لن نناقش السؤال الأخير، لكن سنحاول بسط الوضعية الحقوقية للمغرب بشكل مستقل ومحايد من وجهة نظر بحثية صرفة، للكشف عما إذا كان هذا التقرير دقيقا أم لا.

    معلوم أن المغرب من الدول التي حرصت منذ الاستقلال على التنصيص على احترام حقوق الإنسان منذ أول دستور لسنة 1962، لكن التجاوزات التي عرفتها وضعية حقوق الإنسان في تلك الفترة وما لحقها في مرحلة ما يعرف بسنوات الرصاص، وما تبعه من مطالب ونضالات حقوقية؛ جعله يدخل في مرحلة أخرى منذ بداية التسعينات، عرف فيها انفراجا وتطورا مهما في الممارسة الديمقراطية والحقوقية، حملت معها المعارضة إلى السلطة برآسة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي خلال تجربة التناوب التوافقي في نهاية التسعينات.

    لكن بعد وصول جلالة الملك محمد السادس إلى الحكم، سيعرف المغرب مداخل أخرى جديدة لحقوق الإنسان، توجت بإطلاق مجموعة من المشاريع الإصلاحية الدستورية والتشريعية والمؤسساتية، ابتدأت بما أطلق عليه بالمفهوم الجديد للسلطة، وتنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة، المحطة التي استطاع من خلالها المغرب فتح مجال للتصالح مع الماضي، بالإضافة إلى إحداث مؤسسات أخرى تعنى بحقوق الإنسان، وكان لآخر دستور بالمملكة لسنة 2011[2]، الفرصة الأبرز للمرور لمرحلة أخرى متقدمة للتنصيص على جيل آخر من الحقوق والحريات، ولدسترة بعض هيئـات حمايـة حقـوق الإنسـان والنهـوض بها، كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، والهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز، بالإضافة إلى إنشاء أخرى كالمندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، وكذا فتح المجال أمام هيئات المجتمع المدني[3].

    بذلك يمكن القول بأن هناك شبه إجماع بأن المغرب استطاع تجاوز مرحلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كما أنه خلال السنوات الأخيرة لم يتم تسجيل أي شكل من أشكال التعذيب الممنهج أو الاختطاف القسري[4]، وهو يشكل بذلك  استثناء في المنطقة، وأصبح نموذجا يحتذى به، خاصة بعد مرحلة ما أصبح يعرف بالربيع العربي وما تلاها من اضطرابات بالعديد من البلدان العربية.

    بعد مرور حوالي عقدين ونصف على انطلاق هذه المرحلة، لابد من الاعتراف بأن المغرب خطا خطوة مهمة في البناء الحقوقي وترسيخ مبادئه، لكن مع ذلك لا يمكن القول بأنه قطع نهائيا مع كل التجاوزات وأصبح جنة حقوق الإنسان على الكوكب، فلازالت بعض الجمعيات الحقوقية تسجل تجاوزات وخروقات، لكن بشكل محدود وغير ممنهج، وفيما يلي نعرض لوضعية حقوق الإنسان بالمغرب بشكل مختصر، وما استجد فيها خلال المرحلة الآنية لنقف عند دقة وواقعية تقرير منظمة أمنيستي من عدمه.

   أولا: على مستوى الحقوق الأساسية

    يعد الحق في الحياة أهم هذه الحقوق على الإطلاق، وقد نص عليه الفصل 20 من الدستور[5]، وانطلاقا من ذلك ومن منظور شمولية وكونية حقوق الإنسان، فإنه يجب القول أولا بأن الإجهاض فعل مشين لا إنساني ينطوي على قتل نفس بريئة لم تر نور الحياة بعد، ولذلك فإن مطالب بعض الحقوقيين بإلغاء عقوبة الإعدام، تثير الاستغراب، باعتبارها مجهضة لحق الإنسان في الحياة، فيما يطالبون بسلب الجنين البريء حقه في الحياة، ولأجل ذلك يجب مراجعة هذه المواقف باستقلالية وتجرد واستحضار روح المسؤولية الأخلاقية، ولذلك فقد جرمها القانون المغربي مع مراعاة بعض الحالات كما في مشروع القانون الجنائي.

    وبخصوص عقوبة الإعدام، فإن تقرير منظمة أمنستي تحدث على أن المحاكم واصلت فرض أحكام الإعدام، وكأن هذه العقوبة ملغاة وأن المحاكم تواصل فرضها بشكل غير قانوني، وهذا إقحام في غير محله، على اعتبار أن عقوبة الإعدام لازالت سارية في القانون المغربي، مع الإشارة إلى أن النقاش لازال متواصلا حولها بشكل معمق وهادئ، وهو الموضوع الذي لم يعد من الطابوهات في المغرب، كما أن مشروع القانون الجنائي قلص من عدد الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام، مع استثناء المحاولة أو المشاركة من هذه العقوبة، وهو حل وسط في الإعدام بين المنادين بالإبقاء عليه والداعين لإلغائه، في أفق إنضاج النقاش مستقبلا. لكن هذا التقرير أكد على أنه لم ينفذ أي إعدام منذ 1993، وهو صحيح، لأنه يتم انتظار صدور العفو في حق المحكوم عليه، كما في الأعياد الدينية والوطنية[6].

    بالنسبة للاتفاقيات الدولية، فقد صادق المغرب على جميع الاتفاقيات الأساسية لحقوق الإنسان التي تشكل عناصر قوة فيما يتعلق بالوضعية الحقوقية بالمغرب، غير أنه يجب التأكيد على ضرورة المصادقة على اتفاقية روما.

    وفيما يخص وضعية السجون، فيمكن القول بأنها تشهد تحسنا عاما، وهناك مجهودات تبذل في هذا المجال، غير أنه يجب الاعتراف بكون السجون لازالت تعرف جملة من الاختلالات، إذ هناك شكايات لعدد من المواطنين، يشتكون خلالها من تعرضهم للتعذيب أو للمعاملات القاسية أو المهينة للكرامة الإنسانية في بعض السجون أو في بعض مخافر الشرطة، غير أن ما يجب التأكيد عليه، أن هذه الممارسات تظل فردية وبشكل غير ممنهج، لذا يجب مضاعفة المجهودات التي تبذلها الأجهزة المعنية في سبيل تجاوزها، وخاصة في تعرض بعض السجناء لسوء المعاملة والتعنيف الجسدي والمعنوي والحرمان من الحق في التطبيب، أو فيما يتعلق بالاكتظاظ الذي تعرفه أغلبية السجون، مما يستوجب ضرورة العمل على تطوير المؤسسة السجنية بما يجعلها كمؤسسة لإصلاح سلوك السجين.

    لكن ما وصفه تقرير أمنستي حول التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، بأن السلطات لم تضمن توفير الحماية للموقوفين والسجناء من التعذيب، ولم تقم بإجراء تحقيقات عاجلة في مزاعم التعذيب أو ضمان مساءلة مرتكبيه، فهو أمر لا يستند إلى دلائل، على اعتبار أنه تم بالفعل فتح تحقيق في مزاعم التعذيب، وتم توجيه متابعات في حق رجال شرطة ودرك وسلطة وأمن إضافة إلى الذين ثبت ضلوعهم في أعمال من هذا القبيل.

    ومن زاوية أخرى، لابد من القول بأن المغرب تأخر في إحداث آلية وطنية للوقاية من التعذيب، بعد مصادقته على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لأكثر من سنة، وفي هذا الصدد يجب التأكيد على ضرورة استقلالية الجهة التي سيعهد إليها بالإشراف على هذه الآلية، مع ضمان تدبيرها بشكل ديمقراطي، إضافة إلى ضمان تمثيلية هيئات المجتمع المدني المعنية بمجال حقوق الإنسان وتعدديتها دون تمييز، وفي ظل احترام ميثاق باريس.

    بخصوص مسألة الهجرة واللجوء التي تشكل ظاهرة القرن الحادي والعشرين بامتياز، بالنظر لارتباطها بأسباب متعددة على رأسها الإرهاب والمشاكل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها العديد من البلدان، ويعد المغرب كذلك من الدول التي تعرف هجرة واسعة، إذ لم يعد بلد عبور بل أصبح بلد إقامة واستقرار، بسبب قرارات الاتحاد الأوربي بخصوص منع المهاجرين من الدخول لأراضيه؛ وفي هذا الإطار نص تقرير أمنستي على أن المهاجرين وطالبي اللجوء من دول جنوب الصحراء واجهوا الاعتقال، وزعموا أن سلطات الحدود المغربية والإسبانية استخدمت ضدهم القوة غير الضرورية والمفرطة لمنعهم من دخول إسبانيا، وسمحت السلطات المغربية، بناء على إجراءات تعسفية، بإعادة بعض المهاجرين الذين دخلوا الأراضي الإسبانية بصورة غير شرعية.

    طبعا هذا التقرير يتجاهل القوانين والاتفاقيات الدولية في مجال الهجرة غير الشرعية، كما تجاهل بأن المغرب عمل بشكل إيجابي مع موضوع الهجرة واللجوء بمقاربة أخلاقية وليونة كبيرة لا توجد في العديد من البلدان العربية أو الإفريقية أو الإسلامية، ومنها تسوية وضعية العديد من المهاجرين.

    والآن وبنفس النهج، فإن المغرب مطالب بضرورة استحضار المقاربة الحقوقية في كونيتها وعدم قابليتها للتجزئة في معالجة هذه الظاهرة، خاصة في شقها المتعلق بالإدماج، عبر بلورة استراتيجية مندمجة تشاركية، تضم جميع المتدخلين المعنيين بهذه القضية من فاعلين حكوميين ومؤسساتيين وجمعويين، من أجل تسهيل اندماج المهاجرين في النسيج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الوطني، مع ضرورة العمل على إدماج أطفالهم في المنظومة الوطنية للتعليم، مع محاربة كل أشكال التمييز ضدهم.

   ثانيا: على مستوى الحقوق السياسية والمدنية

    يجب التأكيد على أن هناك مكتسبات جديدة بخصوص الحقوق السياسية والمدنية بالمغرب منذ 2011، يمكن الإشارة في هذا الصدد، إلى أن المغرب تفاعل بشكل إيجابي مع المواثيق الدولية والآليات الأممية في مجال حقوق الإنسان، لكن يجدر التنبيه كذلك بأن عليه مواجهة التحديات الأساسية المطروحة لتطوير احترامها، غير أن المقتضيات التي حملها الباب الثاني من الدستور تعد بمثابة تعاقد حقيقي للحريات، إلى جانب توقيع المملكة على جل الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان، وكذا إصداره لجيل جديد من التشريعات، كتنزيل للدستور ولهذه الاتفاقيات.

    تبقى أهم هذه التنزيلات، القانون رقم 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري[7]، الذي جعل من المحكمة العسكرية محكمة متخصصة، تحاكم العسكريين بمناسبة ممارستهم لمهام عسكرية، ومنع محاكمة المدنيين أمامها، بالإضافة إلى مشاريع القوانين الجنائية والقانونين التنظيميين حول النظام الأساسي للقضاة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية وقانون الصحافة، ومسودة مشروع قانون الوقاية من التعذيب، هذه الخطوات الهامة تفرض كذلك السير على خطى الإصلاحات التي دشنها المغرب.

    غير أنه بالرغم من ذلك، يجب الاعتراف بأن الوضع الحقوقي لازال يتسم ببعض الترددات، ففي الوقت الذي ارتقى فيه الدستور بمكانة المجتمع المدني ومنحه أدوارا دستورية جديدة، فلازال هناك استمرارا في التضييق على حرية تأسيس بعض الجمعيات وحرمان أخرى من وصولات تجديد مكاتبها، واستمرار التضييق والمنع التعسفي لأنشطة بعضها الآخر لاعتبارات غير قانونية، وضرب الحق في التظاهر، مع لجوء السلطات العمومية لاستعمال القوة غير المبررة في تفريق بعض المظاهرات، دون الالتفات إلى التزامات المغرب الوطنية والدولية في هذا المجال، الأمر الذي يطرح على جميع المعنيين من حكومة وبرلمان ومكلفين بإنفاذ القانون سؤال الحكامة الأمنية، وضرورة القطع مع مثل هذه التجاوزات غير المسؤولة.

    لكن ما اعتبره تقرير أمنستي على أن الهيئات الحقوقية التي انتقدت سجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان قد تعرضت للمضايقات من قبل السلطات، التي منعتها من تنظيم فعالياتها الجماهيرية، واجتماعاتها الداخلية، وأنه غالبا ما كان يتم ذلك بصورة غير رسمية عبر تحذيرات شفوية أو باستخدام قوات الأمن لسد السبل أمام من يريدون الوصول إلى أماكن الفعاليات، وأنها وضعت قيودا على الأنشطة البحثية من جانب المنظمات الدولية لحقوق الإنسان؛ فهذا أمر مبالغ فيه بشكل كبير، صحيح هناك تجاوزات غير قانونية لكن ليس بسبب انتقاد هذه الجمعيات لسجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان، لأن انتقاد الحكومة أصبح أمرا عاديا ويمارس بشكل يومي بدون حظر أو منع، لكن يجب التأكيد على أن بعض المنظمات الدولية لحقوق الإنسان تقدم صورا مغلوطة عن واقع الحقوق والحريات بالمغرب.

    سجل تقرير أمنستي فيما يخص حرية التجمع، أن قوات الأمن قامت بفض احتجاجات نظمها مدافعون عن حقوق الإنسان وناشطون سياسيون، باستخدام القوة أحيانا، وتم إلقاء القبض على بعض المحتجين وتغريمهم وسجنهم، وأن السلطات استهدفت الناشطين الصحراويين الذين دعوا إلى حق تقرير المصير في الصحراء، أو أبلغوا عن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، وقامت بفض التجمعات بالعنف، وغالبا باستخدام القوة المفرطة ومحاكمة المحتجين، وخاض بعض السجناء الصحراويين إضرابا عن الطعام احتجاجا على التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، وأن السلطات قيدت إمكانية وصول الصحافيين الأجانب والنشطاء إلى الأقاليم الصحراوية، ومنعت بعضهم من الدخول وطردت آخرين.

    طبعا حرية التجمع حق دستوري، ويجب أن يمارس باحترام تام للقانون، لكن يجب على السلطات كذلك أن تلتزم بالقانون لدى تفريق الوقفات غير المرخصة، أما فيما يخص إلقاء القبض والتغريم والسجن خاصة فيما يتعلق بالناشطين الصحراويين، فإن هذه المزاعم خالية من الصحة ولم يتم تسجيلها من طرف أي من المنظمات الحقوقية بالمغرب، وتبقى مجرد ادعاءات لا ترقى إلى الممارسة الواقعية.

   ثالثا: على مستوى الحقوق الفكرية

    أشار تقرير أمنستي إلى وجود محاكمة صحفيين رأت السلطات أنهم أهانوا شخصيات عامة ومؤسسات الدولة وسِجّل الحكومة في مجال حقوق الإنسان، وأدانت بعضهم بتهم حق عام، كما رأت بأنها ملفقة وأن السلطات استمرت في تضييق الخناق على دعاة حقوق الإنسان والناشطين والفنانين، وأخضعت بعضهم للمقاضاة وتقييد حرية التنقل.

    هذه الأحكام التي أصدرتها أمنستي تبدو غير قائمة على أساس وغير واقعية تماما، إذ أنه وإن كانت هناك متابعات لبعض الصحفيين لأسباب مختلفة، فإن الممارسة الواقعية تثبت أنه لا يتم متابعتهم بسبب تبخيسهم لسِجّل الحكومة في مجال حقوق الإنسان، لأن آراءهم تضل حرة، أما بالنسبة للشخصيات العامة فغالبا لا تتم المتابعة لهذا السبب[8]، كما أن المتابعة من طرف أعضاء الحكومة تستوجب مسطرة خاصة لا يتم اللجوء إليها إلا نادرا، وغالبا ما يتم التنازل عن الدعوى، لكن مسألة إهانة المؤسسات فتستوجب تحريك المتابعة ضدها لأنها لا تمس بشخصيات عمومية أو سياسية لكنها تمس بهيبة الدولة.

    وبمواكب النقاشات المتعلقة بمسودة مشروع قانون الصحافة، يمكن تثمين المجهودات التي قام بها المغرب في انتهاجه للمقاربة التشاركية، بالإضافة إلى ما جاء به المشروع من مكتسبات هامة يجب الاعتراف بأهميتها، كالحماية القضائية والاجتماعية للصحفيين، وحماية مصادر الخبر، وإقرار مبدأ حسن النية، وحماية الصحفيين من الاعتداءات، كما أن منع ومصادرة الصحف انتقل من يد الإدارة إلى يد القضاء؛ لكن على أهمية هذه المكتسبات، فإنه بدون التنصيص على عدم الإحالة في المتابعة على قوانين أخرى كالقانون الجنائي، يبقى الصحفي معرضا لمتابعات جنائية أخرى خارج قانون الصحافة، وهذا أمر فيه تهديد لحرية الصحافة.

    كما أنه في نفس الاتجاه، وانسجاما مع انفتاح الحكومة على مقترحات حول تعديل المسودة[9]، بأنه في إطار الديمقراطية التشاركية يجب العمل على توسيع النقاش أكثر مع المعنيين بمجال الصحافة، على أنه يجب التنصيص على تمكيـن الصحفي من تقديم أدلة الإثبات طيلة مراحل الدعوى، مع إلغاء الغرامات الثقيلة، والتنصيص بشكل صريح على عدم منع الصحفي من ممارسة المهنة لمدة طويلة، مع حماية الحياة الخاصة، والحق في الصورة، ووضع مقتضيات تخص الإشهار كنوع من الحماية للفرد والمجتمع، إلى جانب احترام قرينة البراءة، بالإضافة ضرورة تغطية كل مهن الصحافة والنشر، ومنها الإذاعات والقنوات والوكالات.

    أما بخصوص الحق في الحصول على المعلومة، فلازال هناك استمرارا في ضعف تجاوب الإدارة مع الصحافة والمواطن وهيئات المجتمع المدني بالرغم من مجهودات الدولة المبذولة في هذا المجال.

   رابعا: على مستوى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

    لم يتطرق تقرير أمنستي إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لكن يجب الاعتراف بأن المغرب لم يستطع لحد الآن رسم معالم واضحة حول هذه الحقوق، ومرد ذلك أنها تعتبر مكلفة ماليا واقتصاديا، لكن مع ذلك لابد من الإشارة إلى المستجدات التي عرفتها الجوانب الاجتماعية مؤخرا، كإقرار القانون رقم 12-116 الخاص بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالطلبة[10]، والذي يعتبر خطوة مهمة لتكريس الحق الدستوري في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية، أو بالنسبة لإخراج قانون التعويض عن فقدان الشغل إلى حيز الوجود، والذي من شأنه الإسهام في الاستقرار الاجتماعي، غير أنه يجب العمل على تبسيط مسطرة الحصول على هذا التعويض، كما يجب إخراج القانون التنظيمي للإضراب إلى حيز الوجود، في إطار التزام الحكومة بالفصل 86 من الدستور[11]، مع ضرورة نهج المقاربة التشاركية مع جميع المعنيين، ولو أن المعادلة تبدو صعبة إلى حد كبير، خاصة وأنه تم تحديد موعد الانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر المقبل.

    بخصوص قضايا المرأة، تحدث تقرير أمنستي على أنها واجهت التمييز في القانون والممارسة العملية، ولم تتمتع بالحماية الكافية من العنف الجنسي، وغيره من أشكال العنف. لكن في الواقع يجدر التأكيد على أن المغرب باشر إصلاحات متعددة للنهوض بحقوق المرأة وبأوضاعها، ومنها تمكينها من ولوج مناصب المسؤولية واتخاذ القرار والمناصب السياسية، وتبني مقاربة النوع في العديد من المجالات، إضافة إلى تبني برامج لمكافحة العنف ضد المرأة، والمصادقة على الاتفاقية الدولية لمحاربة التمييز ضد المرأة ورفع تحفظات المملكة عليها، غير أنه بالرغم من هذه الإنجازات المهمة، يبقى الواقع المعيش يطرح تحديا كبيرا في مجال النهوض بهذه الحقوق، خصوصا فيما يتعلق بتنزيل النصوص القانونية المتقدمة، وتعزيز تمثيلية النساء داخل الأحزاب السياسية، على أنه يجب أن تحظى هيئة المناصفة ومحاربة التمييز بالاستقلالية المطلوبة.

    في نفس الاتجاه، لابد من بدل جهود مضاعفة لمكافحة العنف الذي لازالت تتعرض له العديد من النساء، خاصة المرأة العاملة والمرأة القروية باعتبارهما أكثر عرضة لانتهاك حقوقهما الاقتصادية والاجتماعية، في ظل أوضاع تعليمية وصحية تتسم بالهشاشة والضعف، على أنه يجب العمل على الانخراط الجاد والفعلي للدفاع عن حقوق المرأة ومنها المرأة السلالية، بناءً على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات كما هي متعارف عليها عالميا وفي نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها.

    في سياق آخر، أورد تقرير أمنستي أن العلاقات الجنسية بالتراضي بين أشخاص من الجنس نفسه تعتبر جريمة، لكن المنظمة أغفلت بهذه الملاحظة خصوصيات المغرب كبلد إسلامي محافظ ذو أعراف تنبذ مثل هذه الممارسات الشاذة، بل وتحاول هذه المنظمة بملاحظات كهذه إقحام نفسها بطريقة غير مرغوب فيها في مجتمع له ثقافته وتقاليده الخاصة التي هي محل إجماع.

    وفيما يخص حقوق الطفل التي لم يتطرق لها تقرير المنظمة، فإن تنامي حالات الاعتداء المادي والمعنوي على الأطفال في ظل استمرار ظاهرة زواج القاصرات، يتطلب ضرورة العمل على بلورة استراتيجية وطنية لمحاربة الظاهرة، عبر تبني مجموعة من المقاربات وعلى رأسها تيسير ولوج هذه الفئات إلى التعليم بمراحله الثلاث الابتدائي والإعدادي والثانوي، وإدماجها في المجتمع.

    كما أن استمرار ترتيب المغرب في موضوع الهدر المدرسي في نسب عالية مقارنة مع الدول العربية حسب تقارير دولية؛ تعد مسألة مقلقة، فالتعليم يعرف مجموعة من الاختلالات أهمها الارتباك الواضح في تبني لغة التدريس، ولذلك يجب تبني استراتيجية واضحة ذات مقاربة تشاركية من أجل مواكبة التطور العالمي في المجال.

    في الجانب الصحي وهو الجانب الغائب كذلك في تقرير المنظمة، فإنه بالرغم من ضرورة التشييد بمجهودات الدولة فيما يتعلق بتوسيع دائرة المستفيدين من المساعدة الصحية من خلال برنامج المساعدة الطبية راميد، فلابد من التأكيد على أن هذا المشروع لم يحقق بعد الأهداف المسطرة له، خاصة وأن الكثير من المستشفيات والمراكز الصحية لازالت تعيق استفادة العديد من الفئات المستهدفة من هذا البرنامج، والذي لازال يتطلب المزيد من الجهود ومنها توسيع دائرة التعبئة للمساهمة في إنجاح هذا الورش، بالإضافة إلى عملية التحسيس بأهميته وانعكاساته على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

    وفيما يخص قطاع التشغيل وإن لم يكن تقرير المنظمة قد سلط عليه الضوء، فإن الدولة مسؤولة على توفير مناخ الإقلاع الاقتصادي عن طريق الاستثمار العمومي وتشجيع الاستثمار الخارجي، وهو ما تحاول بالفعل العمل عليه من خلال مجموعة من البرامج، وبما أن هذا الإقلاع يتطلب تأهيل القطاع الخاص، فإنه للأسف لازال هناك استمرارا في خرق حقوق فئات عريضة من العمال والمستخدمين، ولاسيما بالمقاولات غير المهيكلة، وهو الواقع الذي يتوجب مواجهته بالمبادرة إلى صيانة حقوق هذه الفئات فيما يتعلق بتسجيلهم وضمان استمرارية التصريح بأجورهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كوسيلة لحفظ كرامتهم عبر ضمان استفادتهم من منافع التغطية الصحية والتعويضات العائلية والتقاعد وغيرها، وكذا الرفع من الحد الأدنى للأجور ليتساوى مع أجور موظفي الدولة، لكن الأهم من هذا هو مراقبة الالتزام بهذا الحد لأنه للأسف هناك عدد كبير من المشغلين لا يحترمون هذه الشروط.

    غير أنه بالرغم من كل هذه الملاحظات المسجلة على واقع الحقوق والحريات بالمغرب، فإن التطور الكبير الذي عرفه هذا المجال في السنوات الأخيرة، ينبئ بتقدم إيجابي يتمثل في عدم التراجع عن المكتسبات كما حصل في العديد من الأنظمة المقارنة، علما أن المسألة الحقوقية بكل البلدان تتطلب عملية التراكم، ولذلك يمكن القول بأن المغرب قد وضع القطار على سكته الصحيحة في هذا المجال، وأن هذا القطار انطلق بالفعل بالرغم من بعض الارتدادات غير الممنهجة، وخير دليل على نجاح التجربة المغربية في مجال حقوق الإنسان، أن معظم الناشطين الحقوقيين بالعديد من الدول يتواجدون داخل المعتقلات، لكن بالمغرب يوجد العديد منهم وزراء ومسؤولين كبار بالدولة، وما التعيينات الأخيرة للسفراء إلا دليلا على ذلك.

    أخيرا، يمكن القول بأن الوضعية الحقوقية بالمغرب كما تمت مناقشتها، لا تتناسب إطلاقا مع تقرير أمنستي الأخير الذي اعتبرت خلاله أن المغرب عرف خلال العام الماضي تراجعا كبيرا في مجال الحريات الأساسية على الرغم من الإصلاحات التي قام بها، كما أن التقارير الأخيرة الصادرة عنها تتنافى مع الممارسة الواقعية وأنها أحكام قيمة، كما أن التقرير لم ينصف المغرب، ولم يعترف بالمجهودات التي يبذلها في مجال حقوق الإنسان.

    وبعيدا عن التقرير وعن واقع الحقوق والحريات، فإن صفوة القول أن تحقيق الكرامة لا يتم إلا عبر سيادة العدل والقانون، وأن هذه السيادة لا تتم إلا عبر استكمال البناء الديمقراطي واحترام قواعده.

 



[1]- قدمت منظمة العفو الدولية - فرع المغرب تقريرها بتاريخ 24 فبراير 2016.

[2]- دستور 2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 الصادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 28 شعبان 1432 (30 يوليوز 2011)، ص 3600.

[3]- حسب تقرير لوزارة العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني حول الشراكة بين الدولة والجمعيات، تم تقديمه يوم 13 مارس 2016 في حفل تخليد اليوم الوطني للمجتمع المدني، أن عدد الجمعيات في المغرب قفز إلى 136 ألف جمعية سنة 2016.

[4]- أكد الأستاذ المصطفى الرميد وزير العدل والحريات في مداخلة له في أحد اللقاءات الحقوقية الأخيرة، بأنه وعلى الأقل منذ تاريخ 2 يناير 2012 لم تسجل أية حالة اختطاف بالمغرب.

[5]- ينص الفصل 20 من الدستور على أن:  »الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان. ويحمي القانون هذا الحق «.

[6]- لا ينفذ المغرب عقوبة الإعدام على أرض الواقع، رغم كونه لم يلغها بعد من الناحية القانونية، لكن سياسته الجنائية الحالية، التي توجد في طور المراجعة، تنحو إلى تقييد الإدانة بهذه العقوبة، وطبعا مع ضرورة استنفاد كل إجراءات الاستئناف والنقض، ولا يجري حكم الإعدام إلا بعد رفض طلب العفو الذي يتم تقديمه بشكل عفوي من طرف النيابة العامة، بالإضافة إلى المبادرات المتعددة للعفو الملكي لفائدة المحكوم عليهم بهذه العقوبة، التي تتحول إلى السجن المؤبد وبعدها إلى السجن المحدد.

[7]- القانون رقم 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.187 الصادر في 17 من صفر 1436 (10 ديسمبر 2014)، الجريدة الرسمية عدد 6322 الصادرة بتاريخ 9 ربيع الأول 1436 (فاتح يناير 2015).

[8]- تجدر الإشارة هنا إلى وجود متابعات أحيانا لبعض الصحفيين بتهم القذف في حق شخصيات عامة، أما بتهم الإهانة فغالبا ما لا تتم المتابعة.

[9]- كما صرح بذلك مؤخرا السيد مصطفى الخلفي وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة.

[10]- انطلق العمل بهذا القانون في 13 يناير 2016.

[11]- ينص الفصل 86 من الدستور على أنه: » تعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبا قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور «.

بقلم ذ فيصــل بجــــــــــي
دكتور في القانون الخاص ناشــط حقــوقــي
 


أعلى الصفحة