القانون العام

بقلم ذ عزالدين المولي
محام بهيئة الدار البيضاء . طالب بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق اكدال-الرباط
تحت عدد: 595
مدى إلزامية إتمام المسطرة أمام مفتش الشغل قراءة في القرار عدد 523 المؤرخ في 16/5/2017 في الملف عدد 1616/1501/2016
تعتبر مسطرة الفصل التأديبي للأجير أهم المستجدات القانونية التي جاءت بها مدونة الشغل و التي لقيت اهتماما كبيرا من مختلف الباحثين و المهتمين بالشان القانوني ، حيث جاءت هذه المسطرة بصيغة الوجوب أو الإلزامية ان صح التعبير

و هو ما ما أكده العمل القضائي من خلال قراراته الصادرة عن محكمة النقض. الا ان ما ثار جدالا كبيرا بخصوص الوجوب من عدمه في غياب جزاء مخالفتها ، و خصوصا منها الفقرة الثالثة من المادة 62 من م.ش "إذا رفض احد الطرفين إجراء أو إتمام المسطرة يتم اللجوء إلى مفتش الشغل".

حيث أتى القرار عدد 523 المؤرخ في 16/5/2017 في الملف عدد 1616/1501/2016 ليثير هذه النقطة من جديد .

و يعرض هذا القرار ان المدعي شرع في العمل منذ 2/7/2012 الى ان تم طرده بصفة تعسفية و لأجله التمس الحكم له بالتعويضات المستحقة ، وبعد تبادل المذكرات بين الأطراف و انتهاء الإجراءات المسطرية أصدرت المحكمة الابتدائية حكمها بالتعويضات عن الإخطار و الفصل و الضرر و العطلة السنوية و رفض باقي الطلبات ، واستأنفه المدعي عليها فقضت محكمة الاستئناف بتأييده.

و حيث ان القرارات تواترت على إلزامية هذا الإجراء ، فان ما جاء به القرار الجديد يدفعنا للتساؤل عن مدى إلزامية إتمام المسطرة أمام مفتش الشغل طبقا للفقرة الثالثة من المادة السالفة الذكر؟ و هل يشكل هذا القرار بمثابة تطور او تراجع للقضاء المغربي ؟

:للإجابة عن هذه الأسئلة و غيرها و تسليط الضوء على هذه الإشكالية سنقسم الموضوع الى مطلبين أساسيين

المطلب الأول: مدى إلزامية إتمام المسطرة أمام مفتش الشغل حين تعذر إتمامها
المطلب الثاني : الإلزامية من جهة الإخبار فقط دون الإتمام تراجع أم تطور؟
المطلب الأول : مدى إلزامية إتمام المسطرة أمام مفتش الشغل حين تعذر إتمامها

تنص المادة الفقرة الثالثة من المادة 62 من م.ش" اذا رفض احد الطرفين إجراء او إتمام المسطرة يتم اللجوء الى مفتش الشغل " و في قراءة متأنية للفقرة السالفة الذكر يتبين أنها تبتدئ بأداة شرط، و الشرطان هما :
.حالة رفض إجراء مسطرة الفصل التأديبي بعدم الحضور
. حالة رفض إتمام مسطرة الفصل التأديبي
هذا من جهة و من جهة ثانية انه لم يرتب الأثر عن ذلك و لم يبين المراد من اللجوء إلى مفتش الشغل ، وهو الدفع الذي تمسكت به المدعى عليها في مختلف المراحل .

و هو الأمر الذي حاول الإجابة عنه القرار السالف الذكر انطلاقا من الأعمال التحضيرية له، و اكد على ان الغاية من اللجوء الى مفتش الشغل هو مجرد إخبار بتعذر انجاز مسطرة الاستماع و إتمامها و ليس مباشرتها او الإشراف عليها او مواصلتها و ان الامتناع عن الحضور او التوقيع يكتفي فيها فقط المشغل باشعار مفتش الشغل ، اذ انه لا يمكن و لا يجوز إتمام مسطرة الاستماع امام مفتش الشغل ، و ذلك بصريح نص المادة 62 من مدونة الشغل في كون مسطرة الاستماع تتم داخل المقاولة ، داخل اجل 8 ايام من تاريخ ارتكاب الخطا الجسيم لان عكس ذلك من شانه ان يفرغ الاجل المنصوص عليه بالفقرة الاولى من فحواه.

و يعتبر ما سلف تراجع عن الاجتهادات السابقة لمحكمة النقض الذي أكدت في العديد من قراراتها ضرورة إتمام المسطرة أمام مفتش الشغل في حال تعذر إتمامها .كالقرار 1711 الصادر بتاريخ 1 دجنبر 2011 في الملف الاجتماعي عدد 1306/5/1/2010 "ان تخلف المدعية عن جلسة الاستماع اليها لا يجعل المشغل في حل من اتمام مسطرة الفصل المذكورة برمتها ، بدليل ان الفقرة الأخيرة منه تجعل اللجوء إلى مفتش الشغل امرا لا محيد عنه اذا رفض احد الطرفين إجراء او إتمام المسطرة مما يرتب عنه ان الفصل يكتسي طابعا تعسفيا." بالإضافة الى القرار عدد 324 الصادر بتاريخ 28 فبراير 2013 في الملف الاجتماعي عدد 1301/5/2/2012 و المطلوبة في النقض و ان كانت قد استمعت للطاعن حول الاخطاء المنسوبة اليه و حررت محضرا في الموضوع فان امتناعه عن توقيعه لا يعفيها من اتمام المسطرة بالجوء الى مفتش الشغل لجبر الخلل عملا باحكام الفقرة الاخيرة من المادة المذكورة

و احكام وقرارات اخرى تسير في نفس الاتجاه و التي تلزم بإتمام المسطرة امام مفتش الشغل في حال تعذر إتمامها .

اذن فمن خلال ما سبق تبين ان محكمة النقض تراجعت عن الزامية إتمام المسطرة أمام مفتش الشغل و اكتفت فقط بإجراء إشعار مفتش الشغل .

المطلب الثاني : الإلزامية من جهة الإخبار فقط دون الإتمام تراجع أم تطور ؟
بنى الاتجاه الجديد لمحكمة النقض حول ضرورة إتمام المسطرة أمام مفتش الشغل من عدمه عند رفض احد الطرفين، على عدة أسباب نجملها في ما يلي :

.من حيث الغاية : هو الإخبار بتعذر انجاز مسطرة الاستماع
.من حيث مكان وقوعها: انه يجب ان تقع بإدارة المقاولة
.من حيث الأجل : ان إتمامها أمام مفتش الشغل يفرغ الأجل القانوني لها (8ايام) من فحواه

و اعتمادا على ذلك نود إبداء بعض الملاحظات و هي كالتالي :
1/ انه حسب القرار القضائي محل النقاش لازال يؤكد على وجوب مسطرة الاستماع في الشقين الاولين للمادة 62 من م.ش في حين حاول تفسير غموض الفقرة الثالثة منها على ان المقصود منها هو الإخبار لا الإتمام
غير انه من خلال نازلة الحال التي هي رفض توقيع الأجير عن المحضر لا عدم حضور الاجير و بالتالي تعذر اتمامها، يطرح اولا سؤالا أساسيا لماذا رفض التوقيع ؟ و حيث ان من يحرر المحضر هي ادارة المقاولة، فان تضمين وقائع غير صحيحة يدفع بالاجير بالامتناع عن التوقيع الذي هو ليس رفض للتوقيع في حد ذاته بقدر ما هو رفض لما ضمن به، و خصوصا في غياب الرقابة على تحرير محضر الاستماع ، وان الغاية من جلسة الاستماع هي التحري حول الخطأ الجسيم لا تضمين أقوال و أسباب الطرد للمشغلة ( المشغل خصم و حكم)، و بالتالي فان امتناعه عن التوقيع أمر بديهي و يستدعي تدخل مفتش الشغل لاتمام المسطرة امر ضروري بناء على دوره القانوني و الرقابي في مراعاة تطبيق احكام مدونة الشغل و دوره التصالحي و التوافقي و الحيادي في هذه الحالة (530 الى 533 من م.ش) و اضفاء ذلك الطابع الحمائي للاجير من تعسف المؤاجر و تضمين المحضر وقائع غير صحيح.

و ان القول عكس ذلك ينفي عنه دوره الذي منحه القانون ، فضلا عن ان التوقيع كبيان الزامي في المحضر حسب المادة 62 من م.ش يجعل المحضر و العدم سواء.

2/ أن مفهوم اللجوء يفيد الإتمام لا الإخبار فقط ، ذلك ان اللجوء عادة ما يكون في حالة اضطرارية او مكرها من اجل الاستعانة على ايجاد الحل من طرف خارجي لحالة تعذر اتمام مسطرة الاستماع و هنا ياتي دور مفتش الشغل التوافقي و التصالحي و الحيادي و تكريسا أيضا لمبدأ استقرار العلاقة الشغلية .
بقلم ذ عزالدين المولي
محام بهيئة الدار البيضاء . طالب بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق اكدال-الرباط
 


أعلى الصفحة