//

 
القانون الدولي

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة
تحت عدد: 348
: مقدمة
في إطار إعادة صياغة نموذج جديد

ومتطور للبشرية وفق معايير العدالة والانصاف،   وبغية ضمان استمرارية واستدامة  التواجد الإنساني على وجه  البسيطة،  ومن أجل خلق منظومة مأنسنة من التضامن العالمي حول القضايا المصيرية المشتركة،  والكفيلة بايجاد الحلول الناجعة  للاشكاليات  العويصة المطروحة بحدة في الوقت الراهن،  وعلى رأسها الآثار السلبية  للتغيرات المناخية، يأتي تنظيم المغرب للدورة الثانية والعشرين  لمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ(COP22)  في مراكش، مابين  07 و18 نونبر 2016 ، والذي يدخل في السياقات الموالية لمؤتمر الأطراف (COP21)   في باريس )الذي عقد من 30 نونبر إلى 12 دجنبر 2015( ،  والذي شكل محطة بارزة  في مسارات  الإهتمام  بالمسألة الايكوتنموية من خلال   تبنيه التاريخي للاتفاق العالمي الأول بشأن المناخ. وهو الاتفاق الذي يعتبر ثمرة  نضال مستميت للعديد من الفاعلين / المتدخلين في صيرورة الحكامة المؤسساتية، ومن بينهم  الفاعل المدني/المنظماتي/الغير الحكومي، خاصة منه  الذي حمل لواء الدفاع عن  قضايا البيئة  ومجابهة كل ما يمكن  أن يساهم سلبا  في التأثير عليها،  وذلك وفق مقاربة توليفية تجمع في طياتها بين تيمتي "البيئة"و"التنمية".                                                     لقد أصبحت البيئة  تجسد اليوم،  انشغالا رئيسيا على صعيد كل المستويات : الأفقي والعمودي،الشمولي والخاص، الكوني والمحلي،  الانساني والفردي ... في الاستراتيجيات البنيوية والهيكلية، في السياسات العمومية، في الخطابات والتكريسات.  إنه الانشغال المحقق لكيانه، والمعبر عن ذاته كمحفز لرسم معالم صرح " التنمية المستدامة " أو التنمية المأمول تحقيق أسسها وأبعادها، عن طريق تبني آليات " الإقتصاد الأخضر "، باعتباره إحدى أبرز النماذج الجديدة "المنبثقة " بقوة، للتنمية الاقتصادية والبشرية المستدامة، وهو الاقتصاد الذي ينشأ بالضرورة مع تحسين أنماط الوجود الانساني وتعزيز أنواع التعامل الايجابي، مع كل ما من شأنه تحقيق غايات وأهداف هذه التنمية، سواء عبر توفير الأجواء المناسبة أومن خلال إتاحة الامكانيات الملائمة للتقليل أو للتقليص من المخاطر البيئية المحدقة بالكينونة الايكولوجية. ولن يتأتى بناء صرح " الإقتصاد الأخضر"، إلا عبر الاستخدام الأنجع للموارد والتوظيف الأمثل للخطط القمينة بالتخفيض- وبكفاءة وكفاية – من مسببات التلوث والحرص الدائم على تثبيت أسس التنوع البيولوجي والتمكين المستمر من ضبط التوازن الايكولوجي والتعامل الجاد والمسؤول مع كل ما يطرأ على المنظومة البيئية  من  انعكاسات قد تنجم عن المتغيرات المناخية . كل ذلك يتم تركيز دعائمه، في منأى عن سلبيات ما يسمى ب " الإقتصاد البني "،الذي ما فتئت ظلاله القاتمة وغيومه الملبدة تخيم على الكوكب الأرضي وتجثم على" صدر"البيئة وتسود الحيوات المختلفة، القابلة للتلاشي والاندثار، في أية لحظة من اللحظات " البئيسة " بيئيا، وذلك باعتباره نمطا من الاقتصاد الكارثي، المبني بالأساس على التنمية الملوثة للبيئة، والذي يبقى للأسف الشديد النمط السائد في شتى أرجاء المعمور في الوقت الحالي. إن العواقب الوخيمة لهذا الإقتصاد " البني"، على مستقبل البشرية جمعاء، حتم في الآونة الأخيرة، على ضرورة وضع أسس تفكير جماعي/ شمولي / عابر للدول، لخلق أبعاد مجابهة حقيقية لهذا النمط من الإقتصاد " الفتاك"، وهو ماساهم بشكل أوبآخر في نشأة " جيل جديد" من الجمعيات، جيل متطور، عرف ب "الجمعيات البيئية "،وضع نصب عينيه " البيئة " كهاجس جمعي، يوصلنا أن هو تم التعامل معه التعامل الإيجابي إلى " بر الأمان " للتنمية المستدامة، مما يجعلنا في نهاية مطافات التحليل أمام جمعيات يمكن أن نطلق عليها وفي إطار تركيبي إسم " الجمعيات الايكوتنموية " والساعية بالدرجة الأولى إلى ايجاد حلول واقعية وناجعة لمشاكل المسألة البيئية، وضمان استدامة الصيرورة التنموية في شتى تجلياتها، خاصة وأننا نجد كون القضايا البيئية وحمايتها وتثمين مواردها والرفع من قدراتها، أضحت تحتل حيزا هاما وموقعا متميزا ومكانة لائقة ووضعية متقدمة في أولويات التنمية ككل، الشيء  الذي يجعل الجدلية القائمة بين البيئة والتنمية، تفرض تواجداتها في الوقت الراهن، مما حفز الفاعل الجمعوي " المركب " تركيبا ايكوتنمويا، على القيام بأدوار طلائعية ومهام رائدة في مختلف مستويات ومجالات تدبير الملف البيئي، والمحافظة على التوازنات البيئية ورفع التحديات المطروحة أمام انصهارات كل من حكامة التنمية وحكامة البيئة، بكل جدية ومسؤولية، وعبر كل الوسائل والامكانيات المتاحة، ويدخل كل ذلك في اطار الوعي الدولي المتصاعد والشعور الجمعي المتزايد بضرورة المحافظة على البيئة، لما لهذه الأخيرة من أهمية قصوى ومكانة بالغة على شتى الأصعدة : اقتصاديا،  اجتماعيا، سياسيا، أمنيا وعلميا (1) ... خاصة، أن المخاطر المناخية أضحت تجسد بحق  هاجسا من الهواجس المرتبطة بالأمن الانساني برمته.  الشيء الذي يحتم بالضرورة،  التفكير الملي في صياغة  ميثاق  يلف في طياته  الجهود المشتركة القمينة بالتصدي لكل ما من شأنه  تهديد  سبل  تحقيق  التنمية المستدامة،  ومنها السبل ذات الصلة بالتغيرات المناخية، وما تحمله من تأثيرات  على المنظومة الايكولوجية. هنا، وعلى الرغم،  من أن المسؤوليات  التاريخية  والآثار  المستقبلية  يتم تقاسمها  بشكل غير متساو،  فإننا جميعا  مطالبون  بالتحرك.  فالطوارئ المناخية  تتطلب منا نوعا ما إعادة  صنع نموذج جديد  للبشرية (2). في هذا السياق، تبرز، وبشكل أكثر الحاحا، الأدوار المنوطة بالجيل الجديد من الجمعيات البيئية، وهي الجمعيات الايكوتنموية، والتي قد تتمكن من تحقيق  المبتغى المتمثل في المواءمة  وخلق حالة من التماهي بين البيئة والتنمية المستدامة، إن هي  حرصت  على  إسماع صوتها في كل  المحطات  المصيرية الجمعية  ذات الاهتمام  بالشأن الايكوتنموي. ومن ثم،  تنبثق جدوائية  مشاركة  مثل هذه  التنظيمات   المشتغلة في ميدان  الاقتصاد الأخضر في مؤتمر  الأطراف COP22، الذي سينعقد بمراكش خلال هذا الشهر، باعتباره مؤتمرا لأجرأة وتفعيل  التوصيات والمقتضيات  الواردة في بنود اتفاف باريس، والذي دخل حيز التنفيذ يوم الجمعة 4 نونبر الجاري.

أولا:  سياقات نشأة الجمعيات الايكوتنموية :

تشكل التنمية بمفاهيمها المتعددة والبيئة بمجالاتها المتعددة، الفضاء والإطار الأرحب لأهداف المنظمات غير الحكومية ذات المنحى التطوعي والإشعاع المجتمعي، ولذلك ليس غريبا أن تهتم جمعيات بإحداث لجن دائمة لموضوع البيئة، أو أن تعرف الساحة الجمعوية تنظيمات متخصصة ببرامج وأهداف محددة في هذا الجانب الحيوي. وهنا تتضح معالم الجانب العلائقي بين البيئة والتنمية، وهو الجانـب الذي طرح أولا على الدول الصناعية، حين كانت تبذل جهودا جبارة للرفع من مستوى عيش سكانهـا، حيث تغافلت عن عواقب هذا النمو السريع على الوسط البيئي(3) ، خاصة من جانب التنمية الصناعية والتنمية الحضرية. وعلى هذا الأساس، برز جيل الجمعيات البيئية لضمان نوع من التوازن الايكوتنمـوي ووضع حلول واقعية لمشاكل المسألة البيئية التي أضحت تشكل في الآونة الأخيرة إحدى الأوراش الكبرى في إستراتيجية المجتمع المدني المهتمة بالبيئة، إذ عرف العمل الجمعوي قفزة نوعية تمثلت أساسا فـي إقدامه على تطوير مشاركته في تنويع أنشطته وأهدافه بل أصبح منفذا لبعض المشاريع البيئيـة النموذجية(4).

لقد أصبحت البيئة من بين المفاهيم الكبرى في العالم المعاصر، كما أضحت انشغالا رئيسيا على كل المستويات: المحلي والشمولي، في السياسات العمومية  في الاستراتيجيات الترابية، في الخطابات وفي مشاريع التهيئة العمرانية والتنمية الحضرية. هذا الانشغال وبارتباطه بالتنمية المستدامة لم يعد مجرد تأثير بسيط، وإنما يبرز كملهم للطلب الاجتماعي(5).

إلى حدود بداية القرن  الواحد والعشرين،  ظلت الدراسات المرتبطة بالبيئة ميدانا متعدد التخصصات، ينطلق من خصائص الايكولوجيا العلمية المؤسسة على الجهاز الايكولوجي، والقائمة على التيمات البيئية الكبرى: التغيرات المناخية(6) ، الصحة، التغذية، الفلاحة، تدبير النفايات...

  وعموما، وبالنظر للأهمية القصوى التي تتبوأها البيئة، بدأ الاهتمام بمشاكل هذه الأخيرة وحمايتها كظاهرة حديثة في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، إذ فرض التأثير المتزايد لقضايا البيئة نفسه خارجيا بصورة لم يشهدها من قبل، وأصبحت معه القضايا البيئية وحمايتها وتنمية مواردها تحتل موقعا متميزا في أولويات التنمية. وفي هذا الإطار، شهدت السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا بقضيـة الارتباط بين البيئة والتنمية(7). هذا الارتباط، ووفق علاقة جدلية ايجابية بين الاثنين، أصبح يفرض تدخـل كل الفاعلين في الحقل البيئي، رسميين كانوا أو غير رسميين، في إطار فعاليات المجتمع المدني. وفي هذا الاتجاه، لعب العمل الجمعوي، خصوصا على المستوى المحلي، دورا رائدا في مجال تدبير الملف البيئي والمحافظة عليه ورفع التحديات المطروحة وأمامه بكافة الوسائل المتاحة(8).

كما أنه خلال العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحالي،  أضحت المنظمات غير الحكومية وجمعيات المجتمع المدني في العديد من الدول متجذرة ومنظمة، ومساهمة في جملة من الملفات الكبرى ذات البعد التنموي، ومنها الملف البيئي، وهو نفس الدور المقرر أهميته وتأثيره في السنوات المقبلة، خاصة على مستوى إعطاء هذه التنظيمـات مسؤوليات محددة من حيث التدبير البيئي، وذلك بعد أن أصبحت مجتمعة وبشكل واسع على حماية وتقويم البيئة(9). ويدخل ذلك في إطار النمو المتصاعد للوعي الدولي بضرورة المحافظة على البيئة، والذي أضحى يشكل أهمية بالغة، لما للبيئة من أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وعلمية(10). هذا الاهتمام الدولي، تبلور عبر المؤتمرات والاتفاقيات المتخصصة (كمؤتمر  استوكهولم1972،  مؤتمر ريودوجانيرو 1992،  مؤتمر برلين 1995 ، بروتوكول كيوتو 1997 ،مؤتمر كوبنهاجـن 2009  واتفاق باريس 2015...) وشكل صيحات تحذير بضرورة الحفاظ على البيئة لتهيئة حياة بشرية سوية، حيث مثلـت التوصيات والقرارات الصادرة دوليا أورجهويا مادة خام  رسمت وبدقة،  حقول اشتغال الجمعيات الفاعلة على مستوى القضايا البيئية وحفزتها على بذل المزيد من العطاء المثمر والجهد المضني في سبيل جعل حماية البيئة مبدأ لامحيد عنه لترسيخ أسس تنمية بشرية مستدامة.

وتتركز أغلب الأنشطة الممكن تنظيمها (ورشات، تداريب، لقاءات دراسية، حملات بيئية...) إلـى توجيه الاهتمام لدى القواعد الجمعوية بكل فئاتها من أجل التحسيس والتنبيه إلى القضايا والمجالات التسعة التاليـة:

* حماية نوعية مصادر المياه العذبة.

* حماية المحيطات والبحار والمناطق الساحلية وترشيد استعمالها.

*الإدارة البيئية السليمة للتقنية الحيوية.

* إدارة النفايات الخطيرة والكيماويات السامة ومنع نقلها غير المشروع.

* الحفاظ على التنوع البيولوجي.

* تعزيز الأوضاع الصحية للبشر وتحسين نوعية الحياة.

* حماية الجو عن طريق السيطرة على التغيرات المناخية الناتجة عن الممارسات الضارة.

* حماية وترشيد استخدام موارد الأرض ومكافحة التصحر والجفاف والاستخدام المجحف للغابات.

* تطوير الظروف المعيشية في الأحياء الهامشية الحضرية والمجتمعات القروية، من خلال رفع مستوى العيش وتنفيذ برامج التنمية المتكاملة واتخاذ الإجراءات المناسبة للقضاء على التدهور البيئي في هذه المناطق(11).

وعموما تشكل هذه المجالات خارطة طريق تعمل على ضوئها التنظيمات الجمعوية في لعـب دور تعزيز آليات المشاركة الجماهيرية في برامج حماية البيئة، خصوصا بين قطاعي الشباب والمرأة، انطلاقا من قناعة مبدئية تتجلى في أن كل عضو داخل الجمعية له دور منع أسباب التدهور البيئي. وهكذا، يجب أن تتوجه الجمعيات إلى لعب أدوار ايجابية، كما يلي:

- أن تعمل من خلال برامجها على التوعية بالعلاقات البيئية.

- أن تحرص على إبراز دور العنصر البشري في صون البيئة.

- أن تعمل على التعريف بوسائل العمل والأداء لحماية البيئة.

وهذه الأدوار المركزية تجسد الترابط الوثيق بين مثلث التربية والإعلام والمشاركة. فالهدف من التربية البيئية المنظمة من طرف المنظمات، هو تكوين المواطنين الذين لهم الوعي والاهتمام بالبيئة في شموليتها، وكذا بالمشكلات المرتبطة بها ولديهم المعرفة والاتجاهات والدوافع والالتزامات والمهارات للعمل فرادى أو جماعات لإيجاد حلول للإشكاليات القائمة، ومنع حدوث مشكلات جديدة. ولعل أهم مقصد تتجه إليه هذه التربية تنمية الشعور والاهتمام الشخصي والمسؤولية نحو رفاهية المجتمع الإنساني والبيئة معا. وبدون شك أن كل تحرك من طرف طواقم المنظمات يقترن بوضوح أهداف التوعية في أذهانهم، وأن يكون سعيهم إلى رفع درجة الإدراك الجماهيري والوعي بالمشكلات البيئية، والحث على المشاركة في حلها مبنيا على الفهم الصحيح لأبعاد القضية من أجل تعديل سلوك الأفراد أنفسهم بعد أن يدركوا أبعاد المشكلة ومدى تأثيرها على حياتهم حاضرا ومستقبلا، والأمر لا يقف فقط عند حد الإدراك والسلوك بـل لابد أن يتضمن كل تحرك تحسيسا بالمسؤولية الأخلاقية والالتزام(12).

وعليه، فقطاع البيئة، وحرصا على إشراك الجمعيات كفاعل ومشارك أساسي في تنمية المجتمـع وضرورة حماية البيئة ومكوناتها، عمل على دعم مجهودات العمل الجمعوي وفق مقاربة مندمجة تعتمد على ركائز أساسية الهدف منها ترسيخ مبادئ تنمية مستدامة، إلى جانب انجاز مشاريع في إطار الشراكة تمكن من المحافظة على البيئة والإسهام في ترجمة التنمية الشمولية والمندمجة على أرض الواقع.

وهنا، نجد أن الجمعيات الفاعلة في القطاع البيئي تقوم بدور الشريك في تدبير قطاعات بيئية محددة كالحدائق والمنتزهات عن طريق الشراكة مع الدولة والقطاع الخاص، بل وفعاليات أخرى من المجتمع المدني . وهذا، يشكل دعما مهما للجهود الجمعوية في هذا الصدد، إلا أن هذا الدعم لا يقتصر على الشراكـة وغيرها، بل يمتد إلى الجانب التمويلي من خلال سياسة دعم الفضاء الجمعوي بطرق مختلفة ومتنوعـة اتخذت أشكال الدعم المالي وانجاز مشاريع بيئية نموذجية من جهة أخرى، كما أن الدعم يكتسي طابعا آخر على شكل الرفع من القدرات الذاتية للفاعلين الجمعويين بتنظيم ورشات تكوينية ودورات ومنتديات وطنيا ودوليا(13).

  تجدر الإشارة، إلى أنه إلى جانب الجمعيات المهتمة بالبيئة وطنيا ومحليا وفي مجالات محددة، نجـد جمعيات لها اهتمامات واسعة تنمويا واجتماعيا وثقافيا إلى جانب الاهتمامات البيئية،(14) حيث أنه أيا كان الدعم والمجهودات المبذولة في الميدان البيئي يبقى أن الجمعيات المشتغلة في الميدان البيئي تختلف مـن حيث التدخل، فهناك نجد جمعيات مختصة كليا بالبيئة موزعة ترابيا وجمعيات تشتغل وفق هـدف محدد(15).

وتظل المهمة الرئيسية لهذه الجمعيات المهتمة بالبيئة هو الدفاع عن المصالح الايكولوجية(16).  وذلك وفق مقاربات متعددة من أبرزها المقاربة الطوعية الإرادية Les approches volontaires  ،والتي تشكـل إحدى أهم أدوات السياسة البيئية، وهي تعتمد على عدة آليات:

·       آليات تنظيمية: (مثلا معايير القبول، ممنوعات الإنتاج) وعبرها تعرف السلطات العمومية الريادة البيئية المراد تحقيقها أو التكنولوجيات المراد استعمالها عبر المقاولات.

·       آليات اقتصادية: ( مثلا الجبائية، الرخص المتفاوض عليها) وعبرها تحرص المقاولة، وكذا المستهلك على الاستفادة من الحوافز المالية للتخفيف من التأثيرات السلبية على البيئة.

·       آليات طوعية: (على سبيل المثال أجهزة المعيرة الايكولوجية) وعبرها تتعهد المقاولات بتحسين نجاعتها البيئية، وفق الشروط القانونية اللازمة(17).

إن هذه المقاربات – وسعيا منها لبلوغ مقاصد ومرامي الاقتصاد الأخضر الناشىء – ورغم أنها تظل تعالج المسألة البيئية من زاوية نظر اقتصادية/مقاولاتية، ووفق مبادىء من قبيل السوق والمعيرة وآليات مثل الجبائية والانتاج، فهي مع ذلك تعكس جانبا من الترادف والتطابق والتماثل والتماهي مع الفعل الجمعوي كفعل طوعي يتوخى ضمان الريادة والكفاية والنجاعة والفعالية. وعلى ضوء ذلك، فآليات هذه المقاربات الارادوية، ستظل تجد صداها الواسع والايجابي، سواء على مستوى السياسة البيئية ككل، أوعلى صعيد الممارسة الجمعوية المتصاعدة في المجال الايكولوجي كما وكيفا.

إنه أمام الاهتمام الجمعوي الملحوظ بمحاور البيئة كطرف مساند رئيسي في فهم قضاياها والعمل من أجل حمايتها، أصبح مطروحا بإلحاح تخطيط يتركز حول ثلاثة محاور هي:

* تنوير الأطر والفئات المستفيدة داخل المنظمات بتقديم المعلومات التي تساعد على اتخاذ القرار، ولابـد أن تكون المعلومات موضوعية ودقيقة وأن تستجيب لاحتياجاتهم وملائمة لمستوياتهم الثقافية.

* التحفيز على التغيير نحو الأفضل، ويدخل في هذا الإطار خلق أو دعم الاتجاهات أو القيم المناسبة وإذكاء الحماس للتغلب على الصعاب.

* الدعوة للمشاركة: بمعنى أن الهدف ليس تغيير المواقف والاتجاهات بل تغيير السلوك، وهو عادة وليس في كل الأحوال أعلى مراتب الإقناع(18).

  ويبدو أن أهمية التخطيط وفق المحاور السالفة، أصبح مع الممارسة من المسلمات التي تنـأى بالموضوع عن الجدل، حيث انطلاقا من أن الجهود الفردية لن تعطي نتائج فاعلة، وأن التربية البيئية في حاجة إلى فكر يوجهها في كافة مراحل العمل، تخطيطا وتنفيذا وتقويما ومتابعة، وأنها يجب أن تتجه إلى الصغار والكبار.

يبدو أن هذه المسلمات الأساسية وغيرها تطرح كامل المسؤولية على عاتق التنظيم الجمعـوي المختص أو المهتم، طالما أن التربية البيئية مدخل هام لترشيد السلوك الإنساني نحو البيئة ومواردها، وهذا يتطابق في المدى البعيد مع الأهداف البعيدة لكل تجمع/ منظمة(19). ومن بين ما تحرص على تحقيقه هذه الأهداف هو زيادة الوعي البيئي للمواطنين عن طريق المدارس ووسائل الإعلام وإبراز علاقة ذلك بحقوق كل مواطن، وأن هذه الحقوق تضامنية، أي لا يصح أن يتمتع بها عدد محدود فقط على حساب الأغلبية، وينسجم مع ذلك الاهتمام بالجمعيات الأهلية لحماية البيئة، لأن الدولة لا تستطيع أن تفعل كـل شيء. كما أنه ينبغي أن يتجاوز دور منظمات  المجتمع المدني حدود عملية التوعية، ليصل إلـى الضغط على المؤسسات الحكومية، لإدراج مثل هذه الحلول البيئية في إستراتيجية الدولة، حتى يتم التخطيط من أجل تحقيقها وفقا لمخطط علمي زمني، بدلا من التنفيذ العشوائي(20).

كذلك، يمكن لمنظمات المجتمع المدني العمل في مجال تثقيف المواطن العادي بحقوق الإنسان البيئية وتمكينه من الدفاع عنها، والتي تشمل حقه في الحياة بشكل آمن وخال من كافة أشكال التلوث، ومن كـل أنواع المخاطر البيئية، وحقه الشخصي في وجوده في نظام ايكولوجي سليم وكذلك تمكين المواطن ( الأفراد/ الجماعات) من الدفاع عن الحقوق البيئية، من قبيل الحق في الملاحقة القانونية لمن يقوم بإضـرار البيئة، والحق في الحصول على معلومات بيئية تؤثر عليه أو على محيطه، وحقه في الاطلاع على الخطط البيئية قبل تنفيذها، وحقه في المشاركة في المؤسسات ذات الصلة بإصدار القرارات البيئية.

وتلعب مشاركة الجمهور ومؤسسات المجتمع في صناعة القرار التنموي من خلال عملية تقيـيم الأثر البيئي دورا مهما في وضع الآليات ووضع إطار مؤسسي لحقوق الإنسان البيئية حتى تتمكـن المجتمعات من حماية حقوقها البيئية، وذلك من خلال إتاحة المعلومات البيئية حول حجم ومدى الضرر البيئي للمشاريع التنموية من أجل الحفاظ على حقوق الإنسان وبيئته وحماية موارده، وذلك كأبسط رد على مظاهر الظلم البيئي وغياب العدالة البيئية وأساليب التنمية غير المستدامة التي سيشهدها العالم(21).                                كل ماسلف ذكره، يجعل الفاعل الجمعوي  الايكوتنموي ينخرط وبقوة في دواليب " الإقتصاد الأخضر "،والذي كثيرا ما تتمحور قطاعاته الأساسية في المحاور التالية: الطاقات المتجددة، النجاعة الطاقية ، معالجة المياه العادمة، تدبير النفايات الصلبة،بل ويتعدى تدخل هذه الفاعل الدينامي على صعيد الصيرورة التنموية- البيئية أو الايكوتنموية إلى مستويات مختلفة لما يمكن أن نسميه " بالحكامة الخضراء " ومنها :  الحفاظ المعقلن على التنوع البيولوجي، وضع برامج تنمية مستدامة ومندمجة للزراعة والسياحة والصيد، التعبئة المستمرة للموارد المائية، الترشيد القويم لاستعمالات المحيطات والبحار والمناطق الساحلية، الحماية المرتبطة بتجويد المياه العذبة، التحكم السليم في النفايات الخطيرة والمواد الكيماوية السامة وحصر مجالات انتشارها، السيطرة على التغيرات المناخية السلبية، ايقاف نزيف التدهور الغابوي الناجم عن الاستنزاف المجحف في حق الموارد الغابوية، التدبير الأمثل لشتى مناحي الحياة البيئية. ومن ثم، توفير الظروف المواتية المساهمة في إرساء مناخ ايجابي يتيح الانتقال وبسلاسة، بالإقتصاديات الوطنية إلى إقتصاديات خضراء، وهو الهدف الذي يمكن للتنظيمات الجمعوية الفاعلة في الحقل البيئي، جعله واقعا ملموسا وحقيقة، تجد تطبيقاتها العملية في حياتنا اليومية، كل ذلك في إطار الرفع من الاحساس الجمعي بالمسؤولية المشتركة على مستوى المساهمة الايجابية في كبح جماح أي خطوة، قد تكون لها أوخم وأسوأ العواقب على منظومتنا البيئية، وهي المساهمة المنبثقة من ادراكاتنا المتواصلة بعمق المشكلات البيئية المطروحة، ومن وعينا المشترك بضرورة الالتزام الأخلاقي والعلمي بايجاد الحلول المناسبة لها في إطار تشاركي. هنا يتبلور إحدى أبرز المبادئ المكونة لما سميناه ب "الحكامة الخضراء"، وهو مبدأ الشراكة. هذا الأخير، ما فتئ يترسخ بشكل مستمر ومتواصل بين مختلف مكونات الحكامة ( الدولة، القطاع الخاص، المجتمع المدني، المواطن) وعلى مستوى جل الميادين : الاقتصادية، الاجتماعية والبيئية ...وعليه، ووفق رؤية ايكوتنموية، وحرصا على الاشراك الدينامي والقوي للجمعيات كفاعل أساسي ومحوري في الصيرورة التنموية، بما فيها حماية البيئة ومكوناتها، فقد تم التأكيد وباستمرار على ضرورة دعم المجهودات التي تقوم بها فعاليات المجتمع المدني، الناشطة في المجال البيئي، انطلاقا من مقاربة مندمجة، ترتكز على دعائم أساسية، تتوخى ترسيخ مبادئ تنمية مستدامة، وذلك عبر الحرص على انجاز مشاريع في اطار الشراكة، تمكن من المحافظة على البيئة وتساهم في الترجمة الفعلية للتنمية الشمولية والمندمجة وصهرها في بوتقة الواقع.

ثانيا، الجمعيات الايكوتنموية بالمغرب وارهاصات الانبثاق  والتطور :                                       شهد  المغرب خلال  العقود الأخيرة  ظهور  العديد  من المنظمات  غير الحكومية  التي تعنى  بحماية  البيئة  والنهوض  بالتنمية المستدامة ومكافحة التغير المناخي، حيث أنه ومنذ سنة 1979، وفي إطار التصميم الثلاثي 1978-1980 تم تخصيص اعتمادات للإعلام والتوعية والتعليم  في مجال البيئة، وإنشاء شبكة وطنية لأصدقاء البيئة، وجمعيات وطنية للمحافظة على البيئة.  كما أنه،  وطبقا لتوصيات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أنشئت الشبكة الوطنية المهتمة بهذا البعد الايكولوجي، والتي سجلـت العديد من الترشيحات للانخراط،ولتدمج بالتالي في الشبكة العالمية لأصدقاء البيئة(22).

 إنه من مبادئ قانون البيئة(23) نجد مبدأ المساهمة، أي أن المحافظة على البيئة شأن يهم الجميـع، إدارات، ومواطنين، لذا يتعين على هؤلاء المساهمة في تجسيدها على أرض الواقع، ويمكن أن تتـم هذه المساهمة بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة. هذه الأخيرة يمكن أن تتم من خلال الجمعيات المهتمة بالبيئة، إما بحكم أنها ممثلة بقوة القانون في مجلس ذي صلة بالبيئة ،كالمجلس الوطني لإعداد التراب والتعمير(24) والمجلس الأعلى للماء والمناخ(25) أو أنها تتوفر على إمكانية حضورها باجتماعات بعض المجالس لأجل إبداء الرأي.

على ضوء ذلك، فدور النسيج الجمعوي في الحقل البيئي يصبح من الأهمية بمكان من خلال إبداء الرأي ومناقشة القوانين والمشاريع البيئية، وهذا من شأنه خدمة الحوار والتشاور بين السلطات المعنية والتنظيمات الجمعوية  بغية  الرفع  من كفاية وجدوائية القضايا البيئية. وفي هذا الإطار، نص المرسوم المنظم للهيئات المكلفة بالمحافظة على البيئة، على أن المجلس الوطني والمجالس الجهوية للبيئة ومجالس البيئة بالولايات والأقاليم، يمكن أن تضيف إليها بقصد الاستشارة ممثلين للجمعيات المهنية والهيئات والجمعيات المتخصصة في ميدان البيئة والتنمية المستدامة(26).

إن كل ذلك يجسد من جهة مظهر من مظاهر البيئة "العملياتية" التي تعتبر فضاءا للمطالـب السوسيو-سياسية المعبر عنها،(27) كما يبرهن من جهة أخرى على كون الظهور الحديث للجمعيـات الايكولوجية، قد تم عبر منطقين مختلفين بشكل مطلق: المبادرة المستقلة والمبادرة المؤسساتية. فالأولـى، ناجمة عن رغبة خاصة لدى المجتمع المدني، أما الثانية فتظهر وبشكل مستمر بناء على طلب ملح علـى المؤسسات العمومية(28) .

إن إدماج البعد البيئي في التوجهات المجتمعية، أضحى حتميا بالنظر إلى الأزمات والمشاكل الايكولوجية، وبالنظر أيضا  للدور الريادي لجمعيات حماية الطبيعة والبيئة(29) . وهو الإدماج، الذي يفرض القيام بمجموعة من الخطوات، ومن أهمها :

* ضرورة ايلاء الاهتمام الكافي بالقضايا البيئية المحلية وتصنيفها وملامستها داخل البرامج الجمعوية التوعوية.

·       العمل على خلق تقاليد في الممارسة الجمعوية المتصلة بهذا المجال، تحفظ للبرامج المزاولة في التوعية البيئية طابع الاستمرارية والاستدامة.

·       العمل على توفير الأطر واستقطابها بما تتوفر عليه من كفاءات متخصصة واعية ومهمة ومتفهمة لأبعادها.

·       خلق تنسيق أفقي (الجمعيات المهتمة داخليا) وعمودي (خارج الوطن) ، لضمان تبادل الخبــرات وصقلها.

·       عدم السقوط في شرك تقديم أخبار البيئة، على أنها "أخبار"، بل هي موضوعات تحليلية تناقش فيها أسباب المشاكل وطرق العلاج.

·       الإقرار بضرورة تحسيس نوعي وإضافي بقضايا البيئة للمرأة خاصة.

·       السعي لدى وضع تخطيط لبرامج التوعية البيئية إلى مساهمة البيئة في كل ما يحيط بالإنسان، لأن المجتمع البشري يعيش في ثلاثة أنظمة أساسية هي المحيط الحيوي( الطبقات السفلى من الهواء والطبقات السطحية من الأرض والغلاف المائي) ثم المحيط المصنوع من طرف الإنسان( مثل القرى والمـدن والمزارع ومراكز الطاقة) ثم المحيط الاجتماعي (المؤسسات التي أقامها الإنسان والعلاقات المحدثة بين البشر) (30) .      ومن ثم، فإن الجمعيات البيئية تلعب في يومنا هذا دورا مهما، لامحيد عنه في التحسيس والتدبير المستدام للفضاء وتنمية السلوك الحضري الايكولوجي(31) .       رغم كل ماسبق، يمكن القول  أن أي تقدم للجمعيات الايكوتنموية، رهين بتشجيعها بصورة خاصة و تثمين بنيات المجتمع المدني بصورة عامة، وهذا لن يتأتى إلا بمنحها الفرصة لملء الفراغ الذي تركته الدولة في الميدان الاجتماعي، بالإضافة إلى إشراك المواطنين، وبالتالي الرفع من مستوى المشاركة الشعبية(كما يحث على ذلك الدستور المغربي الحالي). وبالموازاة مع ذلك، العمل على تطوير الإعلام البيئي وتحديثه، ناهيك عن الاعتراف الدستوري بحق الإنسان في بيئة سليمة ومتوازنة كحق أساسي، اتخاذ إجراءات وتدابير صارمة في حق كل الملوثين، تدعيم الحرص المؤسساتي في المجال البيئي بإحداث وكالات وطنية، وخلق برامج للتربية البيئيـة والتحسيس بمشاكل البيئة عن طريق تدريس القانون البيئي في المدارس والكليات، وهذا ما أكد عليه المركز الدولي لقانون البيئة المقارن(32).

لقد تطور الوضع حاليا، بظهور أحزاب سياسية بيئية في أوروبا، وحتى في المغرب(33) وجماعات ضغط هائلة في مجال الحفاظ على البيئة، والذي يؤكد على أهمية دعم وإطلاق حرية حركات منظمـات المجتمع المدني المعنية بقضايا البيئة، خاصة وأن هذه الأخيرة  تبرز كقضايا عميقة ومصيرية، وأكبر من أن تتحمل الدولة بمفردهـا لمسؤولية التعامل معها، وهو ما يتطلب تبني إستراتيجية قومية تشجع وتدعم قيام المجتمع المدني بدور رئيسي في مجال حماية البيئة(34).

هنا، نقف عند إحدى المحطات البارزة في مسارات الجمعيات الايكوتنموية بالمغرب، وهي محطة " المنتدى الوطني للجمعيات البيئية "، والمنظم بالرباط يوم الأحد 15 يونيو 2014، بمبادرة من الوزارة المنتدبة المكلفة بالبيئة. وهي المحطة التي اكتست أهمية بالغة،بالنظر لتبلورها بعد الاعلان عن مخرجات الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة، والتي  حاولت أن تساهم في اثراء التجربة الجمعوية عموما، وتجربة الجمعيات البيئية خصوصا، ثم بالنظر للأدوار الريادية التي أخذت تضطلع بها هذه الأخيرة على المستوى الايكوتنموي. هكذا، شكل" المنتدى الوطني للجمعيات البيئية "فرصة سانحة، لمعرفة حجم وقوة النسيج الجمعوي المهتم بالشأن البيئي بالمغرب، وهو النسيج الذي اتسم بالتنامي المتزايد والمتكاثف، خاصة خلال العقدين الأخيرين، حيث انتقل عدد الجمعيات البيئية من بضع عشرات في أوائل التسعينيات من القرن المنصرم إلى حوالي 400 جمعية سنة 2002 وإلى ما فوق 2000 جمعية سنة 2012 (2070 جمعية) ،حسب احصائيات جردية قامت بها الوزارة المنتدبة في البيئة(رغم أن هذا العدد يظل ضعيفا،  حيث  يمثل مايعادل 2.07 من العدد الاجمالي  لجمعيات المجتمع المدني الوطني) . وكان لزوما على هذا التنامي العددي والتواجد الكمي، أن يضاهيه في نفس السياقات، الرفع من التدخلات النوعية لهذه التنظيمات الجمعوية وتقوية مهنيتها واحترافيتها في المجالات البيئية، وهو ما سعى المنتدى إلى إبرازه والتمكين منه.فمن خلال كلمة لها بالمناسبة أكدت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالبيئة السيدة حكيمة الحيطي، على "أهمية نهج حوار بناء ومثمر بهدف وضع أسس ومحاور شراكة جديدة، مبنية على أهداف ومبادىء، تتوخى تساوي الفرص بين الجمعيات والجهات، وتقوية المهنية في المجالات التدبيرية والبيئية، ونشر ثقافة المشاريع الناجحة، وتشجيع المهن البيئية المدرة للدخل"، ولتلح على كون الاشراك المستمر للجمعيات في كل مراحل القرار "البيئي" مسألة لا يستهان بأهميتها، إذ تقول في هذا الصدد، وفي ذات المناسبة : "إن اشراك الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، على مستويات التصور والانجاز والتتبع، أصبح خلال العقدين الأخيرين أحد روافد التنمية في معناها الشمولي"، ولتواصل حديثها عن المكانة الرائدة التي تحتلها الجمعيات البيئية أو الايكوتنموية في صفوف الفعل الجمعوي : "إن الجمعيات البيئية تضطلع بأدوار طلائعية، تتعلق بالتحسيس والتوعية والتربية البيئية، وانجاز مشاريع تساهم في المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية على المستويات الحضرية والأوساط الطبيعية، وصولا لمراقبة التأثيرات البيئية لمجموعة من المشاريع التنموية، ورفع شكايات للجهات المعنية، كلما تعذر التوصل لحلول ودية". وفي نفس السياق، وتعبيرا عن احساسه بهذه المكانة الرائدة التي أضحى يحتلها الفاعل الجمعوي البيئي، أكد الوزير السابق المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني ،  السيد لحبيب الشوباني، على "أهمية الشراكة الجديدة في المجال البيئي بين الحكومة والمجتمع المدني، والتي ستتيح مجالات واسعة للعمل تتماشى مع الأدوار الجديدة للمجتمع المدني التي نص عليها الدستور" ،مشيرا في نفس الاطار إلى "الدور الهام الذي يضطلع به النسيج الجمعوي البيئي في المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية" ،ومن أجل ذلك يؤكد السيد الوزير دائما على أنه "يتعين ارساء شراكة مسؤولة تجاه الوطن والبيئة، بشكل يساهم في الدفع بعجلة التنمية"، وذلك وفق منظور استشرافي يجعل "الجمعيات –بصفة عامة- أهم أسوار وقاية المجتمع والبيئة من التلوث". وعموما، جسدت الأفكار المتداولة في هذا المنتدى الخاص بالجمعيات البيئية، نوعا من الجواب الجماعي عن السؤال البيئي بالمغرب، والذي بمقتضاه يمكن التأكيد على أن "تعزيز حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة يفرض ويفترض بلورة جيل جديد من الشراكة مع المجتمع المدني الفاعل في البيئة". كل ذلك في اطار محورين أساسيين : يتعلق المحور الأول، بضرورة تفعيل الأدوار الجديدة للجمعيات وفق مقتضيات الدستور ومضامين الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة وتوصيات المجلس الإقتصادي والاجتماعي والبيئي في هذا الصدد. أماالمحور الثاني، فيرتبط بأهمية استثمار المكتسبات والاستفادة من التجارب في إطار برامج الشراكة المنجزة بين الوزارة المنتدبة المكلفة بالبيئة والجمعيات منذ سنة 2001 .وعموما، فقد رسمت الجمعيات الايكوتنموية ببلادنا، الملامح الكبرى لاستراتيجيتها في الدفاع عن المصالح الايكوتنموية،والهادفة إلى بلوغ المطمح التنموي، عبر تبنيها مقاربات متعددة، لعل من أبرزها المقاربات الإرادوية les approches volontaires،  السالفة الذكر، والتي تشكل إحدى أهم أدوات السياسة البيئية، المتوخية لتوطيد لبنات "الإقتصاد الأخضر"، وهي المقاربات المعتمدة – وفق تصور منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE- على جملة من الآليات : آليات تنظيمية،آليات اقتصادية ،آليات طوعية. 

وهي الآليات  الموطدة  لرؤى وتصورات السياسة البيئية ككل،  وللممارسة الجمعوية الخلاقة  في المجالات الايكولوجية،وهوما فتى يتمظهر مؤخرا في عدة مبادرات تطوعية لجمعيات رائدة في هذا المجال،والهادفة برمتها إلى المساهمة في تغيير العقليات والمواقف والاتجاهات والسلوكات، التي قد تشكل تهديدا حقيقيا لمنظومة البيئة السليمة. ورغم المناسبتية الذي قد تطبع هذه المبادرات،والتي قد تجعلها قاصرة عن بلوغ أهدافها الحيوية، والمتجسدة أحيانا في بعض المبادرات الجمعوية المتسمة باللحظة والظرفية (مثل حملات توزيع أكياس النظافة في مناسبة عيد الأضحى، حملات تنظيف الشواطىء خلال مواسم الاصطياف...)، فإنها مع ذلك تظل مبادرات ذات عمق استراتيجي حيوي في الأمدين المتوسط والبعيد .في ظل كل هذه السياقات، يبرز دور منظمات المجتمع المدني بشكل عام، والعاملة في البيئة بشكل خاص، على مستوى ضمان الريادة الايكولوجية بجدارة واستحقاق، وهو الدور الذي تتضاعف أهميته وتتكاثف حيويته، من خلال حرص الجمعيات الايكوتنموية على العمل الجاد والمسؤول في مجال تثقيف المواطن العادي بحقوق الانسان البيئية، ومساعدته على التمكن وباقتدار من الدفاع عنها، والتي تشمل حقه في حياة آمنة وخالية من كل أشكال التلوث، ومن كل ما قد يعكر صفو كينونته من كل أنواع وأصناف المخاطر البيئية المحدقة به من كل جانب وعبركل صوب وحدب، وكذا حقه الشخصي في الوجود المتماهي مع نظام ايكولوجي سليم. هذا مع عدم اغفال تمكين المواطن من الدفاع المستميت عن الحقوق البيئية –مطالبة ومتابعة- من قبيل الحق في الملاحقة القانونية لكل من تسول له نفسه الاضرار بهذا الحق المشترك "البيئة"، ثم الحق في الحصول على معلومات بخصوص الاشكاليات المرتبطة بالمسألة البيئية، والتي قد تؤثر سلبا عليه أوعلى محيطه، وأيضا حق الاطلاع المتواصل والمباشر على الخطط البيئية قبل تنفيذها واخراجها إلى حيز الوجود، وأخيرا حقه الراسخ في المشاركة في المؤسسات ذات الصلة باصدار القرارات البيئية. وهنا نجد – كما يرى ذلك برنامج الأمم المتحدة للبيئة – الأهمية القصوى والمسؤولية العظمى الملقاة على عاتق المواطن ومؤسسات المجتمع- بما فيها منظمات المجتمع المدني- في صناعة القرار التنموي عبر المساهمة في عملية تقييم الآثار البيئية على المشاريع التنموية، وذلك كله كأبسط ردعلى مظاهر الظلم البيئي وغياب العدالة وأساليب التنمية غير المستدامة التي بدأت بعض ملامحها تتمظهر في وقتنا الحالي، مما قد يضع أسئلة استفهام كثيرة أمام واقع الحال ورهان المآل للبشرية جمعاء. انطلاقا مما سبق، يتضح لنا أن المسألة البيئية والمسألة التنموية، أقنومان لا ينفصلان ووجهان لعملة واحدة، عنوانها البارز "البشرية"،وهو المعطى الذي مافتئت بلادنا تستحضره، فأعلى سلطة في الدولة، أكدت في خطاب العرش ل 30يوليوز 2009 أن "المغرب، وهو يواجه كسائر البلدان النامية تحديات تنموية حاسمة وذات أسبقية، فإنه يستحضر ضرورة الحفاظ على المتطلبات البيئية ..."كما أن الدستور المغربي لسنة 2011 جعل في الفصل 31 –ضمن الباب الثاني المخصص للحريات والحقوق الأساسية – من "العيش في بيئة سليمة" " التنمية المستدامة" من أبرز الحقوق المعترف بها دستوريا، بعد أن كانت فقط حقوقا منادى ومطالب بها . كما منح  الدستور  الجديد،  لجمعيات  المجتمع المدني، أدوارا هامة  بخصوص المشاركة  في اعداد  وتتبع  وتنفيذ  وتقييم  السياسات  العمومية والجهوية  المتعلقة  بالتنمية  الإقتصادية  والاجتماعية  والبيئية، كما تم منح  أدوار وفرص جديدة  للمنظمات  غير الحكومية المشتغلة  في مجالات البيئة والتنمية المستدامة  والتغيرات المناخية، من خلال  الحرص الأكيد على الأجرأة الفعلية  لمبدأ التشاور،  من ناحية أولى  في  مراحل تنفيذ القوانين التنظيمية للجماعات الترابية( 111.14 و111.13 و111.12 المتعلقة  بالجهات  والأقاليم والعمالات  والجماعات،  والتي حظيت فيها المسألة البيئية بالأهمية القصوى) ومن ناحية ثانية، في مرحلة تطبيق  توصيات ومقتضيات الاتفاقيات الدولية  ذات الصلة  باشكاليات التنمية وقضايا المناخ . وعلاوة على ذلك، ورغبة من المغرب في تحسين نمط الحكامة البيئية، جاء القانون الإطار  رقم 99-12 بمثابة  ميثاق  وطني  للبيئة والتنمية المستدامة ل6  مارس2014، ليؤكد الترابط القائم بين الأقنومين السابقين،حيث يلح في ديباجته على أن "التنمية البشرية لا يمكن فصلها عن الانشغالات البيئية"،وهو الالحاح الذي لايضاهيه شيء آخر أكثر من ضرورة مساهمة الجميع في بلورة أسس حكامة بيئية جيدة، بما فيها الدور الريادي للجمعيات عموما، والجمعيات الايكوتنموية خصوصا. في هذا  الشأن،  حدد القانون الإطار  رقم 99-12 ، أدوارا  هامة  جديدة  لجمعيات  المجتمع المدني  في مجال  التنمية  المستدامة، ويتعلق  الأمر بمايلي :          

  - تعزيز الأدوار  المنوطة  بجمعيات  المجتمع المدني  في تحقيق  الأهداف الوطنية   المنصوص  عليها  في مجال  التنمية  المستدامة                                  

    .  - اشراك الجمعيات في  إعداد  وتنفيذ  الاستراتيجية  الوطنية  للتنمية  المستدامة،  التي تروم  تحقيق  التقائية  الأبعاد الاقتصادية  والاجتماعية  والبيئية والثقافية                  .      - تساهم  الجمعيات  العاملة  في مجال  التنمية المستدامة  في إطار  شراكة  مع الدول  والجماعات الترابية  والمؤسسات العمومية  في اعتماد  برنامج عمل  للتحسيس  والتواصل  والتربية البيئية،  بهدف  النهوض  بالسلوكات  الفردية  والجماعية،  التي تتوافق  مع مستلزمات حماية  البيئة  والتنمية  المستدامة .                                           إن ماتقدم ذكره، يؤكد بالملموس  مدى حالة التماهي  بين  تيمتي "البيئة" و"التنمية". كل ذلك  من شأنه، أن يعزز الأدوار الريادية للفاعل المدني  في الرفع من قدراته التمكينية  على مستوى الارتقاء بالمنظومة الايكوتنموية، وطنيا،  دوليا وكونيا.  مما سيعمق،  بلا شك، من جدوائية  الرهانات المعول عليها من طرفه  على محطات، من قبيل  مؤتمر  المناخ بمراكش.

ثالثا، رهانات الجمعيات الايكوتنموية  بالمغرب على مؤتمر الأطراف حول المناخ :                                                                       ستنطلق مفاوضات  مؤتمر الأطراف  حول المناخ بمراكش، وفق رؤية تشاركية  يطبعها  التفاؤل.  رؤية مندمجة الأبعاد ومتشابكة التجليات،  تجعل من صناعة كوكب آمن  وخال من المخاطر المحدقة به، نتيجة الآثار السلبية  للتغيرات المناخية، طموحا مشتركا بين سائر دول المعمور ومطلبا ملحا لكل الفاعلين  في   الشأن الايكوتنموي،   بمافهيم الفاعل الجمعوي. من هذا المنظور،  تبرز ضرورة انخراط  الجمعيات الايكوتنموية  المغربية  في الصيرورة الدولية  للدفاع  عن  البيئة   وتحقيق مطمح العدالة  المناخية كرهان من الرهانات المطروحة على هذه الفعاليات ابان مشاورات  مؤتمر مراكش حول المناخ ،   حيث عليها أن تحرص على  مطالبة  الأطراف في هذا المؤتمر المفصلي، باعتباره  مؤتمرا للأجرأة ونقل  توصيات اتفاق باريس من القوة إلى الفعل،   بالأخذ بالمنطلقات  والقناعات الواردة في ديباجة هذا الاتفاق التاريخي،ومنها أساسا :                               *السعي  إلى  تحقيق  أهداف وغائيات  الاتفاق  والاسترشاد بمبادئه،  بما في ذلك  مبدأ الانصاف  والمسؤوليات  المشتركة،  وإن كانت متباينة،  مع مراعاة  قدرات  كل طرف  في ضوء الظروف الوطنية المختلفة.    

  * الحاجة إلى  التصدي  الفعال   والتدريجي  للتهديد الملح  الذي يشكله  تغير المناخ،  استنادا إلى  أفضل المعارف  العلمية المتاحة.

*مراعاة الاحتياجات  المحددة والظروف  الخاصة  للبلدان  النامية  الأطراف،  لاسيما تلك القابلة للتأثر  بوجه خاص  بالآثار  الضارة لتغير المناخ .                                 *الأخد بعين الاعتبار،  على نحو كامل  الاحتياجات  المحددة والأوضاع  الخاصة  لأقل البلدان  نموا،  فيما يتصل  بتمويل  التكنولوجيا  ونقلها. 

*الاقتناع  بفكرة أن الأطراف  قد لا تتأثر  بتغير المناخ  فحسب،  بل أيضا  بآثار  التدابير  المتخذة للتصدي  له.   

*الايمان الشديد، بأن للاجراءات المتعلقة  بتغير المناخ  وعمليات التصدي له  وآثاره  من علاقة  وثيقة  بالوصول  المنصف  إلى التنمية المستدامة  والقضاء على الفقر. 

   *ايلاء الاهتمام اللازم   للأولوية  الأساسية  المتمثلة  في ضمان الأمن  الغذائي  والقضاء على الجوع ، وبأوجه  قابلية  تأثر  نظم  الانتاج  الغذائي  بصفة  خاصة  بالآثار  الضارة لتغير المناخ.

* ضرورة  تحقيق  التحول  العادل  للقوى  العاملة  وايجاد  العمل  الكريم  والوظائف اللائقة ، وفقا للأولويات  الانمائية  المحددة وطنيا.                                          *الاقرار بأن تغير المناخ  يشكل  شاغلا  مشتركا للبشرية. ومن ثم، ينبغي للأطراف  عند اتخاذ  الاجراءات  للتصدي لتغير المناخ،  أن تحترم  وتعزز  وتراعي  ما يقع  على كل  منها  من التزامات  متعلقة  بحقوق الانسان  والحق في الصحة  وحقوق الشعوب الأصلية  والمجتمعات المحلية  والمهاجرين  والأطفال  والأشخاص  ذوي الاعاقة  والأشخاص  الذين يعيشون  أوضاعا هشة  والحق في التنمية،  فضلا عن المساواة  بين الجنسين  وتمكين المرأة  والانصاف  بين الأجيال، أي كل مبادئ الحكامة المستدامة والشاملة.                                         * أهمية كفالة  سلامة  جميع  النظم  الايكولوجية   وحماية  التنوع  البيولوجي.           *التأكيد على أهمية  التعليم والتدريب  والتوعية  العامة  ومشاركة الجمهور  ووصوله إلى المعلومات والتعاون  على جميع المستويات.

  *الاقتناع بأهمية  مشاركة  جميع مستويات الحكم  ومختلف الجهات  الفاعلة، وفقا للتشريعات  الوطنية  لكل من الأطراف في التصدي  لتغير المناخ.                        ضمن هذا الإطار،  وعملا  بالبعد التشاركي البيئي، والذي كثيرا ما حملت لوائه  المنظمات غير الحكومية العاملة في البيئة،  وفي سياق المبادرات  التي دأبت هذه الأخيرة على تنظيمها على هامش مؤتمرات الأطراف حول المناخ،  انعقد بمراكش ما بين 4 و6 من نونبر الجاري الدورة الثانية عشرة لمؤتمر الشباب ، من أجل التداول في مواضيع متعددة لها صلة وطيدة بالأبعاد الايكولوجية والمناخية والتنموية،  أي كل مايدخل في أهداف الجمعيات والمنظمات الايكوتنموية ، من قبيل مسألة النوع والهجرات المناخية والصحة والمناخ والتربية على التغير المناخي والعدالة المناخية. وهوالمؤتمر الذي  يحرص  الاتحاد الأوروبي  على دعمه –في اطار مساندته لأنشطة المجتمع المدني والفاعلين غير الحكوميين في مجال مكافحة التغيرات المناخية- بعدما اعترفت أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطار بشأن تغير المناخ بشبكة جمعيات الشباب بصفتها إحدى الشبكات التسع للفاعلين غير الحكوميين، حيث دأب المؤتمر الشبابي على الانعقاد في البلد المضيف قبل انطلاق مؤتمر الأطراف(35). ومن شأن  هذا المؤتمر، المساهمة  في بلورة تصورات واضحة ودقيقية عن مدى الأدوار الطلائعية التي يمكن أن تقوم بها فعاليات المجتمع المدني  في التصدي للعواقب الوخيمة والآثار السلبية  الناجمة  عن المخاطر المناخية.  ومن ثم، اقتراح الحلول الناجعة للتقليل من حدة وحجم هذه المخاطر المتصاعدة، بغية  ايجاد الظروف الملائمة  للعيش فوق كوكب يسع الجميع .  وهي الحلول،  التي  على  متخذي القرار  في الأطراف المشاركة  في مؤتمر مراكش، الاسترشاد بها  والتوسل  بأبعادها الايجابية، حتى يتحول  هذا الموتمر  إلى مؤتمر أفعال لا أقوال،  ولينظر إليه باعتباره حدثا تاريخيا بامتياز  يكرس الرغبة العالمية الملحة للمساهمة الجمعية في حماية  كوكبنا  من الاندثار،  عبر  تعزيز إواليات "محوكمة" لمنظومة بيئية مستدامة . وهو مايمكن تحقيقه،  عبر  جعل  جسد اتفاق باريس  يجد روحه في مؤتمر مراكش،  من خلال  أجرأة  وتفعيل  توصيات وتصورات هذا الاتفاق، ومنها أساسا ماهو وارد في مقتضيات المادة  الثانية منه،  والتي تنص على مايلي :   "  أولا -يرمي هذا الاتفاق،  من خلال تحسين  تنفيذ الاتفاقية – المقصود بها  اتفاقية الأمم المتحدة  الاطار بشأن  تغير المناخ – وبما يشمل  هدفها  إلى توطيد  الاستجابة  العالمية  للتهديد  الذي يشكله  تغير المناخ، في سياق  التنمية  المستدامة وجهود  القضاء  على الفقر،  بوسائل  منها :

ا- الابقاء على  ارتفاع  متوسط  درجة الحرارة العالمية،  في حدود أقل  بكثير  من درجتين  مئويتين  فوق مستويات  ما قبل  الحقبة الصناعية  ومواصلة الجهود الرامية  إلى حصر ارتفاع  درجة الحرارة  في حد لا يتجاوز درجة ونصف  مئوية  فوق مستويات  ما قبل  الحقبة  الصناعية،  تسليما  بأن ذلك  سوف يقلص  بصورة كبيرة  مخاطر  تغير  المناخ وآثاره.   

ب-  وتعزيز القدرة  على التكيف  مع الآثار  الضارة  لتغير المناخ  وتعزيز  القدرة  على تحمل  تغير المناخ  وتوطيد التنمية  الخفيضة انبعاثات  غازات  الدفيئة  على نحو لايهدد انتاج الأغذية.    

 ج – وجعل  التدفقات المالية  متماشية  مع مسار  يؤدي  إلى تنمية  خفيضة  انبعاثات  غازات الدفيئة  وقادرة على تحمل  تغير  المناخ.                                        

 ثانيا – سينفذ هذا الاتفاق  على نحو  يجسد  الانصاف  ومبدأ  المسؤوليات  المشتركة،  وإن كانت  متابينة،  وقدرات  كل طرف  في ضوء  الظروف الوطنية  المختلفة" .          علاوة على ماسبق، بامكان الفاعل المدني الايكوتنموي  المغربي،  الانخراط الايجابي  والفعال في صيرورة الارتقاء بالمنظومة البيئية الكونية،  في اطار من  التضامن  مع باقي المنظمات غير الحكومية الدولية المهتمة  بمسألة البيئة  وبالحق في التنمية.  وذلك،  من خلال تجسيد بعض الرؤى المنصوص  عليها في اتفاق باريس،  من قبيل تلك المنصوص عليها  في مادته  السابعة :  بلورة اجراءات  التكيف  وادماجها  في  السياسات   الاجتماعية والاقتصادية والبيئية،   دعم  جهود التعاون الدولي  خاصة  في البلدان النامية  القابلة للتأثر  بالآثار  الضارة  لتغير المناخ، مساعدة  البلدان النامية  الأطراف  في تحديد  ممارسات التكيف  الفعالة  ومراعاة  الفئات والمجتمعات المحلية  والنظم الايكولوجية  القابلة  للتأثر،  تبادل المعلومات  والممارسات الجيدة  والتجارب  والدروس المستفادة،  تعزيز الترتيبات  المؤسسية،   تقديم  الدعم  والارشادات  التقنية،  تعزيز المعارف العلمية  المتعلقة بالمناخ ،  تحسين فعالية  اجراءات التكيف  وديمومتها،  تنفيذ الاجراءات  والتعهدات والجهود في مجال التكيف،  تقييم  آثار  تغير  المناخ  وقابلية  التأثر  به بغية  وضع  اجراءات  ذات أولوية محددة،  بناء  قدرة  النظم  الاجتماعية والاقتصادية  والنظم   الايكولوجية على التحمل  بوسائل  تشمل التنويع  الاقتصادي  والادارة   المستدامة  للموارد الطبيعية... 

           وفي نفس الإتجاه، بامكان هذه الجمعيات الايكوتنموية  حمل رهاناتها  البيئية، على هذا الصعيد،  في  أشغال مؤتمر الأطراف بمراكش،  من خلال الاسترشاد ببعض  مطالب  اتفاقية الأمم المتحدة الإطار  بشأن تغير المناخ،  ومنها تلك  الواردة في المادتين الخامسة والسادسة من الاتفاقية : دعم  الجهود  الدولية  والحكومية  االرامية  إلى تعزيز  الرصد المنتظم  والطاقات  والقدرات  الوطنية  في مجال  البحث  العلمي  والفني لاسيما  في البلدان النامية،  تعزيز امكانية  الوصول  إلى البيانات  وتبادل البيانات،   وضع  وتنفيذ  برامج  للتعليم  والتوعية  العامة  بشأن  تغير المناخ  وآثاره،  اتاحة  امكانية  حصول  الجمهور على المعلومات  المتعلقة بالمناخ، مشاركة الجمهور  في تناول  تغير  المناخ  وآثاره  وإعداد  الاستجابات  المناسبة ...                                                                                                                                    

     على هذا الأساس،  ومن منطلق  مشاركة بعض الفعاليات الجمعوية الايكوتنموية  المغربية في  مؤتمر مراكش للمناخ،  باعتباره  فرصة سانحة  لهيكلة  جهود المجتمع المدني  في مجالي  محاربة  التغيرات المناخية  والتنمية المستدامة، فإن  مسألة الترافع  من أجل التخفيف  من  التداعيات السلبية للمخاطر المناخية، ستعتبر مسألة حيوية لترسيخ  أبعاد الحكامة الايكولوجية،  ضمن سياقات  مفعمة بالتفاؤل  على مستوى الآمال والطموحات التي ستصبو  إليها أشغال مؤتمر الأطراف بمراكش. كما يمكن  أيضا،  في نفس الإطار،  رسم الرهانات المعول على  تحققها من طرف الجمعيات الايكوتنموية،  من هذا المؤتمر،  ومنها خصوصا مايلي  : تعزيز دور المنظمات غير الحكومية  في مجال تحسيس  المواطنين  بتحديات  تغير المناخ  والتنمية المستدامة،  تمكين الجمعيات  العاملة في مجال  التغيرات  المناخية  من الوسائل  التقنية  والمالية  ومن أدوات  الولوج  الى المعلومات  البيئية  المتوفرة على الادارات، تحسين  مسلسل  مشاركة  الجمعيات  في آليات  تصور  واعداد  وتتبع  وتقييم  السياسات  العمومية  على المستوى الجهوي  والوطني  واضفاء  الطابع الاحترافي  المهني على هذه  العملية، اشراك  الجمعيات  والشبكات العاملة  في مجالات  التغير المناخي  والتنمية  المستدامة  وحقوق الانسان  في إعداد  البلاغات  الوطنية حول الجهود  المبذولة في محاربة  التغير المناخي  وفي المساهمة  في بلورة  التزامات  المغرب  في مجال المناخ  ووفائه  بها، تطوير  الخبرة  الوطنية  والمحلية  الخاصة  بمناهج  الحوار البيئي  بين مختلف الأطراف  المعنية – المنتخبون والادارات الترابية  والمنظمات  غير الحكومية  والمواطنون – في مجالي  التنمية  المستدامة والتغيرات المناخية...                                                             

 خاتمة :                                                                             خلاصة القول،  إن الرهانات التي ترنو الجمعيات الايكوتنموية بالمغرب، إلى بلورتها  عمليا، والمأمول تحققها على ضوء أشغال مؤتمر مراكش حول المناخ ، بامكانها  المساهمة  الفعالة في خلق "نظام ايكولوجي دولي جديد" من أبرز سماته : دمقرطة مستقبلنا البيئي، التحسيس والتدبير المستدام للفضاء وتنمية السلوك الحضري الايكولوجي، اشراك الجميع في الصيرورة الايكوتنموية، تطوير الاعلام البيئي وتحديث إوالياته، دسترة حق الانسان في بيئة سليمة ومتوازنة كحق أساسي، المأسسة المستمرة للبنيات المكلفة بالمسألة البيئية، التقعيد  لمنظومة متماسكة  لمجابهة المخاطر المناخية... وغيرها من الخطوات التي بامكانها التأسيس "لعالم جديد"،عالم الحكامة"الخضراء" المنتشى بخضرتها في كل البقاع وسائر الأرجاء.              

   الاحالات:

(1) محمد البكوري، " الجمعيات الايكوتنموية وآفاق الإقتصاد  الأخضر بالمغرب"، مجلة  الاقتصاد والمستهلك،  العدد  13/14  فبراير- مارس2015      ،ص: 15.

 (2) إدريس  اليازمي،  المسؤول  عن قطب المجتمع المدني  لمؤتمرCOP22أنظر موقعwww.cop 22.ma

 (3)عبد الله حارص،" قضايا البيئة وحمايتها من طرف المنظمات" ضمن "المشهد الجمعوي بالمغرب"، منشورات  جمعية  الشعلة  للتربية  والثقافة،  الطبعة الأولى 2006 ، ص: 100.

 (4)مجلة البيئة"، السنة الأولى، العدد 4، وزارة السكنى، 1986.

 (5)وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، " دليل الجمعيات المهتمة بالبيئة والتنمية" 2002، ص:3.

(6) Jean Paul Métailié, Georges Bertrand « Les mots de l’environnement » (Presses universitaires du MIRAIL 2006).P 4

 (7) أحمد أمير الرفاعي، "اشكالية حماية البيئة والتنمية المستدامة في السودان" أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام. كلية الحقوق، أكدال، الرباط،  السنة الجامعية 2001/2002، ص: 1.

 (8) محمد سالم الشريف،" تدخل  المجتمع المدني  في مجال البيئة –نموذج الجمعيات – بحث  لنيل  دبلوم الدراسات  العليا  المعمقة في  القانون العام،  جامعة محمد الخامس،  أكدال، الرباط ، السنة الجامعية 2006-2007 ، ص: 7.

(9) PNUD « L’avenir de l’environnement mondiale 2000 » (DeBoek Université 2000).  P371

(10)عبد المجيد السملالي، " الوجيز في قانون البيئة" (دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع الرباط، الطبعة الأولى، 2006) ، ص: 5.

 (11)عبد الله حارص، مرجع سابق، ص: 100.

 (12)محمد سالم الشريف، مرجع سابق،  ص: 44.

(13)وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، مرجع سابق،  ص: 4.

(14) محمد سالم الشريف، مرجع سابق، ص:45.

 (15)عماد المنياري، "السياسة البيئية في المغرب " رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في  القانون العام،  جامعة محمد الخامس،  أكدال، الرباط ، السنة الجامعية 2003  /2004 ، ص: 64.

 (16) PH. Gérard et F.OST et M.Van de Kerchove  « Droit et interet » Volume3 : droit positif, droit comparé et histoire du droit ( Publication des facultés universitaires SaintLouis. Bruxelles 1990).  P 196

(17) OCDE « Les approches volontaires dans les politiques de l’environnement : analyse et évaluation » (OCDE 1999).  PP 15-16. 

 (18)عبد الله حارص، مرجع سابق،  ص: 102.

 (19)عبد الله حارص،"التربية البيئية والوعي البيئي عند المنظمات" ضمن "المشهد الجمعوي بالمغرب"، مرجع سابق، ص:96.

(20) إيمان القفاص، قدري حنفي، عماد صيام ، محسن يوسف، "حقوق الإنسان والمرأة والتنمية" ، تقديم إسماعيل سراج الدين ( مكتبة الإسكندرية، 2009)،  ص: 61.

 (21)خلال الدورة الخامسة للمجلس الإداري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، التي انعقدت بتاريخ 25 ماي 1977 تم اتخاذ القرار التالي: "إن المجلس الإداري يستدعي بإلحاح الحكومات للتعاون مع المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لتشجيع إحداث شبكة دولية لأصدقاء البيئة، حيث يكون هدفها بث وعي بيئي لدى المواطنين".

 (22))البيئة، نشرة دورية تصدرها وزارة السكنى وإعداد التراب الوطني، السنة الأولى، العدد:2، دجنبر 1979،  ص:  12

(23) من بين هذه المبادئ: مبدأ الوقاية Prévention ومبدأ الاحتياط Précaution ومبدأ التلوث المؤذي Pollueur poyeur ومبدأ المساهمة Participation ومبدأ التشاورConcertation.

(24) أنظر المادة الثالثة من المرسوم:233. 101. 2001 الصادر في 13 دجنبر 2001 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى لإعداد التراب الوطني، جريدة رسمية عدد: 4963 بتاريخ: 24 دجنبر 2001، ص:4284.

(25) أنظر المادة الأولى من المرسوم رقم: 15.89.62 الصادر في 20 نونبر 1996 المتعلق بتأليف وتسيير المجلس الأعلى للماء والمناخ، جريدة رسمية عدد: 4436 بتاريخ: 25 يناير 1996 .

(26)عماد المنياري، مرجع سابق،  ص: 66

(27)Eric Viardat « Ecologie et entreprise : Les leçons de l’expérience » (L’Harmattan 1994),   P19

(28)Maria Albert Rodrigo et Beatriz Santamarina Compos «  La complxité de l’associationnisme environnemental.Un modèle d’analyse pour une étude de cas » in « Actions et enjeux spatiaux en matière d’environnement de la contestation écologiste aux mesures de protection » Sous la direction Salvador Juan.(L’harmattan 2007),   P 54

(29) Maxime Moreau « Les associations d’environnement en France : entre intérêt général et utilité sociale » in « de l’intérêt général à l’utilité sociale : La reconfiguration de l’action » collective.(L’harmattan 2006).  P 54

(30)عبد الله حارص، مرجع سابق،  ص: 97-98.

Maxime Moreau. Op. cit  P 53(31)

 (32)محمد سالم الشريف، مرجع سابق،  ص: 47.

 (33)كحزب الخضر في ألمانيا وحزب البيئة والتنمية واليسار الأخضر بالمغرب.

 (34) إيمان القفاص، قدري حنفي، عماد صيام ، محسن يوسف ، مرجع سابق،  ص: 61-62 .

 (35) تميز هذا  المؤتمر الشبابي بحضور أزيد من 2000 شاب وشابة من بلدان مختلفة  ينتسبون إلى منظمات غير حكومية  مهتمة بالشأن البيئي دوليا،  اقليميا ووطنيا ،من قبيل :شبكة "يونغو" المعتمدة من قبل اتفاقية الأمم المتحدة الإطار بشأن تغير المناخ، حركة الشباب العربي من أجل المناخ، شبكة "كلايمت" للمهنيين الشباب "كلايمت كمبوس"، والشبكة الأمريكية للطلاب.كما مثل المغرب بالفعاليات المدنية التالية : جمعية الشباب المغربي للحركة من أجل المناخ، جمعية "الشطار الصغار" لتبسيط الثقافة العلمية، فرع المغرب للفيدرالية الدولية لجمعيات طلبة الطب، فرع المغرب لغرفة الشباب الدولية، ائتلاف العمل الأخضر والمنتدى المغربي لبدائل الجنوب.

 

 

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة
 


أعلى الصفحة